جريدة «الوسط»: كر وفر ميداني وانقسام سياسي وضحايا مدنيون

سيارات مدمرة جراء اشتباكات طرابلس. (الإنترنت)

شارف الأسبوع الثاني من حرب العاصمة طرابلس على نهايته، وسط انقسام حاد في الأسرة الدولية بشأن التوصل إلى قرار وقف الاشتباكات العنيفة بين قوات الجيش التابعة للقيادة العامة وبين القوات التابعة لحكومة الوفاق، فيما تتواصل ميدانيا حرب الكر والفر على محاور جنوب طرابلس، فيتحدث كل طرف عن تقدمه أحرزه، وإلحاق خسائر بالطرف الآخر، لكن مراقبين عسكريين يقولون إنه «لا يبدو أي من المعسكرين قادر على حسم المعركة حتى الساعة».

للاطلاع على العدد 178 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

بموازاة ذلك، ومع ارتفاع حصيلة الاشتباكات إلى 205 قتلى و913 مصابًا،–وفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة -، وتصاعد معدلات النزوح من العاصمة والتي بلغت أكثر من 16 ألف مواطن منهم 2100 خلال 48 ساعة فقط–حسب تقديرات حكومة الوفاق -، فقد سجل الوضع الميداني هذا الأسبوع، مستجدا لازالت ردود أفعاله المحلية والدولية تتردد حتى الآن، وهو قصف أحياء سكنية مأهولة بالمدنيين في بلدية أبوسليم بصواريخ غراد، ما أسفر عن مقتل أربعة أشخاص بينهم ثلاث نساء، وإصابة أكثر من 26 آخرين في هجوم تبادل الجيش الوطني وقوات الوفاق الاتهامات الاتهامات بارتكابه.

صعوبات كبرى
إذ اعتبر الناطق باسم حكومة الوفاق مهند يونس أن «قوات حفتر تحاول التغطية على هزائمها على الأراض عبر قصف المديين بصواريخ غراد»، وهو ما رد عليه الناطق باسم القيادة العامة اللواء أحمد المسماري، بنفي امتلاك الجيش صواريخ «يصل مداها من منطقة تمركزها إلى منطقة القصف».

ويقول الباحث في مجال الدفاع في كينغز كولدج في لندن، أندرياس كريغ: «أعتقد أن حفتر يواجه صعوبات كبرى على الأرض غرب ليبيا»، مضيفًا أنه «متورط في حرب فظيعة بين ميليشياته والميليشيات التي تحاول الدفاع عن حكومة الوفاق الوطني»، وفق قوله.

وفي خضم هذه المتغيرات، ومع إصرار «القيادة العامة» على المضي بمعركة طرابلس إلى نهايتها، خرج رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، بتصريحات في عدة مناسبات، يتحدث عن أن «خليفة حفتر أثبت أنه لم يكن شريكًا حقيقيًا للسلام»، وبموازاة ذلك بدأ في التحرك نحو المحكمة الجنائية الدولية داعيا المحكمة الجنائية الدولية–في رسالة للمدعية العامة فاتو بنسودا–إلى التحقيق فيما اسماها «جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبها الجيش»، وذلك بعد يوم واحد من إعلان بنسودا، أن مكتبها يحقق حاليًا في عدة دعاوى خاصة بليبيا، ولا يزال منكبًا على رصد تطور الوضع في البلاد.

على الصعيد الدولي، ما يزال الانقسام هو سيد الموقف داخل مجلس الأمن بشأن إصدار قرار أو بيان موقف حاسم من حرب العاصمة، ففيما يدعو مشروع قرار بريطاني إلى وقف إطلاق النار، وعودة قوات القيادة العامة إلى نقاط تمركزها فيما قبل 4 إبريل–توقيت انطلاق عملية طرابلس، تقود روسيا موقفا يدعو إلى عدم ربط وقف إطلاق النار بعودة القوات إلى مواقعها السابقة، ما جعل دبلوماسيين ومحللين لا يخفون قلقهم من أن تتحول ليبيا إلى نموذج سوري آخر في إدارة الصراع داخل قاعات مجلس الأمن، خصوصا في ضوء مخاوف موسكو من تكرار سيناريو 2011 الذي تدخل فيه ا«ناتو» عسكريا في ليبيا، وساهم في إسقاط نظام العقيد القذافي.

