يحدث في ليبيا.. قاطرات دون سكك حديدية!

قاطرات قابعة في ميناء الخمس البحري. (الوسط)

منذ نحو قرن ونيف، ظل صوت صافرة قطار السكك الحديدية يراود مخيلة الليبيين، ورغم المضي بخطوات محدودة وبطيئة نحو تحويل حلم مشروع السكك الحديدية إلى واقع، إلا أن هذا الواقع كان يصطدم بظروف وتطورات مختلفة تحوله إلى رصيف النسيان، وكان الشريك الرئيسي في هذه المأساة هو غياب الاستقرار وإرادة الإنجاز.

على رصيف ميناء الخمس البحري، يلتهم الصدأ 16 قاطرة استوردها النظام السابق في العام 2010م ضمن عقد يضم 56 قاطرة تم التعاقد بشأنها في سنة 2007م، بقيمة إجمالية بلغت 179.6 مليون دولار مع شركة «جنرال إليكتريك» الأميركية، سلمت الحكومة في عهد القذافي 40 قاطرة منها لهيئة سكك حديد مصر بموجب اتفاقية تعاون بين الدولة الليبية والحكومة المصرية.

سوء تخزين
أما القاطرات الـ16 القابعة في الميناء، وحسب ديوان المحاسبة، تعاني ظروفًا تخزينية بالغة السوء، وأصبحت فريسة التآكل نتيجة وجودها على شاطئ البحر دون أي حماية تقيها من العوامل الطبيعية، الأمر الذي يجعل من إمكانية الاستفادة منها من الصعوبة بمكان.

ديوان المحاسبة أصدر تنبيهات متكررة بضرورة معالجة الأمر في السابق مع الشركة المصنعة من خلال بيعها والتصرف فيها بما يضمن المحافظة على مصالح الدولة، خاصة وأن قيمة هذه القاطرات الـ16 تبلغ 56.4 مليون دولار أميركي، مما يعطي إشارات دالة نحو إهدار للمال العام علاوة على تبديد حلم ظل يراود الليبيين طويلا.

النظام السابق استورد 56 قاطرة بقيمة إجمالية 179.6 مليون دولار

كانت تلك عينة بسيطة من دفتر أحوال مشروع بدأت الإرهاصات الأولى له منذ مطلع القرن الماضي، وتحديدًا في العام 1901 حين أنشأ العثمانيون أول خط سكك حديدية، وعقب الغزو الإيطالي كان اهتمام المستعمر ببناء خطوط للسكك الحديدية، فأنشأ 3 خطوط في برقة و5 تنطلق من طرابلس. لكن الإهمال طال تلك المحطات بعد تحسين الطرق المعبدة واستعمال سيارات النقل المختلفة محلها، لتتوقف عن الخدمة في أواسط الستينيات تقريبًا.

وعاد صوت صافرات السكك الحديدية يداعب مخيلة الليبيين مجددًا، مع إعلان النظام السابق عن خطط لإنشاء خطوط سكك حديدية جديدة في العام 1998، إثر صدور القانون رقم (14) لسنة 2003 بإنشاء «جهاز تنفيذ وإدارة مشروع الطرق الحديدية»، ومضت قضبان السكك الحديدية على الورق والخرائط لتقطع نحو 3170 كيلومترًا من الأراضي الليبية مرورًا بـ 75 محطة و168جسراً.

وكان من المقرر أن يربط بين بلدتي راس إجدير وأمساعد عبر خط ساحلي يمر عبر أهم المدن الليبية وصحارى وجبال ومناطق زراعية، وخط ثانٍ يصل بين الهيشة جنوبي مصراتة وغرب سرت، وبطول 800 كيلومتر، ومن ثم يصل في مرحلة ما إلى النيجر جنوب ليبيا.

