السراج وحفتر في أبوظبي: ضغوط دولية.. أم مصالح نفطية؟

من أبو ظبي 2017 وإليها في 2019، تعددت المحطات التي جمعت رئيس المجلس الرئاسي الرئاسي فائز السراج والقائد العام للجيش الوطني المشير خليفة حفتر، ومن باريس إلى باليرمو التقطت الكاميرات صور المصافحات بين الرجلين، لتخرج بيانات -طالما تكررت- حول إنهاء المرحلة الانتقالية والانتخابات وتوحيد المؤسسات كحل للأزمة الليبية، ويبقى معها السؤال قائماً حول دوافع هذا اللقاء وأهداف كل طرف من عقده.
فعلى نحو متوقع هذه المرة، جاء لقاء السراج وحفتر الأربعاء في العاصمة الإماراتية أبوظبي، بدعوة من المبعوث الأممي غسان سلامة، وبحضوره، وهو اللقاء الذي كان مقرراً في باريس وفق وكالة «ادن-كرونوس» الإيطالية، لكن تم تفضيل إحدى دول المنطقة.

للاطلاع على العدد 171 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

البعثة الأممية للدعم في ليبيا، وفي بيان مقتضب كشفت عن فحوى التفاهمات التي خرجت عن هذا اللقاء، إذ ذكرت أن رئيس المجلس الرئاسي والقائد العام للجيش اتفقا على ضرورة إنهاء المرحلة الانتقالية من خلال انتخابات عامة، وأشارت البعثة الأممية، إلى أن الطرفين اتفقا على سبل الحفاظ على استقرار ليبيا وتوحيد مؤسساتها.

وفي محاولة لتوضيح فحوى اللقاء، جاءت تصريحات الناطق الرسمي باسم رئيس المجلس الرئاسي محمد السلاك، التي نقل فيها تأكيدات السراج على مدنية الدولة وتقليص المرحلة الانتقالية وتوحيد المؤسسات وعقد الانتخابات.

كما جدد السراج موقفه الثابت بأنه لا حل عسكريًا للأزمة، وعلى ضرورة الحفاظ على سلامة المدنيين والمنشآت المدنية وإبعادهم عن أي صراعات، وطالب بالتوقف عن التصعيد الإعلامي وخطاب الكراهية، واتفق الطرفان على إنهاء المرحلة الانتقالية وعقد الانتخابات، حسب الناطق الرئاسي.

ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي يلتقي فيها السراج وحفتر في العاصمة الإماراتية أبو ظبي، إذ سبق أن التقيا هناك في الثالث من مايو من العام 2017، وجرى اتفاق على إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في غضون ستة أشهر.

ومنذ هذا التاريخ تعددت اللقاءات، ففي 25 يوليو العام 2017 استضافت العاصمة الفرنسية باريس لقاءً بين السراج وحفتر، اللذين اتفقا وبحضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على عقد الانتخابات ربيع العام 2018، ثم جاءت منصتا باريس وباليرمو لتجمعهما في مايو ونوفمبر من العام الماضي، ويتجدد الحديث عن موعد انتخابات لم تنعقد حتى اللحظة.

ويتساءل متابعون الشأن الليبي حول ما إذ كان لقاء أبوظبي الأخير هو نتيجة ضغوط دولية وإقليمية لدفع العملية السياسية التي تجمدت خطواتها مع تعثر عقد الملتقى الليبي -وفق خطة المبعوث الأممي-، أم أن الموقف على الأرض والتطورات الأخيرة التي شهدها الجنوب الليبي وحقل الشرارة دفعت جميع الأطراف نحو الطاولة.

الموقف الأميركي فرض نفسه على المشهد الإثنين الماضي، حين جدد المسؤول السياسي بالسفارة الأميركية لدى ليبيا، جوليان هاداس، «معارضة» بلاده أي عمليات عسكرية في العاصمة طرابلس، تحت أي ذريعة كانت ومن أي أطرف، داعية إلى «ضرورة توحيد المؤسسات الأمنية والمؤسسة العسكرية».

وخلال لقاء مع عدد من أعضاء مجلس الدولة، أكد المسؤول الأميركي هاداس «ثبات موقف بلاده تجاه القضية الليبية، وأن الولايات المتحدة لا ترى حلاً للأزمة الليبية إلا من خلال انتخابات حرة ونزيهة، يتفق على كافة حيثياتها الليبيون تنهي المرحلة الانتقالية».

المسؤول الأميركي شدد على «تمسك بلاده بدعم المسار الديمقراطي، وأن السبيل الوحيد للوصول إلى السلطة هو صناديق الانتخابات»، مؤكدًا أن «الولايات المتحدة تتمسك بمواقفها السابقة بخصوص خضوع المنشآت النفطية في البلاد لسلطة المؤسسة الوطنية للنفط الموحدة بطرابلس».

