الفاخري لـ«الوسط»: إمكانات ليبيا لا تسمح ببرنامج نووي

في ديسمبر من العام 2003 أسدل الستار على البرنامج النووي بعد قرار النظام الليبي تفكيك البنية التحتية النووية على نحو طوعي، وسط هلع من تكرار سيناريو غزو العراق.

ومنذ ذلك الحين، خلق البرنامج النووي سحب تساؤلات كبيرة لم تجد لها إجابات في تلك الفترة، وبقيت الأسئلة معلقة على أبواب مؤسسة الطاقة الذرية التي تم إنشاؤها 1973م بطرابلس، وعملت في المجال العسكري والسلمي حتى عام 2002.

في مطلع عام 2016 عادت المؤسسة للعمل مجددًا من مدينة بنغازي تحت رئاسة د. سالم الفاخري، جريدة «الوسط» التقت برئيسها الدكتور سالم الفاخري، وكان هذا نص الحوار:

● هل المؤسسة ستبدأ العمل بقوانين جديدة، أم إنها امتداد لتلك التي نشأت العام 1973م؟
 هي ذات المؤسسة، وتعمل تحت ذات القانون رقم 54 لسنة 1973، الذي يحدد مهامها، وجهة تبعيتها ونشاطاتها. في السابق كان لها فرع واحد، وهو موجود في العاصمة طرابلس فقط ، التي يتبعها المركز المرجعي، أو ما يسمى بمركز البحوث النووية بتاجوراء، وكان لها دور كبير جدًا في جميع النواحي من حيث دراسة التلوث البيئي الإشعاعي، والغذائي، والطبي، كما أن بناء الكوادر المتخصصة في هذا الجانب كان من ضمن أهداف المؤسسة.

● كنت من ضمن العاملين بالمؤسسة سابقًا؟
- أنا كنت من ضمن الباحثين التابعين لمركز البحوث النووية ، وتم إيفادي للدراسة بالخارج تخصص فيزياء طبية.

● ولماذا تخصص الفيزياء الطبية؟
من المغالطة القول إن الباحث يجب أن يتخصص في الفيزياء النووية حتى يتمكن من العمل في مركز البحوث النووية، فمؤسسة الطاقة الذرية تشمل الجوانب السلمية والعسكرية، وليبيا عملت في المجال البحثي فقط لا غير في المجال العسكري، إلى نهاية التسعينيات.

● هل كان المفاعل الليبي ذي طبيعة عسكرية ..؟
 لا، كان المفاعل بحثيًا وليس تصنيعيًا كما يتوقع البعض، لذلك سمي بمركز البحوث النووية، على العكس من المفاعلات النووية الموجودة في العالم.

● لكن سياسيين ودبلوماسيين تحدثوا وقتذاك عن أبحاث متقدمة جدًا في ليبيا، ما أثار ضجة كبيرة حول البرنامج؟
نعم، كانت هناك أبحاث، لكن الضجة التي حدثت جزء منها سياسي أكثر منه جزء خاص بالتصنيع النووي، والقول إن ليبيا امتلكت أوسلمت الأسلحة النووية، أوصرفت مبالغ كثيرة هو محض افتراء.
ليبيا من بين الدول غير الموقعة على معاهدة حظر انتشار أسلحة الدمار الشامل، وهذا يعني وجود طموح لدى الدولة لتصنيع هذه الأسلحة.وعلاوة على ليبيا تصاعدت الضغوط حينها على ما كانت تسمى بـ«محور الشر» التي تشمل العراق وإيران وكوريا الشمالية. وعلى ضوء هذا الكلام، وبعد أن استجابت ليبيا ووقعت على المعاهدة في نهاية 2002م، خف الضغط الإعلامي.

● وما تأثيرات حرب العراق على القرار الليبي؟
ليبيا وقعت المعاهدة في العام 2002 وسلمنا المعدات البحثية، وكان هناك برنامج طموح، لكن ليس مثلما يتصور البعض إنه مشروع لتصنيع القنابل الذرية، ولكنها أبحاث قريبة من هذا.
الغرب وإعلامه أعطوا الملف أكبر من حجمه الحقيقي، أما إذا كان هناك جانب آخر يخص الجانب العسكري في المؤسسة في السابق فهذا ليس لدينا به علم، ولكن حين يجري تطوير عسكري للبرنامج فهذا موضوع سري لم يكشف عنه .

● في حوار مع أحد العلماء العراقيين حول برنامج العراق النووي قال إن المشاريع النووية تحصن الدول ضد الغزو من الدول الكبرى، فما رأيك في هذا القول؟
صناعة القنبلة النووية موضوع لا يحتاج إلى نقاشات فنية وتقنية وبحثية فقط، بل يحتاج أيضًا ميزانيات ضخمة، والاقتصاد الليبي لا يسمح بدخول هذا الغمار، وجلب مفاعلات مثل الموجودة في إيران، مع العلم بأن أعلى ميزانية صرفت 40 مليار دينار. ولا يجب النظر إلى الموضوع بسطحية، في ظل ارتفاع تكلفة المواد والأبحاث، وخطورة النتائج إذا ما كانت سلبية.

