لودريان في طرابلس: رسائل فرنسية قبل الملتقى الوطني

يوم الإثنين الماضي، حطت طائرة وزير الخارجية الفرنسي جان-إيف لودريان في العاصمة طرابلس في توقيت حاسم، ربما سعت الدبلوماسية الفرنسية من خلاله إلى إعادة تأكيد مواقف باريس من الأزمة الليبية عقب لقاء أبوظبي بين القائد العام للجيش المشير خليفة حفتر، ورئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، ومع بدء العد التنازلي للملتقى الوطني الليبي الذي يحظى برعاية أممية.

إعادة طرح اتفاق باريس
الوزير الفرنسي أعاد طرح اتفاق باريس على طاولة التفاعلات الليبية خلال زيارته العاصمة طرابلس، في خطوة وصفها مراقبون بأنها محاولة لإحياء الاتفاق الذي لم يسجل أي تطور يذكر، بل ووسع دائرة النزاع الدبلوماسي مع إيطاليا في الملف الليبي.

وخلال لقاء مع السراج، مساء الإثنين، شدد لودريان على ضرروة «احترام اتفاق باريس التي جرى الاتفاق عليه مايو العام الماضي»، بيد أنه عبر عن «الأمل في تنفيذ اتفاق أبوظبي سريعاً بروح الوئام الوطني والتعاون»، في إشارة إلى لقاء السراج وحفتر مجدداً في أبو ظبي الشهر الماضي، حيث اتفقا على إنهاء المرحلة الانتقالية من خلال انتخابات عامة.

يشار إلى أن القادة الليبيين اتفقوا، في مايو الماضي في باريس، على خارطة طريق من ثماني بنود لحل الأزمة، من بينها إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية نهاية 2018.

مواقف دولية ثابتة
المواقف التي صدرت عن وزير الخارجية الفرنسي، خلال الزيارة، لم تخلُ من تأكيدات على مواقف دولية ثابتة مثل دعم خطة المبعوث الأممي غسان سلامة لتوحيد المؤسسات، وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية نهاية العام، والإشارة إلى أن مفتاح الحل للأزمة الراهنة لن يكون عسكرياً، أويملكه طرف واحد.

لكن، وفي المقابل، كان لافتاً لكثير من المتابعين إشادة لودريان من العاصمة طرابلس بـ«التقدم الكبير» الذي أنجزه الجيش الوطني في مواجهة الجماعات الإرهابية وجماعات الجريمة المنظمة والمنظمات الأجنبية المسلحة التي أججت عدم الاستقرار في المنطقة لفترة طويلة.

ويرى مراقبون عسكريون، أن هذه التصريحات تعتبر إشارة واضحة على الارتياح الفرنسي لنتائج دعم باريس للجيش الوطني، إذ شنت القوات الجوية الفرنسية سلسلة غارات جوية، مطلع فبراير في شمال تشاد.

ويقول علي بن ساعد، الأكاديمي بالمعهد الفرنسي للجغرافيا السياسية بجامعة باريس، إن هذا الدور «يؤكد تحولاً في السياسة الفرنسية في ليبيا»، ويضيف أنه «التحالف الاستراتيجي الذي اندرجت فيه فرنسا مع دول الخليج وبات يحدد سياستها في ليبيا»، حسب تعبيره.

في الوقت نفسه، لم يغب الملتقى الوطني عن أجندة زيارة لودريان إلى ليبيا، إذ كان محور مباحثاته مع المبعوث الأممي غسان سلامة، لكن لم يصدر أي تصريح رسمي بشأن تفاصيل هذه المحادثات، لكن مراقبين اعتبروا أن هذه المباحثات تأتي في سياق التنافس الفرنسي- الإيطالي على هذا الملف.

خطوة أساسية
وسبق وأن أعلن رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي، الأسبوع الماضي أن بلاده تعمل على تنظيم الملتقى نهاية هذا الشهر، معتبراً–حسب تصريحات نقلتها وكالة «نوفا» الإيطالية–أنه «خطوة أساسية للوصول إلى حل سياسي»، مما دفع متابعين للتساؤل حول مصدر الثقة الإيطالية في تحديد التوقيت، وكيف ستعمل إيطاليا على تنظيمه؟

وفي محاولة لتعزيز الدور الفرنسي، كانت مساهمة باريس بمبلغ 876 ألف يورو لدعم ثلاثة مشاريع في ليبيا؛ تهدف إلى تقديم المساعدات الإنسانية للمجتمعات المتضررة في مجالي الصحة والتغذية، ودعم السلطات في إجراء انتخابات بلدية ناجحة. يذكر أن المشاريع تنفذها منظمتا اليونيسف والصحة العالمية، والبرنامج الإنمائي.

على أي حال، فإن «ليبيا تكتسي أهمية قصوى بالنسبة لأمن فرنسا»، وهو التعبير الذي ورد بوضوح على لسان الوزير الفرنسي في معرض رده على سؤالين موجهين للحكومة في الجمعية الفرنسية (البرلمان) الجمعة الماضي، ورآه مراقبون سببا ًهاماً للزيارة، بالنظر إلى التطورات الأخيرة التي شهدتها الجزائر، وهو ما يضاعف الأعباء على السياسة الخارجية الفرنسية لاستشراف سيناريوهات مستقبل المنطقة.

البعد الاقتصادي
ولا يمكن تجاهل البعد الاقتصادي في أي تحرك فرنسي، في ضوء الصراع الدائر للسيطرة على مصادر النفط والغاز في ليبيا، الذي يعد مادة رئيسية للتوترات الحادة بين فرنسا وإيطاليا.

وسيطر الجيش على الهلال النفطي الصيف الماضي، كما تمكن في فبراير الماضي من تأمين حقلي الفيل والشرارة، أكبر حقلي نفط في ليبيا، واللذين تعمل فيهما شركة «توتال» الفرنسية إلى جانب شركات أخرى منذ العام 1994 بموجب مشروع مشترك، في المقابل، فإن المؤسسة الوطنية للنفط تشارك شركة «إيني» الإيطالية للنفط في مشروعات لأكثر من نصف قرن.

الدوائر المطلعة في ليبيا عزت الصراع المسلح إلى «التنافس بين إيني الإيطالية وتوتال الفرنسية»

ويقول محمد الدايري، وزير الخارجية في الحكومة الليبية الموقتة في طبرق، في مقابلة مع جريدة «تريبون دو جنيف» السويسرية إن الدوائر المطلعة في ليبيا عزت الصراع المسلح إلى «التنافس بين إيني الإيطالية وتوتال الفرنسية».

وما بين الهاجس الأمني والكعكة الاقتصادية، يبقى التساؤل قائماً حول نهاية هذا التنافس الأوروبي–الأوروبي على الملف الليبي، أو ما يراها البعض «تدخلات سلبية» تعيد الأمور إلى الوراء، وحول ما إذ كان الملتقى الوطني سيعيد الكرة إلى الداخل الليبي ويحجم التدخلات الخارجية سواء فرنسية أوإيطالية أوغيرهما.

المزيد من بوابة الوسط