مخطوفو الفقهاء وتازربو .. تفاصيل 64 يوماً داخل حاوية «داعش»

64 يوماً أمضاها زكريا وإحميدة في قبضة الرعب الخانق وعلى ذمة القتل بدم بارد، على يد عناصر تنظيم «داعش»، وبين 28 من أكتوبر والأول من يناير تنوعت حكايات الإرهاب بين خطف وقتل وتعذيب وانتهاك الإنسانية في أسر التنظيم المتطرف، لكن طوق النجاة كان فتحة طعام صغيرة ساقتها الأقدار لتكتب لأبناء منطقة الفقهاء وتازربو بواحة الجفرة (جنوب البلاد) عمراً جديداً.

في ليلة خيم عليها السكون بالفقهاء، استقبلت أسرة رئيس الفرع البلدي أحمد ساسي ضيفاً من ودان، وفيما كان نجله زكريا (26 عاماً) برفقة شقيقه وائل يجالسان الضيف في جناح بجوار المنزل، انكسر جدار المؤانسة وواجب الضيافة بزلزال «داعش».

عن تلك اللحظات المرعبة يروي زكريا: «تركت أخي مع الضيف بالجناح الخارجي، ولم تكد تمر لحظات حتى سمعت ضجيجاً في الممر الخارجي، لتتعالى بعد قليل أصوات طرقات عنيفة على أحد أبواب المنزل، ولم يرد الطارق على شقيقتي».

«الدواعش» دفنوا ألغاماً على طول الطريق إلى غدوة

وهنا بدأت أصوات الرصاص تكسر سكون ليل الفقهاء، ليلمح زكريا الذي خرج من باب جانبي خاص بالضيوف شخصاً مسلحاً، ويستطرد: «اعتقدت في بادئ الأمر أنه ينتمي للمعارضة التشادية نظراً لبشرته السمراء، ومشكلات والدي مع عناصرها».

ويضيف: «بدأ بإطلاق الرصاص حين رآني، ولم يكن هناك سلاح بحوزتي بل مع شقيقي وائل، إلا أنني أسرعت بدخول المنزل لحماية أمي وأخواتي بسكين، بناء على طلب والدي الذي اتصلت به هاتفياً». عاد صوت طرقات «داعش» على باب منزل رئيس الفرع البلدي، لكن نجله زكريا فتح الباب ظناً أن والده هو الطارق، وأُسقط في يده حين رأى مسلحين اثنين، أحدهما أسمر البشرة والآخر أبيض ذو عيون خضراء، وحين سارع بإغلاق الباب بدأ المسلحان إطلاق الرصاص.

رائحة الخمر
وهنا يواصل سرد روايته قائلاً: «طلبت من أخوتي الهروب عبر النافذة إلى منزل الجيران وطلب النجدة»، ويضيف: «كسروا الباب علينا بالسلاح بعد هروب اثنين من أخوتي، وحين سقطت في قبضتهم أدركت من طريقة كلامهم أنهم ينتمون لتنظيم داعش رغم أن رائحة الخمر تفوح من أفواههم».

رائحة الخمر كانت تفوح من أفواه «الدواعش».. و الصدفة قادت بعض الأبرياء إلى حاوية المزرعة

اقتاد عنصرا «داعش» زكريا بالقوة إلى خارج المنزل بعد أن سألاه عما إذا كان هو رئيس الفرع البلدي، فأجاب بالنفي، وأمام البيت بدأ الداعشي ذو العينين الخضراوين ويدعى صلاح في استجواب نجل أحمد ساسي، ويقول: «أمسك الداعشي الذي ينتمي إلى بنغازي لحيتي، وسألني عما إذا كنت أنتمي لـ (داعش) أو الجيش، فأجبت بالنفي أيضاً».

وحسب رواية نجل ساسي، فإن والدهم رئيس الفرع البلدي كان هدف عناصر التنظيم من عملية الخطف، إذ سأله الخاطفون قبل أن يقتادوه إلى سيارة «هيونداي النترا» عن مكان تواجده، فكانت إجابته بنفيه معرفة ذلك، وتكرر هذه السؤال حين أنزلاه من السيارة، وسط تصاعد لأصوات الرصاص في محيط المنزل.