ووسط احتدام التنافس الإيطالي–الفرنسي على الملف الليبي، جاءت القمة العربية–الأوروبية لتعلن موقفاً مقارباً من التأكيدات الأميركية، إذ اتفق الزعماء المشاركون خلالها على دعم الجهود الأممية لتنفيذ الاتفاق السياسي الليبي العام 2015 والمعروف باتفاق «الصخيرات»، مطالبين كافة الليبيين بـ«الانخراط بحسن نية في الجهود التي تقودها الأمم المتحدة والرامية إلى الوصول بعملية التحول الديمقراطي إلى نتيجة ناجحة».

وعقب ذلك، جاء استبعاد رئيس الحكومة الإيطالية جوزيبّي كونتي، تواجد بلاده العسكري في ليبيا، مضيفاً في مقابلة مع صحيفة «إل صولي 24 أوري»، الثلاثاء: «لقد ساعدنا مؤتمر باليرمو على استعادة دورنا أكثر بكثير من مجرد كونه حضوراً محتملاً لوحدة عسكرية، والذي من شأنه أن يسهم بتغذية عدم الاستقرار في البلاد»، وأوضح أن «المسار قد تم تحديده بالفعل، حيث يجب علينا مواصلة دعم جهود الأمم المتحدة، ومتابعة الحوار مع مختلف الجهات الليبية.

على الصعيد الداخلي، تواكب التحرك السياسي في أبوظبي مع تطورات عسكرية في الجنوب، ففي توقيت متزامن جاء إعلان الجيش الوطني أن «العمليات العسكرية والواجبات القتالية في الجنوب لم تنتهِ بعد»، مشيراً -على لسان الناطق الرسمي باسم القيادة العامة، اللواء أحمد المسماري- إلى أنهم في «انتظار قرار القائد العام بإنهاء العمليات العسكرية بالجنوب». وعقب ذلك جاء إعلان المسماري دخول منطقة فنقل جنوب غرب تراغن بالجنوب «سلمياً»، ونشر المسماري مقطع فيديو لرتل عسكري يدخل فنقل.

يذكر أن الجنوب الليبي يعيش منذ فترة طويلة ظروفاً أمنية صعبة تتمثل في الانفلات الأمني، حيث كثرت حالات خطف المسافرين والاعتداء عليهم. وأعلن الجيش الوطني في 15 يناير الماضي، انطلاق عملية عسكرية لتطهير مناطق الجنوب الغربي للبلاد من إرهابيي تنظيمي داعش والقاعدة الإرهابيين، والعصابات الإجرامية. ويتساءل مراقبون حول دور العامل العسكري في موازين القوى على الأرض، خصوصاً أن الجيش يسيطر على إقليم برقة و فزان.

أما حقل الشرارة المغلق منذ ديسمبر الماضي، وأعلن الجيش الوطني تأمينه في وقت سابق الشهر الجاري، فقد حظي بنصيب من تلك التطورات المتسارعة على الصعيد الداخلي، وهو ما أثار تساؤلات حول ما إذ كان تطورات الحديث عن هذا الحقل ترتبط بضغوط تمارسها شركات نفط غربية تضررت من هذا الإغلاق.

وفي هذا السياق، سبق لقاء السراج وحفتر في أبو ظبي، لقاء آخر بين رئيس المجلس الرئاسي ورئيس المؤسسة الوطنية للنفط مصطفى صنع الله جرى الاتفاق على رفع القوة القاهرة عن حقل الشرارة النفطي، والتنسيق فوراً مع الجهات المعنية على إخراج كافة المجموعات المدنية من الحقل. ونص اتفاق السراج وصنع الله على أن تتولى مؤسسة النفط وضع كافة الترتيبات الأمنية اللازمة التي تضمن حماية العاملين والمرافق الخاصة بها، حتى لا تتكرر الأحداث والتجاوزات السابقة، التي انتهت بإقفال الحقل، مما تسبب في وضع القوة القاهرة ووقف الإنتاج. ورغم هذا الاتفاق، إلا أن إعادة تشغيل الحقل ما تزال موضع تساؤل، فقد نقلت وكالة «رويترز» عن ناطق باسم المؤسسة الوطنية للنفط، أمس الأربعاء، أنه «لا توجد عقبة فنية أمام استئناف عمليات حقل الشرارة النفطي، لكن الأمن هو المشكلة».

وما بين فرضية الضغوط الدولية أو التطورات العسكرية في الجنوب أو المصالح النفطية للشركات الكبرى، يبقي السؤال قائماً حول انتخابات وتوحيد مؤسسات اتفق عليها الطرفان، لكنهم اتفقوا أيضاً على عدم تحويلها من دائرة الأماني الكبار إلى واقع يلمسه الليبيون وينقلهم نحو الاستقرار!

للاطلاع على العدد 171 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

المزيد من بوابة الوسط