صحف عربية: موقف السراج من باريس.. وأوجه التشابه بين ما يحدث في ليبيا والجزائر والسودان

اهتمت الصحف العربية الصادرة اليوم الأربعاء بشكل واضح بموقف رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج من باريس وتحميلها مسؤولية هجوم القائد العام للقوات المسلحة خليفة حفتر على طرابلس، وأوجه التشابه بين ما يحدث في ليبيا وبين ما يحدث في الجزائر والسودان.

ازدواجية المواقف لدى باريس
نشرت جريدة «الشرق الأوسط» مقال الكاتب ميشال أبو نجم، تحت عنوان «السراج يُحمّل باريس مسؤولية هجوم حفتر على طرابلس» حلل فيه الموقف الفرنسي وعواقب ذلك على مستقبل علاقاتها مع ليبيا ودورها في الوساطة بين الأطراف.

وأشار نجم إلى أنه قبل ستة أيام اتهم فتحي باشاغا، وزير الداخلية في حكومة الوفاق الوطني، برئاسة فائز السراج، فرنسا للمرة الأولى بالوقوف إلى جانب المشير خليفة حفتر في هجومه على طرابلس. وقرر باشاغا وقف العمل بجميع الاتفاقات القائمة بين وزارته والجانب الفرنسي. وفي اليوم التالي جاء رد باريس عبر بيان صادر عن وزارة الخارجية، شككت فيه في أن يكون كلام وزير الداخلية معبّرًا عن موقف الحكومة الليبية.

كما سعت فرنسا لدحض الصورة التي تروَّج عنها، والتي تقدمها على أنها «عون» لحفتر، وأنها تقف في صف داعميه. لكن في أي حال، فإن باريس تعتبر أنه «لا حل عسكريًا في ليبيا»، وتشير إلى أن الرئيس ماكرون تواصل هاتفيًا مع السراج، وجدد له دعم فرنسا لحكومته.

واعتبر أن المساعي الفرنسية لم تلق نجاحًا، وأن محاولات باريس لتبييض صفحتها لم تؤتِ ثمارها، والدليل على ذلك الاتهامات المباشرة التي وجهها فائز السراج إلى فرنسا في حديث لصحيفة «لو موند» أمس. فقد قال السراج: «نحن مندهشون وحائرون إزاء موقف فرنسا، إذ كيف يمكن لبلد عاشق للحرية، ومتمسك بحقوق الإنسان وبالديمقراطية أن يلزم موقفًا غامضًا إزاء شعبنا الذي يتبنى القيم نفسها؟». وذهب السراج إلى اتهام فرنسا بالازدواجية لأنها، من جهة، «تعترف بحكومة الوحدة الوطنية» إلا أنها من جهة ثانية «تقدم الدعم مع آخرين لحفتر».

وذهب السراج أبعد من ذلك، إذ اعتبر أن «الدعم غير المحدود الذي قدمته فرنسا لحفتر هو ما جعله يقرر القيام بعمليته العسكرية. وخلص إلى أنه «بدل أن نعزز علاقتنا وشراكتنا مع باريس، نحن نتخوف من تدهور صورة فرنسا لدى الرأي العام الليبي، وذلك بسبب موقفها الغامض». لكن رغم تدهور العلاقة، فإن السراج لا يتخلى عن أمله أن تغير فرنسا نهجها.

وأهمية كلام السراج تكمن في ثلاث نقاط رئيسية، وفق مصدر دبلوماسي عربي رفيع في العاصمة الفرنسية، تحدثت إليه «الشرق الأوسط»، الأولى أنه للمرة الأولى «ينزع القفازات من يديه، ويسمي الأشياء بأسمائها»، ويتهم باريس بالوقوف وراء حفتر، بل إنه حمّلها مسؤولية جنوح قائد الجيش الوطني الليبي إلى الخيار العسكري للسيطرة على طرابلس، تحت عنوان محاربة الإرهاب. وبذلك يكون السراج قد تبنى مقولة مَن يتهم باريس بالازدواجية، وبأن اعترافها بشرعية حكومته بقي من غير مفعول ملموس ميدانيًا، رغم التعاون الأمني الذي كان قائمًا لجهة تدريب الحرس الرئاسي. والثانية أن السراج «خائب» من فرنسا، التي خذلته عندما احتاج إليها، لا بل إنها وقفت في صف خصمه اللدود «المشير حفتر»، الذي يصفه اليوم بأنه «مجرم حرب». وأخيرًا، فإن باريس يمكن أن تفقد ما سعت طويلًا لتجسيده، وما فتئت لغتها الدبلوماسية تشير إليه، وهي أنها «تتحدث إلى الطرفين»، وبالتالي كانت قادرة على أن تلعب دور الوسيط. لكن المصدر الدبلوماسي المشار إليه يرى أنها ستفقد هذا الدور.