● حين انتشرت قصة المشروع النووي انتاب الليبيين شعور بالفخر والحماس الوطني، على اعتبار أننا نمتلك علماء مميزين، فماذا تقول عن ذلك؟
نعم نحن لدينا أشخاص مميزون في هذا المجال ، لكن لابد من تغيير ثقافة المجتمع والمسؤول، والحكومة. على سبيل المثال، يتداول الكثيرون أن الطاقة الذرية هي أسلحة الدمار الشامل، لكن الجانب العسكري في المؤسسة لا يشكل إلا 10% فقط، مقابل 90% للجانب السلمي.

● ما طبيعة هذه الاستخدامات السلمية؟
كل المفاعلات النووية في العالم تستغل في الكهرباء وتوليد الطاقة التي يحتاجها الإنسان في حياته اليومية، فمثلًا نحن في ليبيا نعاني مشكلة انقطاع الكهرباء والمياه، لأننا نعتمد على النظام الكلاسيكي ، الميكانيكي عن طريق الديزل، أوعن طرق الغاز، بينما العالم يعتمد على المفاعلات النووية في توليد الكهرباء وتحلية المياه.

● وماذا عن النفط؟
النفط الذي ننتجه ونبيعه لننفق عائداته على صحتنا وللعلم فإن استخراج النفط يحمل مواد مشعة ضارة، فهل الشركات والمنشآت النفطية المحلية أوالأجنبية تطبق معايير السلامة والجودة، هل يتم التخلص من المواد المصاحبة للنفط بالطريقة الصحيحة ، أو إنها تطير في الهواء.

الاشعاع النووي يخرج من مكان ، ويطير آلاف الكيلومترات مع الريح ويلوث الجو، وهذا يسبب أمراضًا مزمنة منها السرطان وغيره.

● وهل هناك تواصل بين المؤسسة والشركات النفطية؟
كان لدينا تواصل في السابق حيث كان هناك فريق متخصص من المؤسسة، يذهب إلى كل الحقول النفطية، ويكشف على نسبة الاشعاع، وعلى آليات التخلص من المخلفات النفطية، للتعرف على مكان التخلص منها.

ففي أحيان كثيرة تأتي شركات نفطية عالمية إلى ليبيا، وتستخرج مادة تسمى «النورم» وهي مادة ضارة تخرج مع النفط، وتتخلص منها في الصحراء الليبية في بعض الأحيان، فهل التخلص منها كان بالطريقة الصحيحة، وهل هي مخزنة في براميل مخصصة ، وفي بقعة محددة أم كان التخلص عشوائيًا. فإذا كان كذلك فإنها ستتسرب إلى المياه الجوفية، ونشربها ذات يوم، وبالتأكيد فإن الحقول النفطية الليبية خارج حدود الرقابة خلال السبع سنوات الماضية.

● هل تتواصل المؤسسة مع مراكز أوأقسام الأورام؟
نعم ، هناك إصابات بالسرطان لا تتلقى العلاج إلا في قسم الطب النووي، ويوجد به أطباء متخصصون يتبعون مؤسسة الطاقة النووية ، أو درسوا على نفقتها سابقًا.
ويجري فحص المرضي بأجهزة حديثة متطورة جدًا اسمها «القاما كاميرا» في مستشفيات في طرابلس أو بنغازي، ويتدرب ويعمل الطاقم الطبي على هذا الجهاز يكون تحت إشراف المؤسسة.
والواقع أن الجهاز الموجود في مستشفى 1200 بنغازي المركزي لا يعمل، بينما يعمل في طرابلس ومصراتة، فقد جرى تركيبه منذ فترة طويلة في مستشفى طرابلس منذ نحو 20 عامًا وتم التحديث حاليًا، و تم جلب جهازين آخرين.

● وما هي الخطة بالنسبة لبنغازي؟
 نسعى لتدشينه في مستشفى 1200 بنغازي المركزي ، لتدشينه قريبًا، وهناك سعي لتوريد جهاز لمستشفى بنغازي للأورام، فسرطان الغدة لا يعالج بسرعة ويسر إلا عن طريق الطب النووي، لأنه هي عبارة عن حقن الغدة بمادة اليود على مدى 3 جرعات.

● وماذا عن سرطانات الكبد؟
 منتشرة بسبب الأغذية المستوردة، لكن لدينا الآن الكشف على كل المنتجات التي تدخل ليبيا في كل المنافذ سواء كانت البحرية أوالبرية أو الجوية، يجب فحص أي مادة تدخل إلينا.

المزيد من بوابة الوسط