من غدامس إلى غدامس.. الملتقى الوطني أو الحرب الأهلية !

المبعوث الأممي غسان سلامة خلال إحاطة أمام مجلس الأمن عبر الفيديو كونفرانس. (الإنترنت)

حسم مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا غسان سلامة بعضًا من الأسئلة المعلقة بشأن الملتقى الوطني، بالإعلان عن زمان ومكان انعقاد مؤتمر طال انتظاره منذ أكثر من عام، وهي إجابات خرجت بعد أن نضجت طبخات المشاورات الإقليمية والدولية التي أجرتها الأطراف السياسية منذ انعقاد لقاء أبوظبي بين رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج والقائد العام للجيش المشير خليفة حفتر، لكن يبدو أن رفع ورقة الأسئلة كشف لغم «الحرب الأهلية» الذي قد ينفجر في حال فشل الملتقى، وفق رؤية أممية !

يوم الأربعاء الماضي، فاجأ سلامة الجميع باختيار مكان انعقاد الملتقى بنكهة اختيار أممي سابق، فمن غدامس 2014 إلى غدامس 2019 عاد الحوار إلى تلك الواحة التاريخية الواقعة في جوف الصحراء، ما حدا بمراقبين إلى التساؤل حول ما إذا كان الموعد المقرر بين 14 و16 إبريل المقبل هو موعد (عودة الابن الضال .؟).

منذ لقاء أبوظبي تكثفت اللقاءات الاستكشافية لمحتلف الأطراف مع فاعلين محليين ودوليين

يشار إلى أن مدينة غدامس التي ستشهد عقد الملتقى الوطني الجامع في إبريل المقبل، استضافت جولتي حوار ليبي–ليبي برعاية الأمم المتحدة، ففي 29 من سبتمبر العام 2014، كان اجتماع أعضاء مجلس النواب المشاركين والمقاطعين في غدامس بمشاركة (12+12). وفي 11 من فبراير2015، انطلقت جولة أخرى من الحوار فيما عرف بـ«غدامس 2»، ولم تفض هذه الجولة إلى نتائج تذكر.

ومع ذلك بقي سؤال معايير المشاركة في الملتقى معلقًا، إذ اكتفى المبعوث الأممي بالقول إن «أعمالًا تحضيرية عقدت لتقليص الاختيارات أمام الليبيين في الملتقى الوطني الذي سيشارك فيه بين 120 إلى 150 شخصًا، ودون استثناءات في دعوات الحضور»، لكنه عاد ليقول في المداخلة أمام مجلس الأمن إن البعثة تعمل «مع العديد من الأطراف بغية ضمان أوسع مشاركة ممكنة في العملية السياسية».

وحسب محللين، فإن سؤال التمثيل المتوافق عليه سيبقى بمثابة «الشيطان الذي يكمن في التفاصيل»، وفي هذا السياق طالب عضو مجلس النواب سعد المريمي بضرورة وجود تمثيل عادل للقبائل الليبية إن كانت ستتواجد في المؤتمر باعتبارها نقطة مهمة جداً فيه».

المبعوث الأممي وجه رسالة تحذيرية لأطراف في الداخل لم يسمها «تمارس تعطيلا كبيرا»

ومع حسم بعض الأسئلة وغموض الأخرى، فقد رصد مراقبون رسالة هامة حرص المبعوث الأممي على نقلها مفادها أن فشل الملتقى الوطني أوعدم انعقاده يدخل البلاد في أفق مسدود، بحيث لم يعد هناك بديلاً عن نجاح الملتقى الوطني سوى الحرب الأهلية، وهو ما أتى على ذكره في مناسبتين الأولى خلال المؤتمر الصحفي حين سئل عن فشل الملتقى الوطني، وكانت إجابته «إنه سؤال لا يُسأل فالملتقى الوطني لن يفشل، ولا بديل عن نجاحه».

أما الثانية، وكانت أكثر حسمًا وقوة، فقد جاءت خلال إحاطته أمام مجلس الأمن، إذ نبه إلى أن «ثمة كثيرًا من الأمور على المحك الآن»، محذرًا من أنه «مالم يتم اغتنام الفرصة التي يتيحها الملتقى الوطني لن يتبقى سوى خيارين محتملين، ألا وهما إطالة حالة الجمود أو اندلاع النزاع، وربما أيضاً تؤدي حالة الجمود هذه في النهاية الى نزاع محتوم».

ولم يخف سلامة، خلال الإحاطة، مخاوفة من «اندلاع النزاع في وقت أقرب من ذلك بكثير. حيث أن أي إخفاق الآن في المضي قدماً بالعملية السياسية يثبت بما لا يدع مجالاً للشك بأن البلاد واقعة بشكل تام في قبضة قوة السلاح»، غير أنه عاد ليقول «في مقدورنا اليوم أن نحول دون الإنزلاق في هذه الهاوية».

في الوقت نفسه، استبق المبعوث الأممي انعقاد الملتقى الوطني برسالة تحذيرية لأطراف في الداخل لم يسمها واعتبر أنها «تمارس تعطيلًا كبيرًا على المبادرات خلال السنة والنصف الماضية»، وأشار إلى أن «أن الليبيين تحدوهم رغبة شديدة في توحيد مؤسساتهم في أسرع وقت ممكن. غير أنهم يواجهون قوى نافذة تستفيد مادياً من حالة الفوضى والانقسام السائدة في البلاد ولذا فإنها تعزف عن العمل باتجاه التوحيد».

طرق بديلة
وأمام تكثيف الاتهامات، لوح المبعوث الأممي بـ«اقتراح اختيار طرق بديلة إذا استمر تعطيل التشريع»، وبين ذلك على نحو أوضح أمام مجلس الأمن حين قال إن «هناك خلافًا في ليبيا على قانون الاستفتاء ومسودة الدستور، حيث إننا تواصلنا مع آلاف الليبيين، وسنعرض سيناريوهين على الليبيين في الملتقى الوطني الجامع لاختيار أحدهما»، مما حدا بمراقبين بالتساؤل حول ماهية هذه الطرق البديلة أوالسيناريوهات المقترحة.

بل ويتسع حجم التساؤل حول تلك السيناريوهات والطرق البديلة في ضوء حديث سلامة عن الملتقى «سيرسم خارطة طريق لإنهاء الفترة الانتقالية وذلك من خلال انتخابات برلمانية تتزامن مع أخرى رئاسية، أو من خلال انتخابات تتم على مراحل. وسوف يقدم توصياته بشأن كيفية التعامل مع مشروع الدستور الذي أصدرته هيئة صياغة مشروع الدستور».

للاطلاع على العدد 174 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

في الوقت نفسه، فقد أعاد المبعوث الأممي الحياة إلى مخرجات اجتماعات المسار التشاوري للملتقى الوطني الليبي، موضحًا أنه سيجري خلال الملتقى «اختيار ما إذا ستتم المصادقة على الميثاق الوطني الذي كان نتاج العملية التشاورية التي تمت في إطار الملتقى الوطني».

يشار إلى أن اجتماعات المسار التشاوري نظمها مركز الحوار الإنساني في الفترة من 5 أبريل إلى 11 يوليو الماضيين، وشملت 77 جلسة في 43 بلدية وفي «مدن المهجر» التي تضم جاليات ليبية مهمة، كما شارك الليبيون في 1300 استبيان خاص بالمسار التشاوري، وما يقرب من 300 مشاركة مكتوبة عبر البريد الإلكتروني، وفق الموقع الرسمي للملتقى.

ومن أبرز إشارات المسار التشاوري «اتفاق على توحيد المؤسسة العسكرية وخلافات حول الآليات، ونظام الحكم، والسيادة، ووضع المؤسسات المالية، ومعايير اختيار الوظائف العامة، والحكم الفيدرالي، وغيرها من الملفات التي تشهد خلافات واسعة منذ السابع عشر من فبراير العام 2011».