ورغم بدء رحلة المجهول، إلا أن القلق لازم زكريا على مصير شقيقه وائل، ويقول: «فوجئت بالضيف الوداني في السيارة، وحين كررت سؤاله عن مصير شقيقي طالبني بالصمت، لكن قلبي اطمأن حين سمعت صوت أخي يناديني من حقيبة السيارة »، ويضيف: «وضعوا شاباً تشادياً إلى جواري وحذرني أحدهم من إطلاق النار حال تحركي».

اللافت، أنه انضم إلى قائمة المخطوفين أشخاص قادتهم الصدفة إلى موقع الحادث، فقد هرع إلى المكان أحد الجيران ويدعى صلاح على صوت صراخ زوجة رئيس الفرع البلدي، فضربه الداعشي وأجبره على ركوب السيارة، ويقول زكريا ساسي: «تفاجأت بخطف ابن عمي حسن الذي جاء لزيارة أخته في الفقهاء».

إجرام «الأقطع»
مضت ساعات الخطف العصيبة إلى محطة دامية مع «الأقطع»، وهو داعشي من مدينة درنة اسمه أسامة، وأُطلق عليه هذا اللقب بسبب ساقه المقطوعة، ويقول: «نزل الأقطع من سيارة نوع تويوتا، وأيقنت أنهم دواعش حين تعرفت على هويته، إذ أنه أحد الذين ظهروا في فيديو حادث بوابة الفقهاء».

«قلتلوا أخي» هكذا يقول صلاح، وقد استعاد وجهه علامات الصدمة والألم، ويقول: «نزل الأقطع من السيارة، فقال له صلاح وجدنا مرتدين، ورد الأقطع أين هم؟ فأخرج صلاح ثلاثة شباب من شنطة السيارة بينهم أخي وائل، وأطلق عليهم الرصاص بعد أن طلب منهم الانبطاح على الأرض».

فتحة طعام وكشك سجائر أنقذا مخطوفي الفقهاء وتازربو من مجزرة

توقفت أنفاس الحياة في قلب وائل (نجل رئيس الفرع البلدي في الفقهاء)، ويقول شقيقه: «علمت بعد ذلك أن أخي أخبرهم بأنه يعمل في الجيش حين سألوه عن عمله، رغم أنه لم يلتحق بالجيش من قبل»، ولا تزال الدهشة تلاحق زكريا الذي يتساءل: «لا أدري لماذا قال لهم ذلك؟!».

مرة أخرى عاد السؤال يتجدد على لسان عناصر «داعش» حول مكان وجود رئيس الفرع البلدي، إذ كرر الداعشي الليبي هذا السؤال على مسامع المخطوف، الذي كانت إجابته بالنفي، لكن الأسئلة لم تتوقف وتطرقت إلى جوانب أخرى.

ويوضح زكريا «سألني الداعشي (أين السلفية)، فأجبته (هل للسلفي علامة مميزة)، فعاجلني بسؤال آخر (هل خطيب الجامع سلفي؟)، فكان الرد على السؤال السابق هو الإجابة»، ويضيف: «خلال الاستجواب سألني (هل يتحدث الخطيب عن داعش؟)، فأجبته بالنفي».

تلقى تنظيم «داعش» معلومات بقدوم الكتيبة 28 التابعة للجيش، فسارع الأقطع إلى قراءة بيان الخطف، بعد أن تعمد وضع زكريا وابن عمه حسن في خلفية التصوير المسجل في رسالة واضحة إلى رئيس الفرع البلدي، لكن مشهد الدماء عاد مرة أخرى، فقد قتل حسن على يد الداعشي الليبي، وسارع آخر سوداني بإطلاق رصاصات أخرى على الجسد المدرج بالدماء.

الطريق إلى السجن
في الطريق إلى سجن «داعش»، مضت السيارات التي تحمل المخطوفين التسعة على مجموعتن، نحو صحراء الهروج، ومزرعة في منطقة غدوة. ويقول: «وصلنا متأخرين إلى المزرعة الساعة الثامنة صباحاً، لأن الدواعش كان يدفنون أجساماً غريبة طوال الطريق. علمت بعد ذلك أنها ألغام».

وفي المزرعة، أو سجن داعش، وضعت عناصر التنظيم غطاء رأس بلاستيكياً ضاغطاً على رأس وعيني زكريا، وحين طلب منهم إزاحته لأنه مؤلم، وضعوا لي وشاحاً على عينين كان مخضباً بالدماء، ويقول: «وجدت نفسي داخل مزرعة بها استراحة حين أزحت الشال قليلاً عن عيني».