دبلوماسيون يبدون قلقا من سعي الأطراف المتحاربة إلى «التسلح مجددًا من داعميها لإحداث فرق على الأرض»

كما يبدي دبلوماسيون قلقا من سعي الأطراف المتحاربة إلى «التسلح مجددًا من داعميها لإحداث فرق على الأرض»، بل وتفاقمت هذه المخاوف–وعلى نحو واضح–في تصريحات المبعوث الأممي غسان سلامة إلى هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) الإثنين الماضي والتي قال فيها «أسوأ مخاوفي هو احتمال وقوع تدخل أجنبي مباشر في الحرب»، مضيفا إن «هذا سيكون تغييرا كبيرا في قواعد اللعبة، وسيجعل الأمور شديدة الصعوبة، لأنه لو حدث تدخل أجنبي مباشر في الحرب، فذلك سيؤدي لتدخل مضاد من أطراف أخرى».

على أي حال، فإن مراقبين يرجحون أن يكون هذا التباطؤ الدولي عن اتخاذ قرار حاسم يحقن الدماء هو انتظار لما ستسفر عنه التطورات الميدانية على الأرض، وصولا إلى صيغة تستنزف الطرفين بما يجعل طاولة المفاوضات هي الملاذ الأخير، أو ربما تحقيق أحد الطرفين تقدما حاسما يقلب معادلة الصراع.

لكن اللافت، ووفق مراقبين، هو توقف التحركات الأميركية عند محطة تصريحات وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو حول ليبيا في 7 أبريل الماضي والتي دان فيها الهجوم الذي تشنه قوات الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر على مدينة طرابلس، ولم يصدر بعدها موقف أميركي آخر تجاه التطورات الحاصلة، واكتفت قيادة الولايات المتحدة لأفريقيا «أفريكوم»، بإعادة نشر تصريحات بومبيو، فيما اجتمع رئيس لجنة العدل بمجلس الشيوخ الأميركي السيناتور ليندسي غراهام الثلاثاء مع وزير الخارجية الإيطالي موافيرو ميلانيزي جرى التطرق إلى الوضع في ليبيا–دون تفاصيل لهذا اللقاء.

نقاش مطول
أما على الصعيد الأوروبي، فقد شهد البرلمان الأوروبي الثلاثاء الماضي نقاشًا مطولاً حول تطورات الموقف في ليبيا، وصدرت تحذيرات من خطر التصعيد العسكري من جهة، وتداعيات الوضع في طرابلس على وضعية المهاجرين ومخاطر تدفق الآلاف منهم نحو أوروبا، ورغم الحديث المتواتر بشأن تباين وجهات النظر، خاصة بين فرنسا وإيطاليا، إلا أن الممثلة العليا للسياسة الخارجية الأوروبية فيديركا موغيريني، جددت التأكيد على توافق الموقف الأوروبي حيال الأزمة في ليبيا.

لكن محللين يقولون إن تطورات الأسبوع الأخير لا تؤيد تصريحات موغيريني، فالخلاف بين الموقفين الإيطالي والفرنسي يزداد حدة، خصوصا عقب المواقف الأخيرة التي صدرت عن إيطاليا.

المسار الدبلوماسي
فرغم تأكيدات وزير الخارجية الإيطالي أن «المسار الدبلوماسي هو الوسيلة الوحيدة للحل»، إلا أن وزيرة الدفاع الإيطالية إليزابيتا ترينتا قالت إن حكومة بلادها لديها التزام قوي باتخاذ التدابير اللازمة للتوصل إلى حل سلمي للأزمة في ليبيا، ومن ضمنها «دعم قوات الأمن التابعة للحكومة الليبية المعترف بها من قبل المجتمع الدولي»، بل حسم وزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني، موقف بلاده بالقول إنّ «القائد العام للقوات المسلحة المشير خليفة حفتر يقوم بـ«انقلاب عسكري» على الشرعية.

باريس تقر بعملها عبر القنوات الثنائية والمتعددة لتشجيع هدنة تشمل جميع الأطراف الليبية لوقف الاقتتال في طرابلس

أما باريس، فقد أقرت بعملها عبر القنوات الثنائية والمتعددة لتشجيع هدنة تشمل جميع الأطراف الليبية لوقف الاقتتال في طرابلس، وفق بيان صادر عن وزارة الخارجية الفرنسية، الإثنين، بل وتسعى فرنسا في سبيل عقد مؤتمر مزمع للمصالحة الوطنية في ليبيا، وفق تصريحات وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان التي نقلها وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني.

ومع استمرار تجمد الموقف الميداني عند نقطة الكر والفر، وتعقد جهود الأسرة الدولية في التوصل لحل ينزع فتيل هذه الحرب، والمخاوف المتصاعدة من تحول الحرب الليبية–الليبية إلى حرب بالوكالة، يبقي السؤال معلقا حول فرص الحل السلمي الذي بات–ووفق محللين–أبعد من أي وقت مضى، رغم إصرار المبعوث الأممي غسان سلانة على التمسك بالمسار السياسي لحل الأزمة الليبية.

للاطلاع على العدد 178 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

المزيد من بوابة الوسط