ولا تتوقف تداعيات موقف باريس عند هذا الحد. فليس سرًا أن فرنسا، وبعد أن وفّرت الدعم العسكري والأمني لحفتر عامي 2016 و2017 للمساعدة على ضرب الإرهاب، سعت منذ وصول ماكرون إلى قصر الإليزيه إلى «لعب الحصانين معًا»: أي السراج وحفتر، وذلك من خلال دعوتهما لقمة عُقدت في يوليو من العام نفسه، وكررت ذلك بعد تسعة أشهر في قمة الإليزيه. وأكثر من ذلك، أرادت من القمة الثانية أن تتزامن مع انطلاق مهمة المبعوث الدولي غسان سلامة، الذي ما فتئت تعلن دعمها له وللجهود التي يقوم بها. لكن إذا صدقت الاتهامات المساقة ضدها، فإنها تكون إلى حدٍّ بعيد مسؤولة عن الفشل الذي آلت إليه جهوده. لا أحد يمكن أن ينكر لفرنسا مصالحها في ليبيا، وفي بلدان شمال أفريقيا، وأيضًا في بلدان الساحل. ولذا فإن «حلم الاستقرار» في ليبيا عزيز على قلب الحكومة الفرنسية، التي أعادت نشر قواتها الموجودة في الساحل، تحت مسمى «عملية برخان» لهدف رئيسي هو محاربة الإرهاب في الساحل.

يضاف إلى ذلك أن لها مصالح نفطية في ليبيا، وهي تتنافس بصددها مع إيطاليا. وربما راهنت باريس على حفتر بأنه رجل الأمن والاستقرار، أو أنها رأت أن توفير الدعم له سيحفظ لها مصالحها. لكن اتهامات السراج من شأنها أن تجعل موقفها أكثر صعوبة، خصوصًا إذا طال أمد هذه الحرب. وعندها ستكون باريس مضطرة إلى التراجع، والسير في ركب الوساطة الدولية المترنحة.

ليبيا، الجزائر، السودان
أما جريدة «الحياة» فأبرزت مقالة الكاتب إبراهيم الصياد التي عنونها تحت «تسونامي الأزمات العربية!» والتي اهتمت فيها بآخر التطورات الميدانية والسياسية في ليبيا، والحراكين الشعبيين في الجزائر والسودان، من وجهة نظر تعتمد على المؤامرة.

وقال: «سألني صديق لي هل تعتقد أن ما يحدث في ليبيا والجزائر والسودان هو من قبيل المصادفة البحتة؟ أجبت بالطبع: لا، غير أنه على رغم وجود دلائل ترتقي إلى مستوى اليقين أن ثمة مؤامرة حيكت وتحاك ضد العالم العربي، إلا أنني لا أفضل المنهج السهل في التحليل الذي يعتمد عليه كثير من الباحثين والكتاب في تفسير الأحداث conspiracy theory أو نظرية المؤامرة».

ومن الأوقع القول إن رد أي قضية محل الدراسة إلى عناصرها الأولية يعتبر الضرورة الموضوعية لفهم أبعادها قبل البحث في نتائجها وتداعياتها، وبالتالي ما تشهده الدول الثلاث الآن وما شهدته دول عربية أخرى من قبل يرجع إلى حالة يمكن أن يطلق عليها «قلة المناعة» أو الضعف العربي، مثل المرض الذي يبحث عن أضعف منطقة لكي يصيب الجسد. والشيء نفسه بالنسبة للعالم العربي، إذ نلاحظ أنه يسهل اختراقه من خلال أضعف ما فيه وهو من وجهة نظري هشاشة بعض أنظمته وصراع السلطة فيها.

نوضح بأنه إذا كان العرب في قوة ومنعة منذ أن روَّجت كونداليزا رايس نظرية «الفوضى الخلَّاقة» التي خرجت من رحِم مشروع شيمون بيريز «الشرق الأوسط الكبير»، لما استطاعت أن تؤثر أفكار رايس أو غيرها في المنطقة العربية، وما كنا شهدنا ظاهرة الإرهاب أو محاولة تدمير المجتمعات من الداخل بإثارة التوترات من دون أن يكون هناك تدخل خارجي مباشر وهو ما يعرف بحروب الجيل الرابع.

وعليه سهَّل عدم وجود إرادة جماعية للعرب انفراط العقد العربي، ما شجع البعض على تسويق صفقات مشبوهة مثل ما يُعرف إعلاميًا بصفقة القرن؛ على اعتبار أنها حل براق لما يعانيه العالم العربي.

