جريدة «الوسط»: حرب العاصمة تتصدر المشهد وتطوي صفحة «غدامس» موقتاً

قوات تابعة لحكومة الوفاق الوطني خلال اشتباكات في منطقة عين زارة جنوب طرابلس. (محمود تركية، أ ف ب)

مع دخول حرب العاصمة طرابلس أسبوعها الثاني، تتصاعد وتيرة الاشتباكات، باستخدام مختلف أنواع السلاح، أرضا وأحيانا جوا، من كلا الطرفين، إذ بدا أن الجيش بقيادة المشير خليفة حفتر مصر على دخول العاصمة، وهذا خياره النهائي حتى الآن، بينما تصر القوات المنضوية تحت حكومة الوفاق على مواجهته وصده، لذا تراوحت حالات الكر والفر على جبهة الحرب الرئيسية جنوب طرابلس، بينما تراوحت في المقابل ردود الفعل الدولية، بين الشعور بالقلق والدعوة إلى ضبط النفس ثم حث أطراف الحرب على وقف الاقتتال والعودة إلى مواقعهم السابقة.

ميدانيا، استمر تبادل القصف بالأسلحة المتوسطة والثقيلة على المحاور التقليدية، جنوب العاصمة طرابلس (مطار طرابلس وقصر بن غشير، ووادي الربيع وعين زارة، وخلة الفرجان)، فيما لم ترد معلومات واضحة، عن اشتباكات تدور بعيدا عن العاصمة، في غريان وورشفانة، والجفرة. وأسفرت الاشتباكات عن مقتل 56 شخصا، وفق إحصائيات منظمة الصحة العالمية استندت إلى تقارير لمؤسسات طبية محلية، ولم تصدر إحصائيات دقيقة عن أعداد العائلات النازحة من مناطق الاشتباكات.

ردود الفعل الدولية تراوحت بين الشعور بالقلق والدعوة إلى ضبط النفس ثم حث أطراف الحرب على وقف الاقتتال

ومنذ اندلاع الأزمة كان ترمومتر المواقف يؤشر وبإجماع كبير نحو «وقف التصعيد» والتأكيد على أنه «لا حل عسكريا للأزمة» دون الإشارة إلى طرف بعينه، ومع تصاعد احتداد الحرب تعالت الدعوات إلى وقف الهجوم على العاصمة والعودة إلى مواقع ما قبل 3 إبريل.

ويقول مراقبون إن الهجوم المفاجئ لقوات الجيش بقيادة المشير حفتر أربك مساعي عقد الملتقى الوطني، مما دعا سلامة إلى إعلان تأجيله بعد طول إصرار على عقده، لكنه–وفي الوقت نفسه، أعاد الملف الليبي إلى دائرة الاهتمام الدولي، خاصة الأميركي، برسائل تدعو بوضوح المشير حفتر إلى وقف الهجوم باتجاه العاصمة، والعودة إلى ما قبل الوضع الحالي.

وفي كواليس وقاعات مجلس الأمن حالت المناكفة التقليدية بين الموقفين الأميركي والروسي دون الوصول إلى قرار حازم من شأنه أن يوقف الحرب، بعد أن عرقلت موسكو بيانا كان من المفترض أن يصدر عن مجلس الأمن ويدعو قوات الجيش بقيادة المشير خليفة حفتر، لوقف عملياتها في ضواحي العاصمة طرابلس، حيث ترى موسكو أن الدعوة يجب أن تشمل كل الأطراف.

وفي تصريحات، لقناة «فوكس نيوز» الأميركية، جدد وزير الخارجية الأميركي دعوته لقائد الجيش إلى «التراجع والعودة إلى طاولة المفاوضات»، محذرا من «استمرار الفوضى»، وفي رسالة تداولتها عدد من وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي أبلغت وزارة الخارجية الأميركية حفتر بأنها «لا تدعم» العملية العسكرية، وحثته على التوقف «فورا» عن التحرك إلى المدينة والعودة إلى المواقع السابقة.

