مناورات سياسية تساوم أرباب الأسر بورقة «الرقم الوطني»

بعد تشكيك المصرف المركزي المتكرر في منظومة الأحوال المدنية، وتبريره تأخر صرف 500 دولار قيمة مخصصات أرباب الأسر بالنقد الأجنبي بتزوير المنظومة، وعلى نحو غير متوقع جاء قرار «المركزي» بإعلان صرف المبلغ إعتبارًا من يوم الأحد المقبل، في قرار أثار جدل المراقبين والمتابعين للشأن الليبي حول توقيت وأسباب هذا التراجع ودوافعه.

«المركزي»، وفي بيان رسمي، الأربعاء، تعهد بالإعلان عن «حالات التزوير في منظومة الأحوال المدنية المثبته لديه دون الإشارة إلى مصدرها»، مجددا القول إن التأخر في إكمال صرف المخصصات النقدية «لم يأت نتيجة عجز نقدي أو قصور إداري» معيدًا التأكيد أن السبب هو «ثبوت الخلل في منظومة الأحوال المدنية مثلًا في التزوير الذي لحقها».

البيان حاول تبرير موقف المصرف الذي قال إنه «وجد من واجبه ومسؤوليته الوطنية التنبيه إليه وحث الجهة المسؤولة على اتخاذ إجراءات حقيقية لمعالجته لما له من أضرار وأخطار على الأمن الوطني ولهذا تم تأجيل الصرف مؤقتًا حتى يتم استدراك ومعالجة الخلل».

لماذا يستأنف الكبير صرف الـ500 دولار بعد حديثه عن تزوير الرقم الوطني؟

وفور إعلان القرار، سجلت أسعار صرف العملات الدولية الأكثر تداولاً تراجعًا كبيرًا في السوق الموازية مقابل الدينار الليبي، وتراجع الدولار الأميركي بفارق 10 قروش مسجلًا 4.29 دينار مقابل 4.39 دينار يوم الأربعاء.

صرف المنحة
ويشكك مراقبون في طبيعة هذه الخطوة، إذ أعاد أستاذ الاقتصاد في جامعة مختار الجديد التذكير بما حدث في نوفمبر من العام 2017، حين رفع الكبير الراية الحمراء وقفز الدولار إلى 9.85 دينارات، وقال «باع من باع وضارب من ضارب وبعدها تهاوت الأسعار في ظرف شهر إلى 4.35.

وأضاف «المشهد نفسه يتكرر، وقبل أسبوع صرح بتصريح زاد معه الدولار في يوم من 4.35 إلى 4.55 دينارات، ضربوا ضربتهم وباعوا اللي عندهم قبل أن يعلنوا اليوم عن توزيع مخصصات أرباب الأسر»، وتساءل «هل تظنها صدفة؟

يأتي الإعلان باستئناف صرف المنحة، بعد أن بدا المصرف المركزي متمسكًا بموقفه، الذي أعلنه محافظ المصرف الصديق على هامش إطلاق الإصدار الجديد للدينار الليبي، وأرجع ذلك إلى ما وصفه بـ«التزييف الحاصل فى منظومة الرقم الوطني» دون أن يعلن حينها أي توقيت متوقع لاستئناف الصرف.

مختار الجديد: مضاربات الدولار أعادت التذكير بسيناريو «الراية الحمراء»

وفي السياق، كان تأكيد مدير إدارة المراجعة الداخلية بـ«المركزي» أن سبب تأخير منحة أرباب الأسر إلى عمليات التدقيق الجديدة التي تقوم بها مصلحة الأحوال المدنية لمنظومة الرقم الوطني، مشيرًا إلى أن سبب التأخير خارج نطاق عمل مصرف ليبيا المركزي».

لكن مصلحة الأحوال المدنية، ردت على تصريحات الكبير، بشأن «وجود تزوير في الأرقام الوطنية» بالمصلحة، مشيرة إلى أنها «تفاجأت» من هذه التصريحات، ونفت في الوقت ذاته وجود أي تنسيق بهذا الخصوص بين المصرف والمصلحة. وأهاب البيان بالمواطنين «الإبلاغ عن أي تزوير يعلمون بحدوثه».

وفي نوفمبر الماضي، نفى رئيس مصلحة الأحوال المدنية، محمد بالتمر، «ضبط 890 ألف رقم وطني مزور»، مشيرًا إلى تشكيل لجنة للتحقق من كافة البيانات بالنسبة للمواطنين، فيما لم تصدر نتائج لتحقيقات تلك اللجنة حتى الآن.