وهي -أي الصفقة- ليست إلا أداة من أدوات تنفيذ مخطط لتفتيت العالم العربي إلى دويلات مهمشة. ففي 2011 الذي مثَّل بداية ثورات الربيع العربي، انقسم السودان إلى سودانيين؛ شمالي وجنوبي بعد أن كانت مصر والسودان في يوم من الأيام دولة واحدة. ونضيف إلى ما تقدَّم أنه حدث توظيف لهذه الثورات؛ ليس لمساعدة الشعوب على النهوض، وإنما لبث الفرقة بين الشعب الواحد بزرع جماعات وتنظيمات متطرفة في الأرض العربية.

وكانت العراق وسورية المثل الواضح على ذلك، لكن ليبيا هي المثل الأوضح اليوم حيث تدار أزمة هذا البلد وفق هذا الاتجاه مستندة في النهاية على الفكرة الأصل المتمثلة في تحويله إلى ثلاث دويلات: برقة وطرابلس وفزان.

أما في الجزائر فيوجد حراك شعبي ينادي بالتغيير مثله مثل الحراك الموجود في السودان، وهو في حد ذاته تطور إيجابي، غير أنه لم يتمكن حتى الآن من تقديم بدائل سياسية تترجم عملية التغيير إلى مشروع وطني يحقق الاستقرار سواء للشعب الجزائري أو الشعب السوداني، مع الفارق أن المؤسسة العسكرية السودانية كان لها اليد الطولى في تنفيذ عملية التغيير، لكن عقدة العسكرة ظلت هاجسًا يسيطر على الشارع السوداني ما يتطلب التخلص من هذه العقدة والاستفادة من كون المؤسسة العسكرية هي دائمًا الأكثر تنظيمًا وانضباطًا ووطنية في أي دولة متحضرة. على أي حال جعلت هذه العقدة الأزمة في الجزائر أو السودان تدور في حلقة مفرغة.

ونسلم في الوقت نفسه بأن الأزمات العربية كافة يتسم كل منها بقدر من الخصوصية بالنظر إلى الوضع الحالي في ليبيا نجد أن الحراك الشعبي منقسم على نفسه بين حكومة السراج ومقرها طرابلس ومعتمدة على الميليشيات المسلحة وجيش ليبيا الوطني القادم من الشرق الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر والمدعوم من كثير من الدول العربية لأنه يدعو إلى استقرار ووحدة الأراضي الليبية، أما خصوصية الوضع في الجزائر يتمثل في أن الحراك الشعبي فقد الثقة في كل رموز عهد بوتفليقة ما يجعل المرحلة الانتقالية صعبة للغاية في حين يفتقد الحراك السوداني القدرة على تقديم الحل لإقامة حكم مدني.

وكان من المفترض أن تجد الأزمات العربية حلولها بمعرفة التنظيم الإقليمي العربي؛ جامعة الدول العربية، غير أن الجامعة اليوم باتت من الضعف إلى حد العجز عن مواجهة تسونامي الأزمات العربية؛ سواء القديمة أم الجديدة.

وهكذا يصبح البديل العقلاني هو البحث عن جامعة أخرى أو اتحاد عربي جديد من حيث الشكل والمضمون لديه القدرة على التعاطي مع المشكلات العربية ومواجهة مخطط التفتيت. لا سبيل إلى تجاوز حالة الضعف العربي إلا بإنشاء وتفعيل ثلاثة اتحادات عربية بالإضافة إلى مجلس التعاون الخليجي القائم فعلًا، لتكون نواة الجامعة العربية الجديدة وهي: اتحاد الدول العربية في شمال أفريقيا ويضم مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا. اتحاد الدول العربية المطلة على البحر الأحمر ويشمل السعودية ومصر والأردن والسودان واليمن وجيبوتي والصومال، ويمكن أن تنضم إليه جزر القمر. اتحاد الدول العربية شرق البحر المتوسط ويضم الأردن وسورية ولبنان وفلسطين والعراق.

لو عمل كل تكتل وفق مصالحه القومية وسعى لاحتواء أزمات أعضائه وكوَّن نسيجًا متناغمًا في ظل تنظيم إقليمي جديد فاعل له مصالح عليا مشتركة تحت مسمى اتحاد الدول العربية لأمكننا عبور عنق الزجاجة وتخطي تسونامي الأزمات بسلام. وقد يكون كل ما ذكرته من باب الحلم العربي، عندما نتأمل أحوالنا بعمق، لكنه قد يكون بداية المشروع العربي المنتظر لمواجهة المشروع الصهيوني الذي لا يخفى على أحد.

المزيد من بوابة الوسط