محمود جبريل يتذكر: فتحنا «الشكارة» بالمقلوب وندفع الثمن حاليا

في شهادته لـ «الوسط» تحدث محمود جبريل، عضو المجلس الوطني الانتقالي السابق ورئيس مكتبه التنفيذي (رئيس الوزراء)، عن أيام الثورة الأولى وجذور الوضع الراهن بانقساماته وانسداداته السياسية.

ومع أن حديث جبريل مضى عليه أربعة أعوام، إلا أن المخاطر التي تحدَّث عنها ظلت كما هي، فالوضع الليبي لم يتحلحل كثيرًا، وبدا كلامه إلى «الوسط» في 10 يناير 2015 كأنه حديث الساعة، فقد حذر من خطريْن محتمليْن يهددان الوضع في ليبيا؛ هما التدخل العسكري الخارجي والتقسيم، لافتًا إلى أنَّ مخطط التقسيم ظهر منذ الأيام الأولى لانتصار ثورة فبراير، وأنَّ دولًا غربية عبَّرت عن ذلك مبكرًا.

ولكي يمكن إعادة التوازن إلى الحالة الليبية، في رأيه، يشدد جبريل على أمرين اثنين «الأول: توحيد التيار الوطني في كتلة واحدة، وتناسي خلافاته، والثاني انتفاض الشارع مرة أخرى على هذا الواقع الذي فُرض عليه».

وفي إشارة مبكرة، نبه جبريل إلى أن «الأمر المزعج هو أنَّ القضية الليبية تم تدويلها إلى درجة أصبحت فيها الأطراف الليبية أطرافًا ثانوية»، بل وزاد قائلًا «أعتقد أن نسبة80% من أوراق اللعبة على الأقل أصبحت في يد الخارج، أي في أيدي أطراف دولية وإقليمية وعربية، وتدخُّل هؤلاء في الشأن الليبي يتم إما بشكل مباشر أو عن طريق أطراف ليبية، وهذا الأمر له تداعياته، والنتيجة المحتملة الأولى هو أنه كلما تهددت المصالح أصبح التدخل الأجنبي أكثر احتمالًا، وأنا أرجح أنَّ التدخل لو حدث فسيكون أوروبيًّا بالدرجة الأولى».

اقرأ «بوابة الوسط» تحاور محمود جبريل: ليبيا مهددة بالتدخل العسكري الخارجي أو التقسيم (1-3)

أما عن خريطة الخروج من الأزمة، فقد ذكر جبريل ثلاثة عناصر يجب اللجوء إليها، أولها الرهان على تحرك الشارع الليبي، ثم تماسك التيار الوطني وتقدمه بمبادرات واقعية، وأخيرًا تحرك زعماء القبائل ليشكلوا قوة ضغط اجتماعي على التشكيلات المسلحة، لأن أعضاء هذه التشكيلات أغلبهم أبناء لقبائل وعائلات يمكن أن تمارس ضغطًا اجتماعيًّا على أبنائها لصالح استقرار وأمن الوطن.

 وقال: «إن الواقع الحالي يفرض على الجميع التحرك المشترك لوضع مشروع ليس نهضويًّا لأنَّ هذا يتطلب وقتًا طويلًا بل مشروع إنقاذ لمواجهة المخاطر والتهديدات القائمة، قائمًا على ثوابت مشتركة على ألا يرتبط هذا المشروع بأشخاص، لضمان توحيد كل الصفوف وتجنب الخلافات».

وعن أيام الثورة الأولى يقول جبريل: «أتذكَّر عندما كنا في باريس في سبتمبر 2011، رفض كل من السيد مصطفى عبد الجليل والأمير حمد بن خليفة طلبي بحل (الميليشيات)، وقاطعني الأمير القطري في مؤتمر صحفي علني قائلًا: (يا أخ محمود الثوار لا يلقون السلاح! ثم دخلنا قاعة الاجتماع بين الوفدين الفرنسي والليبي، حيث كان يضم مصطفى عبد الجليل ومحمود شمام والسفير الليبي في باريس وأنا، وكان الوفد القطري يضم الأمير والشيخ حمد بن جاسم وخالد العطية وزير الخارجية الحالي والسفير القطري لدى باريس، وطلب الأمير حمد مني الاستمرار في رئاسة الوزراء بشرط أن لا تكون لي علاقة بالجيش والشرطة وأنت رجل بتاع تنمية وتخطيط وخليك في التخطيط والتنمية، وإذا كنت منزعجًا من سلاح الثوار أنا مستعد أجمع لك السلاح من طرابلس ومصراتة في 48 ساعة».

وتابع قائلًا: «وعندما رجعت إلى ليبيا اتخذت قرارًا بحل الميليشيات بحضور كافة قادة الـ 18 تشكيلًا المسلحة باستثناء عبد الحكيم بالحاج، وفي الساعة الواحدة ظهرًا دخل علينا مصطفى عبد الجليل القاعة وبارك هذا القرار، فوجئنا بعدها بنحو ساعة بدخول رئيس الأركان القطري وجلال الدغيلي وفوزي أبو كتف وعبدالحكيم بالحاج القاعة، وسأل رئيس الأركان القطري هل هذا القرار سيطبق على طرابلس فقط أم في كل المدن الليبية؟ فقلت له طرابلس العاصمة وبها 18 تشكيلًا مسلحًا، ولو طلبت من أحدهم أن يسحب سلاحه سيرد عليك بأنَّ شأنه شأن غيره، كما حددنا موعد عودة الشرطة، وطلب الضيف القطري أن نلتقي وقال: (أحمل رسالة لك أنت ومصطفى عبد الجليل من أمير قطر)، فوقَّعت على القرار وتوجَّهت إلى اللقاء، وكان قادة التشكيلات العسكرية فرحين بالقرار وعرضنا عليهم بدائل، وقررنا تشكيل إدارة التدخل السريع، ونحن في القاعة اتصلتُ بالشيخ عبد الله بن زايد والشيخ حمد بن جاسم في قطر وطلبت سيارات شرطة ووصلت السيارات التي أرسلها بن زايد فورًا، في حين لم تصل سيارات قطر حتى مغادرتي رئاسة المكتب التنفيذي، وربما تكون وصلت بعد ذلك».

اقرأ أيضًا: جبريل في حوار مع «الوسط»: مكالمة غامضة أوقفت الحوار بين التحالف وتيار الإسلام السياسي (2-3)

وأضاف: «اجتمعت أنا ومصطفى عبد الجليل برئيس الأركان القطري لنعرف رسالة أمير قطر، وفوجئت بأنَّ رئيس الأركان القطري يقول لنا: الشيخ حمد يسلم عليكم ويطلب تأجيل زيارة ساركوزي وكاميرون المقررة في 15 سبتمبر 2011، وكان رئيس الوزراء التركي حينها إردوغان سيأتي أيضًا بعد ذلك بيوم، ولما سألته عن السبب كان رده لأسباب أمنية، فقلت: ما أعرفه أنَّ رؤساء الدول عندما يقررون القيام بزيارة لدول أخرى يرسلون فرقًا أمنية لاستطلاع الأمور الأمنية وترتيب الشق الأمني، فقال: قولوا لهم إنَّ مصطفى عبد الجليل مرض وسافر إلى الدوحة للعلاج وسيكون هذا سببًا للاعتذار، فرفض عبد الجليل قائلًا: لا أنا لا أكذب! فقال المسؤول القطري: أجِّلوا زيارة إردوغان وسنتحدَّث نحن مع الفرنسيين حول هذا الأمر».

وكان يُفتَرض بعد تناول الغداء مع الضيف القطري أنْ أقوم في المساء بعقد مؤتمر صحفي أعلن فيه حل التشكيلات المسلحة ونبدأ مرحلة جديدة، إلا أنَّ الاتصالات التليفونية بدأت «جلال الدغيلي وفوزي أبو كتف» تطلب إلغاء المؤتمر الصحفي لأنَّ الثوار وقادة التشكيلات محتقنون، ولم يكن هذا صحيحًا على الإطلاق بل كلهم كان مرحِّبًا بما اتفقنا عليه، وأذكر منهم بعض الأسماء على سبيل المثال: هشام بو حجر ومليقطة وأسامة أبو راس وعصام القطوس ورمضان زرموح من مصراتة، ولدينا نصُّ الوثيقة التي جرى التوقيع عليها من قبل 17 قائد تشكيل في طرابلس، ومع ذلك لم ألتفت إلى هذه الاتصالات، وخرجت وعقدت مؤتمرًا صحفيًّا أعلنت فيه القرار بحضور القادة المذكورين».

«لكن في اليوم التالي فوجئت بقرار رئيس المجلس الانتقالي مصطفى عبد الجليل إلغاء قرار حل التشكيلات المسلحة، ونقل تبعيتها إلى عبد الرزاق العرادي وعبد المجيد سيف النصر، دخلت على عبد الجليل وقلت له هذا فراق بيني وبينك، فقال يا رجل أنت مستعجل ومازالت الحرب قائمة وأنا مستعد أن أجمع السلاح بعد انتهاء المعارك فورًا. فقلت له والله ستندم على هذه الخطوة كثيرًا».

غرفة تونس
روى جبريل لـ«الوسط» قصة «غرفة تونس» ومَن هم أطرافها الذين اتفقوا على تقسيم السلطة والسيطرة على مؤسسات الدولة؟ وأضاف: «أذكر أنَّه بعد ظهور نتائج انتخابات المؤتمر الوطني في يوليو 2012 كنا نتحدث عن أنَّ القضية هي قضية توافقية وليست قضية صندوق الانتخابات، لأنَّ المرحلة التي تعقب الصراعات عبر التاريخ تحتاج إلى التوافق فعلًا، لكن السؤال هو: لماذا تم الزج بنا في خضم الانتخابات، كنا نحتاج إلى التوافق نتيجة عدم وجود الدولة وعدم وجود دستور يحدد قواعد الحراك السياسي، فنعرف مَن هو على صواب ومَن هو على خطأ، وهذا كله مفتقد.

وعن أخطاء بعض الساسة في ذلك الوقت قال جبريل: «إن بعض السياسيين ارتكبوا بعض الأخطاء التي ندفع ثمنها حاليًا، حيث فتحنا (الشيكارة) بالمقلوب، بمعنى أنه كان ينبغي أن نبني الدولة أولاً ثم نجري انتخابات، لكن الذي حدث عندنا هو العكس، وعندما تعلن نتائج الانتخابات بلا أمن ولا قضاء ولا سلطة تحمي العملية الديمقراطية تكون النتيجة ما تابعناه جميعًا من حصار المؤتمر الوطني، وفرض قرارات بقوة السلاح لصالح طرف بعينه، وأشير هنا وبشهادة علي زيدان أثناء انتخاب رئيس الوزراء إلى أن أحد الشخصيات هدد المؤتمر بقوله: (إذا انتخبتم محمود جبريل سوف ننسف مقر المؤتمر بصاروخ)، إن هذا الأمر لو حدث في مصر أو تونس لكانت خرجت الناس إلى الشوارع لتحمي اختياراتها، لكن للأسف هذا حصاد غياب الوعي الذي نجنيه الآن».

وعن الحوار الوطني، قال: «أذكر أننا في فترة من الفترات دخلنا في حوار مع قوى الإسلام السياسي، وقطعنا شوطًا طويلًا، حتى أننا وصلنا إلى مرحلة التوقيع، ولم يتبقَ سوى خطوات شكلية وبروتوكولية كمن يحضر التوقيع مثلًا؟، من شخصيات ليبية وسفراء أجانب؟ لكن فجأة تلقينا مكالمة في الواحدة بعد منتصف الليل ألغت كل شيء، البعض يقول إن الجماعة المقاتلة هي سبب التعطيل، وآخر يتهم كتلة الوفاء للشهداء، وحتى الآن لا أحد يعلم السبب الحقيقي لتجميد الحوار الوطني في اللحظة الأخيرة».

وتعليقًا على ما يقال عن دور لمصطفى عبد الجليل في تمكين رموز الإسلام السياسي من السيطرة على الوضع بعد سقوط القذافي، رأى جبريل أن «عبد الجليل كان منحازًا ومتعاطفًا مع الإخوان، ولاحظنا في وقت من الأوقات هذا الانحياز وحاولنا لفت انتباهه أنا مرة ومحمود شمام مرة، وكذلك عبد الرحمن شلقم، ثم اقترحت تعيين شلقم نائبًا لرئيس المجلس الانتقالي، لتحجيم هذا التعاطف فوافق عبد الجليل ورفض شلقم، وطلبت من علي زيدان القيام بهذا الدور لكن عبد الجليل أفشله عندما تعامل مع الأمر وكأن على زيدان سيكون مدير مكتبه ليس إلا».

وعن هموم الشارع الليبي يرى جبريل أنها «وصلت إلى حد الكفر بالنخب والرموز» ويضيف: «عندما تجد بيتك يحترق وابنك يحرم من الدراسة ولا تجد الأمان على حياتك وممتلكاتك، ثم يجلس أحدهم ليتحدث عن أحلام وخيالات بعيدة عن الواقع، فهو بذلك يستفزك أكثر، ويستخف بهمومك ومشاكلك، لأنك عندما تتلفت حولك ستجد النازحين في الداخل والخارج وغير ذلك من القضايا الحيوية والعاجلة، التي تنتظر حلولًا فورية بلا تأخير، فأي مشروع يتم طرحه لابد أن يكون من جزءين، الأول الحل السريع للقضايا الآنية استجابة لصرخات الناس كمَخرَج من الأزمة، ثم الشق الثاني الذي يتعلق بالأمور الاستراتيجية والحلول بعيدة المدى، وكيف تضع البلاد على طريق القرن الواحد والعشرين، فتعيد البناء وتلغي الإقصاء، وتعالج الجروح وتطبق مبادئ العدالة الانتقالية، وجبر الضرر، والاعتذار عن الخطأ، واعتذار قبائل لقبائل، وكيف تقوي دور الدين الصحيح الذي يجمع ولا يفرق، وهكذا نحتاج إلى تجميع الصفوف ولا مجال للفردية في الوقت الجاري، هل هذا ممكن؟ نعم ما زال ممكنًا إذا خلصت النوايا، رواندا على سبيل المثال كانت أسوأ حالًا بكثير وهي اليوم من أكثر دول أفريقيا نموًّا في اقتصادها».

طالع الجزء الثالث من حوار «بوابة الوسط» مع محمود جبريل

المزيد من بوابة الوسط