وفق هذا التقدير تعاقد النظام السابق مع شركة الصين لإنشاءات السكك الحديدية بإجمالي تكلفة استثمارية بلغت 2.6 مليار دولار لإنشاء الخط الرابط بين سرت والخمس بطول 352 كيلومترًا، والخط الرابط بين طرابلس وراس اجدير، والخط الرابط بين ميناء قصر أحمد في مصراتة ووادي الشاطئ قرب مدينة سبها.

أما الخط الثالث فقد كان مخططًا أن تنفذه شركة السكك الحديدية الروسية ليصل بين مدينة بنغازي وسرت 554 كيلومترًا، وخط بنغازي طبرق مروراً بمدينة المرج والبيضاء ودرنه، واقتحمت الطموحات جوف الصحراء بخطط لإنشاء خط عبر الصحراء الكبرى يصل إلى النيجر.

رحلات مدرسية
وحتى العام 2010 لم يحدث تطور فارق في المشروع، إذ كانت المجموعات المدرسية تزور موقع المشروع، وهو عبارة عن رحلة 6 كيومترات فقط جيئة وذهاباً، يبلغ طول المسار 3 كيلومترات فقط.

وفي العام 2011، بدا حلم السكك الحديدية أكثر صعوبة وسط موجة الإنفلات الأمني التي تعانيها البلاد منذ 9 أعوام، وجرى السطو على القاطرات الموجودة على خط السكة الحديدية الرابطة بين الميناء ومحطة الخمس الرئيسية. كما لم يتم تركيب مصنع العوارض الخرسانية بمنطقة كعام والذي تبلغ قيمته نحو 35 مليون دولار، ويوجد به نحو 165 ألف عارضة جاهزة للتركيب وبه مصنع متكامل جديد بحاويات. أما مشروع القطار السريع، فقد تم إنفاق أكثر من ملياري دينار على الأعمال المنفذة من فتح كامل مسار المشروع وأعمال التوريدات والتركيب، لكنه لم ير النور حتى الآن.

وتقول شركة بناء السكك الحديدية الصينية إنها تكبدت خسائر بسبب توقف المشروع عدم إجلاء المعدات والمواد من مواقع البناء، بالإضافة إلى رسوم إجلاء موظفي الشركة من ليبيا.

في هذا السياق، نبه مدير الإدارة العامة لتقييم أداء القطاع العام بديوان المحاسبة عبد الرزاق البيباص على القائمين علي جهاز مشروع إدارة وتنفيذ الطرق الحديدة بضرورة وضع خطة أو تصور لاستئناف العمل بالمشروع.

خارطة طريق
و خلال زيارة تفقدية للمشروع الأسبوع الماضي، أشار إلى أن الجهاز سيضع خارطة طريق واضحة لإمكانية استئناف مرحلي للمشروع، والاستفادة من المسارات الجاهزة بمدينة الخمس وربطها بالمدن المجاورة علي أن يقدم الجهاز في وقت لاحق رؤية وتصورًا يعرض على كافة الجهات ذات العلاقة للبدء في انطلاق المشروع.

على أي حال، ما يزال مشروع السكك الحديدية مطلبًا شعبيًا من الليبيين، فخلال لقاء مع نائب رئيس المجلس الرئاسي عبد السلام كاجمان في يناير الماضي طالب عدد من عمداء بلديات منطقة الجنوب ، بتفعيل مشروع السكة الحديدية لضرورته ولما سيقدمه من خدمات في جميع مجالات نقل البضائع والركاب وتسهيل العمليات التجارية وتوفير فرص العمل وتسهيل عملية التنقل بين الجنوب والشمال.

ومع إدراك الجميع–حكومة ومواطنين–أهمية المشروع، وتحركات ديوان المحاسبة الأخيرة، يبقي السؤال قائمًا عن قطارات بدون سكك حديدية، لينضم إلى آلاف الألغاز التي تلاحق المشهد الليبي، وتحتاج إلى وضعها على قضبان المسارات الصحيحة دون بطء أو تأخير.

قاطرات قابعة في ميناء الخمس البحري. (الوسط)

كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط