«كارنيجي»: عملية الجيش في الجنوب غيرت ميزان القوى في ليبيا

سلط مركز كارنيجي للشرق الأوسط، الضوء على آخر التطورات التي تشهدها الساحة الليبية والتغير المتسارع لميزان القوى في ظل صراع النفوذ بين رئيس حكومة الوفاق الوطني فائز السراج، والمشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي.

وفي تحليل كتبه الباحث فريدريك ويري، عقب زيارة لمدينة صبراتة في شهر فبراير الماضي، رأى ويري أن الأسابيع الأخيرة شهدت تحولاً كبيراً في موازين القوى في ليبيا عقب عملية الجيش الليبي بقيادة حفتر على الجنوب، وسيطرته على حقول النفط الاستراتيجية والقواعد الجوية هناك.

ونقل المحلل عن أحد مسؤولي الأمم المتحدة في طرابلس، قوله: «إعادة خلط أوراق اللعب»، مشيراً إلى تأهب حفتر لشن هجوم على طرابلس، حيث فشلت حكومة الوفاق الوطني المعزولة والمدعومة دولياً، في إحكام قبضتها، وتركت الميليشيات تحول العاصمة إلى إقطاعيات وتنهب خزائن الدولة، بحسب وصفه.

دعم عسكري ومالي
وأشار ويري، إلى الدعم العسكري والمالي الذي يقدمه حلفاء حفتر (الإمارات العربية المتحدة ومصر وفرنسا وروسيا) في حملته العسكرية، في وقت تتطلع الولايات المتحدة إليه بحذر، وتدعم حكومة طرابلس رسمياً مع احتفاظها بوجود قوات استخباراتية وعمليات خاصة بين قواته في بنغازي.

ونقل المحلل أن دبلوماسيين أميركيين يرون على نحو متزايد أن حفتر أمر حاسم في تحريك ليبيا إلى ما بعد فترة «انتقالية» مطولة، مدللاً على ذلك بأن «واشنطن تدعم الآن جهود الأمم المتحدة لمحاولة تحويل حملة حفتر إلى قوة دفع لعقد مؤتمر للحوار والانتخابات الوطنية في وقت لاحق من هذا العام.

ورأى الكاتب، أن حلفاء المشير حفتر، خاصة الإمارات، يأملون في أن تقوده مسيرته عبر الجنوب للاستيلاء العسكري على العاصمة طرابلس، معقل حكومة الوفاق، في الوقت الذي يعاني الجيش الوطني الليبي تشتتاً، وتبتعد عنه خطوط الإمداد، فضلاً عن المقاومة المحتملة لبعض ميليشيات طرابلس وضواحيها.

غير أن المشير ربما يراهن على «دخول واقعي» إلى العاصمة من بوابة صفقة جديدة يتم طبخها الآن مع (السراج) لتقاسم السلطة، لكن حتى هذا يمكن رفضه، ربما بعنف، من المجموعات المسلحة في شمال غرب البلاد، حسب المحلل.

وأشار إلى أن «حفتر عزز نفوذه في مدن الجنوب المليئة بالجريمة، والأوضاع الاقتصادية الصعبة من خلال اتفاقات وتحالفات مع قبائل، بعضها يئس من عجز حكومة الوفاق الوطني، والآخرون يبحثون عن النفوذ ضد المنافسين المحليين، وهو ما استغله حفتر تارة من خلال توفير الإمدادات وتارة بإشعال التوترات الطائفية من خلال تفضيل بعض القبائل على الآخرين».

ووصف المحلل، حفتر، بـ«الظل الذي يحوم على المدينة (مصراتة)، بعدما فاز بالشرق، فقلب أنظاره إلى الغرب بعد سنوات من القتال الطاحن».

غرب ليبيا يضم مدناً منقسمة على نفسها وسط انتشار لبعض الجماعات المسلحة تميل لدعم حفتر، رغم أنها اسمياً منضمة لمنافسه (حكومة الوفاق)»

يقول المحلل إن «غرب ليبيا يضم مدناً منقسمة على نفسها وسط انتشار لبعض الجماعات المسلحة تميل لدعم حفتر، رغم أنها اسمياً منضمة لمنافسه (حكومة الوفاق)»، مشيراً إلى أن «هناك قبولاً بحفتر لاستعادة النظام رغم التناقضات المتعددة لحفتر».

