كيف ترى 17 فبراير؟

 

ما بين مؤيد ومعارض ومحايد، تمضي الاستعدادات للذكرى الثامنة لثورة 17 فبراير.. تلك الثورة التي غيرت مجرى تاريخ البلاد، ووضعت الوطن أمام سؤال الدولة واللادولة حتى اللحظة.. تتزين المدن والميادين لاستقبال احتفالات الثورة، وما بين هذه المظاهر الاحتفالية يبقي التساؤل قائمًا حول ضرورة الثورة ونتائجها، ورؤية المواطن لها بعد 8 سنوات من اندلاعها.

في العاصمة طرابلس، بدأت لجنة الاحتفالات رفع الأعلام والزينة في ميدان الشهداء والجزائر وشارع ميزران في احتفالات كرنفالية تحمل شعار «البركة في الشباب»، كما تستعد طبرق للاحتفال بتنظيف ميدان الشهداء ونصب الأعلام بكافة أنحاء المدينة فيما من المقرر إقامة حفل خطابي بالمناسبة بميدان الشهداء.

المؤيدون: ضرورة تاريخية تأخرت وانحرفت عن المسار بسبب التدخلات الخارجية والنعرات الجهوية وميراث النظام السابق

ووسط هذه المظاهر الاحتفالية، لا يزال سؤال الثورة والعمل الثوري أوالانتفاضة ممتدًا، خاصة أنهم يتهمون رجالها بالتآمر والعمالة والخيانة لا تزال تلاحق تفاعلاتها، في ظل ما واكبها من فوضى وانفلات أمني واسع، وما أعقبها من انقسام وإرهاب وأزمات اقتصادية واجتماعية.

لكن الأستاذ في كلية الإعلام والاتصال بجامعة أجدابيا داوود لغراب يرى أن «الفوضى قرينة الصلة بكل الثورات، فالثوار يهدمون الوضع القائم، لكن سؤال من يبني ما تهدم سيجيب عنه الزمن». ويوضح «هناك صراعات جهوية، وأيديولوجية، حزبية، مناطقية...الخ ) وهذه الصراعات التي بدأت قبل الدستور ستتواصل الأمر الذي ربما يؤدي لتقسيم البلاد.

ضرورة تأخرت
الناشط المدني فرج بلحاج يقول إن «الثورة كانت ضرورة تاريخية تأخرت كثيرًا»، لكنه يرى أنها «انحرفت عن المسار بسبب التدخلات الخارجية، وتصدر العملاء والخونة للمشهد». وينفي بلحاج أن تكون الثورة انتكست ويرفض الاتهامات الموجهة لها بأنها «مخطط خارجي»، لكنه يقول «لم يكن هناك مشروع واضح للثورة، مضيفًا «الخطأ الكبير لثورة 17 فبراير أن المدن المنتصرة لم تضع مشروعها». ويتوقع «استقرار ليبيا رغم الخونة والعملاء»، رافضًا ما أسماه «حكم العسكر».

ناشط مدني آخر وهو عبدالناصر الشريف يقول إن «الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وصلت في العام 2011 إلى مرحلة كان لابد معها من التغيير». ولا يرى الشريف أن الثورة انتكست، مشيرًا إلى أنها «حققت هدفها الأساسي وهو إسقاط الدكتاتورية، لتنتهي مرحلة فبراير بانتخابات المؤتمر الوطني في 2012»، لكنه يقول إن «مقاليد الحكم آلت بعد هذا التاريخ إلى كثيرين لم يكونوا محسوبين على فبراير بحكم الانتخابات واختيارات الشعب».

استعدادات واسعة في البلاد للاحتفال بذكرى الثورة وسط أسئلة تلاحق المشهد الثوري منذ اندلاعه

ويرفض مؤسس المرصد الليبي لحقوق الإنسان رئيس منظمة ضحايا لحقوق الإنسان السيد ناصر الهواري وصف الثورة بـ«النكبة أوالمؤامرة»، لكنه يرى أن «الخلاف الحقيقي ليس على الثورة ولكن على ما وصلت إليه الثورة، ومخرجاتها التي جعلت الناس يترحمون على أيام النظام السابق، ويشير إلى أن «المواطن يفتقد إلى الأمن، والمليشيات والمجموعات المسلحة سيطرت على صنع القرار ومقاليد الحكم».

انهيار الدولة
في حين يحمِّـل الناشط وسام عبدالكبير، الجميع مسؤولية الفوضى، ويرجعها إلى انهيار الدولة لكونها كانت دولة أشخاص وليست دولة مؤسسات، كذلك يلقي باللائمة على ضعف القيادات التي تم إنتاجها بعد فبراير، وارتباط معظمهم بأجندات خارجية، وغياب المشروع الوطني في لببيا.

في المقابل، لا يريد الناشط عمر نصر تحميل مسؤولية الانتكاسة والفشل في تحقيق الأهداف إلى طرف بعينه، ويقول «الجميع له الحق في التغيير والبناء». وفي هذا السياق، يدعو إلى «التمسك بالوحدة الوطنية والتعالي على الخلافات والمصالح، والتوجه نحو القاسم الوطني المشترك والخطاب التصالحي الجامع، والتأكيد على الدولة المدنية الديمقراطية، دولة الدستور القانون والمؤسسات والتداول السلمي للسلطة».