العد التنازلي
ومع بدء العد التنازلي للملتقى، الذي يراه سلامة «فرصة حاسمة لإنهاء الفترة الانتقالية التي بدأت قبل ثماني سنوات»، يبقى سؤال الأجندات الإقليمية والدولية في الملف الليبي قائما، خاصة في ضوء الصراعات الاقليمية والخلافات الأوروبية–الأوروبية على مناطق النفوذ في ليبيا، لكن المبعوث الأممي قال «عندما يكون هناك رأي ليبي غالب لن تستطيع أي دولة فرض أمر ضد إرادة الليبيين، وسيدعم المجتمع الدولي خيار الليبيين».

ورغم حديث المبعوث الأممي في هذا الشأن ، إلا أن مراقبين يؤكدون صعوبة تجاهل اللاعب الخارجي قبل انعقاد المؤتمر الوطني، فمنذ لقاء أبوظبي في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، تكثفت اللقاءات الاستكشافية لمحتلف الأطراف مع فاعلين محليين ودوليين في تحركات لـ«إنضاج الطبخة»، إذ عقد سلامة لقائين في أقل من أسبوع واحد مع رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري ،الرئيس السابق للمجلس عبد الرحمن السويحلي.

وشملت اللقاءات أيضًا وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان، وسفير الاتحاد الأوروبي وسفراء الدول الأعضاء بالاتحاد المعتمدين لدى ليبيا، والسفير التركي سرهان إسكن. كما استمع سلامة إلى مطالب المجتمع المدني الطرابلسي من الملتقى خلال لقاء مع عدد من الناشطين المدنيين، في السادس من مارس، وجرى بحث الملف نفسه مع وفد من المجلس البلدي والفعاليات المنتخبة في مصراتة.

ولم يتوقف الأمر عند المبعوث الأممي، إذ انضوت نائبته ستيفاني وليامز في مشاورات مع أطياف وفعاليات ليبية في ورشفانة، وعبر الحاضرون عن دعمهم للملتقى لإنهاء المرحلة الانتقالية والوصول لحل سياسي يرضي الجميع. واجتمعت نائبة المبعوث الأممي في نالوت مع ممثلين عن مكون الأمازيغ، وأوضحت أن جميع مكونات المجتمع الليبي سوف تكون ممثلة في الملتقى الوطني المرتقب، وجمعت عضوي المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب عن بني وليد، عبدالله بلخير وحسن البرغوثي.

لقاء أبوظبي
وعقب لقاء أبوظبي، كانت قطر هي أول محطات لقاءات السراج الخارجية التي التقى خلالها مع أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ثم عقد مباحثات مع سفير الكويت لدى ليبيا مبارك عبدالله العدواني ووزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان.

كما كان لقاء رئيس المجلس الرئاسي مع قائد القيادة العسكرية الأميركية فى أفريقيا (أفريكوم) الجنرال توماس والدهاوسير، الذي أكد دعم واشنطن جهود «الوفاق» والمؤتمر الجامع. وأخيرًا كانت المبحثات مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في المجمع الرئاسي بالعاصمة أنقرة.

أما المشير خليفة حفتر، وعلى مدار 3 أسابيع، فقد استقبل وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، كما التقى المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة بمقر القيادة العامة بالرجمة 30 كلم شرقي بنغازي، وأجرى لقاءً مع وفد من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي.

ووسط هذه الرسائل والتحركات الإقليمية والدولية، يبقى التساؤل قائمًا حول ما إذ كانت غدامس ستكون المحطة الأخيرة في قطار الأزمات الليبي، أم ستصدق تنبؤات المبعوث الأممي بـ«النزاع» أو «الحرب الأهلية» لتجلس البلاد في انتظار إنهاك كافة الأطراف وانصياعها للحلول السلمية، وكم من ثمن آخر سيدفعه الليبيون ثمنًا لمثل هذا السيناريو؟!

للاطلاع على العدد 174 من جريدة «الوسط» اضغط هنا