وزاد الموقف تأزمًا بعد أن دخلت وزارة الداخلية بحكومة الوفاق الوطني، على خط السجال الدائر بين المصرف المركزي ومصلحة الأحوال المدنية، حول تزوير الرقم الوطني، معلنة «دعمها التام لكافة التحقيقات الجارية من مكتب النائب العام» في هذا الشأن.

وزارة الداخلية عبرت عن «تحفظها على عدم التزام بعض الجهات الرسمية بالسلوك المهني المنضبط والتعاون مع الجهات القضائية وذات الاختصاص بالإبلاغ عن أي ملاحظات أوشبهات قد تكون محل رصد أو ملاحظة من جانبها والانحراف عن ذلك المسلك بإثارة البلبلة والفوضى بتصريحات مرسلة لا تتسم بالدقة والدليل ومن شأنها التشويش على التحقيقات الجارية من السلطة القضائية وكذلك الجهات الإدارية المسؤولة ذات العلاقة» في إشارة إلى تصريحات محافظ المصرف المركزي بالخصوص.

اتهامات التزوير
وعبّر مدونون عن استغرابهم من تأخر صرف العلاوة بسبب اتهامات التزوير ثم العودة عن القرار، مستغربين من عدم وجود تحقيقات على مستوى الدولة في هذا الملف بالغ الخطورة، وتساءلوا حول ما إذا «كان هذا التلكؤ ورقة مساومة سياسية، خاصة بعد تعيين أحد المحسوبين على الكبير في مجلس أمناء المؤسسة الليبية للاستثمار!!».

الناطق السابق باسم المصرف المركزي عصام العول قال إن «هذه الدولارات أثبتت أنها قضية مد وجزر بين مسؤولين جعلوا منها مشروعًا سياسيًا»، مضيفًا: «خاب ظنهم ونشروا غسيلهم واتضح فشلهم الإعلامي الذريع والنتيجة كانت لصالح المواطن فقد حصد دولاراته وسط هذا الضجيج !!».

ومنذ عامين بدأ مصرف ليبيا المركزي في طرابلس بيع الدولار بالسعر الرسمي لأرباب الأسر ،إذ يحق لكل فرد الحصول على 500 دولار.

ووفقًا لقرار المجلس الرئاسي رقم 1300 لسنة 2018 بشأن فرض رسم على مبيعات النقد الأجنبي تقوم المصارف التجارية بتحصيل الرسم عبر حساب مصرفي ويستخدم الرسم لإطفاء الدين العام وسداد الالتزامات القائمة على الدولة مع صرف منح أرباب الأسر بسعر الدولار الرسمي 1.38 دينار مقابل الدولار.

وبلغت مصروفات منح أرباب الأسر بـ«3.7 ملياردولار» بنهاية العام الماضي2018 لعدد سكان ليبيا 7.450مليون نسمة.

للاطلاع على العدد 171 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وكان مصرف ليبيا المركزي، أعلن في منتصف سبتمبر الماضي إصدار تعليماته للمصارف التجارية بالبدء في صرف 500 دولار لكل مواطن، التي جرى إضافتها لمخصص أرباب الأسر عن العام 2018.

جاءت إضافة هذا المبلغ لمخصص أرباب الأسر عن العام 2018، وفقاً لبرنامج الإصلاحات الاقتصادية الذي أعلنه المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، وذلك في خطوة مهمة لرفع المعاناة عن المواطن وإنعاش الاقتصاد في البلاد.

وفي سبتمبر الماضي، اعتمد البرنامج خلال اجتماع عقده رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج بطرابلس، ونائبه أحمد معيتيق، إضافة إلى محافظ المصرف المركزي الصديق الكبير، ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري.

وتضمن محضر الاجتماع الخاص بشأن تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية، فرض رسوم على مبيعات النقد الأجنبي، ومراجعة سياسة دعم المحروقات والإجراءات المصاحبة لها، إلى جانب إضافة مبلغ 500 دولار أميركي لمخصص أرباب الأسر لكل مواطن عن العام 2018.

وفي ظل ما شهدته البلاد خلال الأعوام الأخيرة من أوضاع اقتصادية متردية بدأت بشح السيولة وغلاء الأسعار نهاية بمنحة أرباب الأسر، الأمر الذي وقع تأثيره على المواطن البسيط في غياب تام لكافة الجهات المسؤولة، يتجدد السؤال إلى متى سيظل المواطن يدفع فاتورة المساومات السياسية ومناورات المصلحة الشخصية الضيقة؟!!

للاطلاع على العدد 171 من جريدة «الوسط» اضغط هنا