النجاة من البحر لجحيم البر.. «الوسط» ترصد معاناة مهاجري مركز إيواء سبها

مهاجرون في مركز إيواء سبها. (تصوير رمضان كرنفودة)

النجاة من الموت غرقًا في قلب البحر المتوسط غير كافٍ لتغيير حياة المهاجرين غير الشرعيين في ظل أوضاع معيشية متردية في مراكز الاحتجاز بليبيا، والتي لا تزال تعاني من خدمات متدنية، تعجز إزاءها المؤسسات الليبية في تغييرها للأفضل بالنظر إلى الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تواجهها.

ولا يزال المهاجرون يتدفقون على الأراضي الليبية من الدول الأفريقية المجاورة، وهم الوافدون الذين تقدر أعدادهم بنحو مليون مهاجر بقوا عالقين في ليبيا، وسط رفض بلدان من غرب أفريقيا استعادة مواطنيها، يقابل برفض ليبي ومطالبة بالمساعدة في تحسين أوضاع مراكز الاحتجاز ومن ثم ترحيل المحتجزين إلى بلدانهم الأصلية.

وكغيره من مراكز الإيواء رصدت «الوسط» في جولة ميدانية معاناة المهاجرين داخل مركز إيواء سبها، والتي تمثلت في قلة الإمكانيات التي تحول دون تقديم الخدمات للمهاجرين، فضلاً عن أحاديث متفرقة لمهاجرين ومسؤولين عن تفاصيل الأمور المعيشية اليومية.

غياب صيانة 
المسؤولون تحدثوا مع مراسل «الوسط» عن قلة الإمكانيات، حين قال الرائد أيمن أحمد عبدالقادر مدير مركز إيواء سبها إن المركز يعاني من عدم صيانة المرافق مثل عنابر الإيواء ودورات المياه إلى جانب الصرف الصحي والمطبخ . ومتحدثًا عن وضع متدنٍ بغياب أقل الإمكانيات المعيشية، أشار عبدالقادر إلى أن الإدارة تحتاج إلى تجهيزات مكتبية، لكون المركز يحتوي على خمسة أقسام أو إدارات تعمل فى مكتبين فقط، كما لا يوجد بهم تجهيزات مثل أجهزة الحاسوب أو طابعة، هذا فضلاً عن أنّ أغلب عناصر الإدارة يقومون بأعمالهم وهم واقفون أو جالسون فى ممرات المكتب، حتى أنّ غرفة الحراسة لا يوجد فرش مبيت أو دورة مياه، كما يفتقر المركز إلى السيارات والملابس والتجهيزات.

الوضع الصحي
أما عن الوضع الصحي فأشار مدير المركز إلى أن الوضع سيئ للغاية، مع عدم وجود ممرض مناوب أو عيادة أو سيارة إسعاف، ويتم نقل المريض بالسيارات العاملين الخاصة، لاسيما مع وجود عدد من النزلاء مصابون بأمراض خطيرة ومعدية مثل مرض الوباء الكبدي وهو ما يهدد العاملين وبقية النزلاء أيضًا.

الأمر السيئ نفسه ينطبق على التغذية داخل مركز الإيواء، حيث جرى التعامل مع إحدى شركات التموين بشكل فردي لتقديم ثلاث وجبات يومية إلى النزلاء، رغم قلة الإمكانيات المادية. ورغم أنّ تقارير دولية وحقوقية تحدثت عن انتهاكات داخل مراكز الإيواء لكنّ محتجزين تحدثوا عن معاملة حسنة من قبل العاملين في مركز إيواء سبها، بيد أنّ المشكلة تتمثل في قلة المكانيات المتاحة وأبسط مقومات الحياة الكريمة.

معاملة ممتازة
بهذا المضمون قال مهاجر سوداني يدعى «الناير البشير» إنّ معاملة عناصر المركز «ممتازة»، نافيًا وجود أية حالات تعدي بالضرب أو الإهانة، بالإضافة إلى أنّ وجبات الطعام تقدم بانتظام، ولكن الجميع لا يزال يعاني ظروفًا صحية سيئة للغاية.

ويواصل البشير حديثه بأنه مصاب بمرض فى المعدة، لاسيما مع عدم وجود عيادة أو طبيب معالج أو حتى عناصر تمريض، ورغم ذلك يتطوع العاملون في المركز لنقل بعض الحالات إلى المستشفى بسياراتهم الخاصة، حيث يتم تقديم بعض الأدوية، داعيًا إلى ضرورة إيجاد حلول عاجلة لمعالجة أوضاعهم ونقلهم إلى بلدانهم.

مهاجر آخر يدعى «سامويل» يحمل جنسية غانا، يسرد قصة قدومه إلى ليبيا قبل 5 سنوات، في رحلة شاقة من غانا والنيجر كلفته وقتها 1750 دينار ليبي، حيث مكث فى طرابلس 3 سنوات، قبل الانتقال إلى سبها لمدة عامين، للعمل فى عدة مزراع وغيرها، قبل أن يتعرض للسطو وسرقة هاتفه وبعض المال، وبعدها ألقت الجهات الأمنية القبض عليه واقتياده إلى مركز إيواء سبها، بينما يحلم بالعودة إلى بلده.

أما يعقوب عيسى المهاجر السوداني فأشار إلى أنه مصاب بمرض الكبدي الوبائي، بالإضافة إلى وجود حوالي 20 مهاجرًا مصابون بالمرض نفسه، وسط غياب الرعاية الصحية أو الأدوية، لافتًا لى أنه مكث في مركز إيواء قنفودة فى بنغازي قبل أن ينقل إلى سبها بغرض ترحيله إلى بلده، لكن لم يتخذ أي إجراء في هذا الخصوص، بالتزامن مع وضع صحي ونفسي متدهور، داعيًا سفارة بلاده ومنظمة الهجرة الدولية بضرورة التحرك السريع لترحيلهم إلى بلده.

وبينما يركز الاهتمام الأوروبي والدولي على معالجة مسببات الهجرة أحيانًا ومواجهة عمليات العبور أحيانًا أخرى، فإن التفكير في أحوال المحتجزين على الأراضي الليبية يبقى بعيدًا عن دائرة الاهتمام المادي والخدمي، وهو ما يواجه بمطالب ليبية متعددة بضرورة دعم تلك المراكز ماليًا. وتفاقمت قضية الهجرة غير الشرعية منذ 2011، إذ يستغل المهربون الفوضى التي تسود ليبيا لنقل عشرات الآلاف من المهاجرين سنويًّا باتجاه أوروبا، فيما يشكو الأوروبيون باستمرار من تفاقم الأزمة. يأتي هذا فيما يمارس الاتحاد الأوروبي والدول الغربية ضغوطات من أجل إقامة مراكز استقبال للمهاجرين في شمال أفريقيا «مصر والمغرب وتونس وليبيا والجزائر»، وهو ما ترفضه حكومات هذه الدولة.

مهاجرون في مركز إيواء سبها. (تصوير رمضان كرنفودة)

المزيد من بوابة الوسط