وكانت بريطانيا التي دعت إلى عقد جلسة مجلس الأمن اقترحت صدور بيان رئاسي عن مجلس الأمن وليس بيانا صحفيا (البيان الرئاسي يتمتع بصفة رسمية أكثر من البيان الصحفي)، لكن روسيا اعترضت على ذلك فغاب الإجماع وسقط المقترح البريطاني. وتضمن النص الذي اقترحته بريطانيا تهديدا بمحاسبة قوات حفتر إذا لم توقف هجومها، وهو ما يترجم تصريحات وزير الخارجية البريطاني جيريمي هنت التي قال فيها إنه «ليس هناك أي مبرر لتحركات الجيش في طرابلس».

في كواليس وقاعات مجلس الأمن حالت المناكفة التقليدية بين الموقفين الأميركي والروسي دون الوصول إلى قرار حازم لوقف الحرب

وأمام السؤال عن مصير الملتقى الوطني الليبي الذي كان مقررا له أن ينعقد بين 14 و16 من أبريل الجاري، عبر سلامة عن إصراره على عقد الملتقى الوطني في موعده المقرر بين 14 و16 أبريل، لكن مع تصاعد الأوضاع الميدانية، عاد المبعوث الأممي -كما كان متوقعا–ليعلن الثلاثاء، تأجيل الملتقى إلى أجل غير مسمى، ورغم هذا التأجيل قال في بيان إنه «حريص أكثر من أي وقت مضى على عقد الملتقى الوطني في أقرب وقت»، وذلك باعتبار النتائج التي توصل إليها مؤخرا «فرصة تاريخية»، تستدعي عدم السماح بإفسادها.

وبموازاة تعقد الجهود الأممية، لم يخرج الموقف الأوروبي في التعاطي مع الأزمة، عن سياقه المعتاد برفض الحل العسكري، والركون إلى الحل السياسي، لكن بقيت الاستراتيجية الموحدة هي المعضلة الرئيسية لدول الاتحاد الأوروبي، ما أقر به رئيس البرلمان الأوروبي، أنطونيو تاياني، باعترافه بغياب استراتيجية تحرك موحدة ومشتركة في ليبيا، وبدا ذلك مع عدم صدور أي بيان رسمي عن ليبيا في ختام اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في لوكسمبورج، وإن كانت الممثلة العليا للأمن والسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديركا موغيريني، صرحت بأن «رسالة أوروبا يحب أن تكون من أجل «تطبيق كامل لهدنة إنسانية... وتفادي أي عمل عسكري وتصعيد آخر والعودة إلى المسار السياسي».

للاطلاع على العدد 177 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

مجموعة الدول السبع الكبار خرجت ببيان لا يدين طرفا معينا في الأحداث، مشددة على أنه «لا يوجد حل عسكري للأزمة في ليبيا». واعتبرت في بيان بختام اجتماع بغرب فرنسا، الجمعة، أن «أي جهة تؤجج الصراع تضر بالأبرياء وتقف في طريق السلام»، داعية إلى وقف العمليات العسكرية في طرابلس.

ووسط هذه التفاعلات الدولية والإقليمية التي باتت في طور النضوج، جاء تحذير مجموعة «الأزمات الدولية» من «حرب بالوكالة بين القوى الإقليمية ويسبب خسائر لا حصر لها بالإضافة إلى الدمار الهائل مع إطالة أمد الحالة المضطربة في ليبيا بعد العام 2011». ورجحت المجموعة التي تتخذ من بروكسل لها أن «يتحول التصعيد الحالي إلى معركة مطولة وربما حصارا مطولا لطرابلس ، مع تزايد الخسائر المدنية، وقد ينتشر إلى أجزاء أخرى من البلاد».

للاطلاع على العدد 177 من جريدة «الوسط» اضغط هنا