لم تكن تلك المزرعة هي المحطة الأخيرة للخطف، إذ نقل تنظيم «داعش» المخطوفين إلى حاوية في مزرعة أخرى، ويوضح «كان أمير المجموعة يمني الجنسية، ويستجوب الرهائن يومياً، ويسألهم عن العسكريين وأماكن سكنهم عن طريق تقنية «جي بي إس».

«الأقطع» أصر على وضع زكريا في التسجيل المصور

بدأت عناصر التنظيم التحقيق مع زكريا، وسأله الأقطع حول ما إذا كان يتبع حفتر، ومكان أبيه، فرد بأنه يجهل مكانه، فقال الأقطع: «لو تحصلنا عليه لقتلناه لأنه سلم اثنين من داعش للجيش الليبي»، أما الأمير اليمني فكان يهدد ويتوعد في حال لم يتم الإفراج عن الدواعش الذين ضبطهم الجيش، وتوعد بشن غارات أخرى على الفقهاء وخطف المزيد».

في هذه الأثناء كان المخطوفون يتابعون عناصر «داعش» عبر فتحات الحاوية، ويقول زكريا: «كانت جميع تحركاتهم عند اكتمال القمر، وبعد فترة في يوم قمري أغاروا على مدينة تازربو وخطفوا 12 شخصاً وحبسوهم معنا في الحاوية»، ويعبر عن اعتقاده بأنهم «يفرقون الرهائن للخداع، ثم يجمعونهم في نفس الحاوية». ويردف قائلاً: «لاحظنا أن تلك المزرعة مجهزة لهذا الأمر، ووجود آثار لآخرين قبلنا، حيث إن الحاوية بها فتحتان فقط، واحدة بالسقف للتهوية والأخرى أسفل الحاوية للطعام حتى لا يضطروا لفتح باب الحاوية».

الهروب
وعلى مدار 65 يوماً لم تفارق فكرة الهروب مخيلة المخطوفين، حتى أنهم فكروا في إخفاء أحدهم في برميل خاص بقضاء الحاجة والإبلاغ عن هارب، حتى يُنقل المخطوفون من المزرعة، ويفر الشخص الموجود في البرميل وينقذهم»، لكن طوق النجاة جاء من حيث لا يتوقع أحد.

توصل المخطوفون إلى فتحة الطعام، ومساعدة رهائن مدينة تازربو في توسعة الفتحة حتى يتمكن اثنان من الهرب والذهاب إلى مدينة غدوة وطلب المساعدة، أحدهما إحميد إحميدة صالح الذي يعمل ميكانيكياً، وخطفته عناصر «داعش» خلال خروجه في رحلة برفقة أصحابه خارج المدينة.

الأمير اليمني توعد بشن غارات أخرى على الفقهاء والمخطوفون فكروا في الهروب بـ«برميل قضاء الحاجة»

يلتقط إحميدة أطراف الحديث قائلاً: «هربت في الساعة السابعة مساءً ووعدت زملائي أني سأعود، ووصلت مدينة غدوة الساعة التاسعة ووجدت كشك سجائر، وطلبت منه الهاتف، وحين سألني ما الأمر؟ أجبته أن أحدهم سرق سيارتي وبها الهاتف وأود إبلاغ الشرطة»، ويستطرد بالقول: «اتصلت بسرية خالد بن الوليد وانتظرتهم حين وصلوا وأوصلتهم إلى مكان المزرعة».

بدأت المناوشات بين سرية خالد بن الوليد والدعم من المدن المجاورة، وكان المخطوفون يراقبون المشهد من فتحات الحاوية، ويعود الحديث إلى كمال (نجل رئيس الفرع البلدي) ويقول: «سمعناهم يبلغون رفاقهم في المزرعة الأخرى، وشاهدنا الأمير اليمني يحمل حقيبته أثناء هروبه»، فيما يوضح إحميدة قائلاً: «هناك من فجر نفسه، أو هرب، أو لقي حتفه، لكنهم مازالوا موجودين وينفذون عمليات خطف في غدوة».. وبعد فتح الحاوية، أجرت سرية خالد بن الوليد عمليات تمشيط، ووجدوا سيارة مفخخة، من الواضح أنها كانت مجهزة لعملية إرهابية، إضافة إلى أموال وأسلحة، لتنتهي قصة مخطوفي الحاوية لكن لا تنتهي قصص الخطف على يد هذا التنظيم الإرهابي.

كلمات مفتاحية