ويوضح المحلل، أن «حفتر يقول إنه يبني مؤسسات الدولة ويقاتل الميليشيات، لكنه في الواقع اعتمد اعتماداً كبيراً على الميليشيات المحلية في تقدمه. لقد أعلن مؤخراً التزامه بالانتخابات الوطنية، لكن في الماضي جادل بأن ليبيا ليست مستعدة للديمقراطية وتحتاج إلى حكم عسكري».

للاطلاع على العدد 174 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وأشار إلى تناقض آخر لحفتر وهو كرهه للإسلاميين، حيث قال في العام 2014: «لا نحتاج إلى الشريعة الإسلامية هنا. الشريعة موجودة بالفعل في قلوبنا». لكن المحلل رصد أن «أتباع التفسير الحرفي المحافظ للإسلام المعروف باسم السلفية هم أقوى مؤيديه العسكريين».

ونقل المحلل، عن قائد ميليشيا من السلفيين تسمى «الوادي» أو «لواء الوادي»، يدعى موسى الناجم، التي تهدف إلى توفير الأمن في المدينة، أنه وزملاءه السلفيين على الرغم من اعتراضهم على التبعية لحفتر إلا أنهم يؤمنون بالمبدأ العقائدي السلفي حول طاعة المرء للسلطة السياسية المحلية في المنطقة الجغرافية، التي يمثلها هذه الأيام حفتر.

سلفيو مصراتة ليسوا محترفين بالسياسة، بينما يمثلون قوة صاعدة في المدارس والمساجد، وأيضاً في قطاع الشرطة

وأشار الباحث في الوقت نفسه، إلى أن سلفيي مصراتة ليسوا محترفين بالسياسة، بينما يمثلون قوة صاعدة في المدارس والمساجد، وأيضاً في قطاع الشرطة، حيث يقومون بدوريات ضد المخدرات غير المشروعة والكحول، بالإضافة إلى الأنشطة التي يعتبرونها غير إسلامية مثل المعارض الفنية. ورأى المحلل أنه «يمكن لعدد من السلفيين المسلحين أن يكونوا حلفاء مفيدين لحفتر أثناء تقدمه نحو العاصمة».

باحث كارنيجي، سلط الضوء على الأوضاع في ضواحي العاصمة، التي تمتلئ بعديد رجال الميليشيات، مما جعل الميليشيا الليبية تتسبب في إرباك أكبر، وسلطاتها تتعدى قوة الشرطة.

ووصف المحلل الميليشيات قائلاً: «من الناحية النظرية، في ظل الحكومة. لكن انزع العناوين والشعارات وتجد أنها لا تدين لأي قائد شرطة بل لزعماء ميليشيات الأحياء».
في طرابلس، قابل باحث كارنيجي، فتحي باشاغا، وزير الداخلية لحكومة الوفاق الوطني، واصفاً إياه بأنه «يمتلك نفوذاً كراعٍ للميليشيات في مسقط رأسه بمصراتة التي تعد قوة عسكرية واقتصادية شرق طرابلس».

يقول المحلل، إنه «رغم تعهد باشاغا بتفكيك طاغوت الميليشيا في العاصمة وبناء قوات أمن رسمية، إلا أنه أخبرني بأنه سيدعوهم كنوع من القوة الاحتياطية لتأمين العاصمة، إذا خرجت الأمور عن السيطرة».

خطوات إيجابية
ويضيف إن «وزير الداخلية المفوض أنشأ مكتب وزارته في كلية تقنية قديمة في الجهة الغربية من طرابلس واتخذ بالفعل بعض الخطوات الإيجابية للحد من قوة الميليشيات مثل فصل مديري الشرطة الذين كانوا يدينون بالولاء للميليشيات، كما أنه يعمل على تدريب الشرطة الليبية».

وأشار إلى أن «أداء باشاغا كان مثار إعجاب للعواصم الأوروبية وواشنطن ووضعوا آمالاً كبيرة عليه لاستعادة النظام، غير أن الحكومات الأوروبية، وبشكل متزايد واشنطن، ترى أن المشهد قد تغير الآن مع حفتر في الأفق».

واختتم الكاتب تحليله بأن «تقدم حفتر الجنوبي حظي بدعم ضمني شخصيات مصراتة بمن فيهم باشاغا فيما بدا أن شخصيات مصراتة كانت على اتصال مع الجنرال القوي لترتيب محتمل من شأنه أن يسهل إدراجه في حكومة مستقبلية، شريطة رفض الحكم العسكري».

للاطلاع على العدد 174 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

المزيد من بوابة الوسط