الموظف سالم صالح يرى أن «الحالمين بوطن مثالي قبل فبراير لن يصفوا هذه الانتفاضة بالنكبة حتى وإن لم تنجح»، مشيرًا إلى «محطة من الوعي والفعل وإذابة الجمود السياسي والفكري الذي كان سائدًا»

أما الناشط مدني أحمد قليوان فيرى، ورغم تأكيده على ضرورة التغيير، فقد رأى أنه جاء على نحو غير مخطط للمرحلة الانتقالية». ويقول إن «النعرات القبلية والجهوية كانت موجودة داخل المجتمع الليبي وعمل النظام السابق على طمسها بالقوة»، مشيرًا إلى أن الأطراف المعادية للثورة والانقسام السياسي والتدخل الدولي أججوا نيران تلك النعرات».

في حين لا يختلف الناشط محمد قريش مع كافة الآراء على حتمية الثورة، لكنه يقول إنها «لم تحقق سوى إسقاط النظام، وتأخرت في إقامة دولتها بعد اقتتال أبنائها واندلاع موجة الإرهاب». وينبه إلى أن «الانتكاسة أوالفوضى التي يتحدث عنها معارضو الثورة تصب في مصلحتهم، حيث أنهم نالوا نصيب الأسد من حصص للعمل أو الدراسة في الخارج».

منتصر ومهزوم
المدون علي العسبلي يرى أن أهم ما حققته الثورة هو إنهاء حكم الفرد وترسيخ مبادئ الحريات»، إلا أنه يقول إنها «فشلت في الانتقال من مرحلة الثورة الشعبية إلى الدولة المدنية وتغيير العقل الجمعي للمجتمع الليبي».

وأرجع «النكسة والفوضى التي تبعتها إلى تكريس ثقافة المنتصر والمهزوم، ونبذ الرأي المخالف وإقصاء الآخر، وتعرقل المساعي في المصالحة الوطنية، واستمرار الصراع القبلي والجهوي والتناحر على السلطة».

أما الناشطة ريهام أحمد فلا ترى مكاسب للثورة على أرض الواقع على الصعيد الوطني والدولي سوى سرقتها، مشيرة إلى أن «الثورة ولدت محاطة بمؤامرات داخلية وخارجية ومطامع الكراسي والزعامة، فلم يترك لها المجال لتنهض وتقوم وتنتعش»

ويرفض جمال بالنور محامي.. الحديث عن انتكاسة الثورة، مشيرًا إلى أنها «ثورة شعبية بامتياز فتحت الباب للتغيير»، ويبدي بالنور تفاؤلًا بالمستقبل، منوهًا إلى أن «الفرصة سانحة أمام الجميع لإجراء الإصلاحات، خصوصًا وأن هناك عملًا دؤوبًا وجادًا لرأب كل تصدع ضرب النسيج الاجتماعي، وتحقيق المصالحة الوطنية المطلوبة، وإعادة ضبط الأوضاع في سياقها الصحيح».

أما الإعلامية والحقوقية حنين بشوشة، تقول إن «الثورة كانت ضرورية لأسباب بنيوية أساسها سياسات النظام السابق»، لكنها ترى أنها «لم تحقق شيئًا حتى هذه اللحظة لا دستور لا قوانين ناظمة تعدل المسار الديمقراطي ولا سيادة للقانون ولا وجود حقيقي للفصل بين السلطات». واختلفت عن الآراء التي ترى الحرية التعبير كأحد أهم مكتسبات الثورة، وتقول «حرية التعبير خنقت مع انتشار المليشيات وتقسيم الوطن وتجزئته وفق أجندات داخلية وخارجية».

في المقابل، هناك معسكر الرافضين للثورة، وفي هذا السياق يطالب الأستاذ بكلية الاقتصاد بجامعة بنغازي الدكتور أحمد يونس بالاعتراف بأن ما حدث نكسة أخرى هبطت بالبلاد إلى ما دون الصفر.

ويقول «ثورة فبراير حملت مطالب، لكن مبالغة الغرب والإعلام في تضخيم وضع البلاد عام 2011 لم يكن لها أي مبرر»، و يضيف «الأمور تقيّم بالنتائج».

عضو المجلس البلدي سبها سابقًا الدكتور أحمد الحضيري يري أن ما تحقق من أهداف فبراير كان أقل بكثير مما لم يتحقق، ملقيًا باللائمة على «قادة ومؤيدي فبراير في محاولة إبعاد خصومهم ووضعهم على المحك». وأرجع زيادة الفوضى إلى «انصراف الفبرايريين عن الوطن الذي يتحدثون عن الدفاع عنه».

الموظف شرف الدين أمنيسرو يؤكد أن «الثورة لم تحقق سوى المزيد من تأخر عجلة التنمية في البلاد، و فتح عدة أبواب ساهمت في تأجيج الصراع بين المدن والقبائل».

أما الإذاعي منتصر الساحلي يقول « كان لا بد أن يعي الجميع عواقب فبراير، وقد حققت إنجازًا عظيمًا لسُراق المناصب السياسية، ولم تحقق أي شيء لأنّ مطالبها وهمية وبمثابة سجاد يمر عليه الخونة» .

الرافضون: اخترقها التيار الإسلامي وضاعفت تأخر عجلة التنمية وفتحت أبواب الصراع بين المدن والقبائل ولم تحقق شيئًا للمواطن البسيط

ويضيف «انتكست وسببت فوضى، و إن كان خصومنا يَرَوْن ذلك فهم فعلاً كما نقول بالعامية (ما قالوا إلا الصادقة)».

ورغم أن الثورة تأخرت لعقود، لكن الموظف الحكومي عبدالعال نشاد يقول إنها «نشرت الفوضى بعد أن سرقها في المهد اللصوص وأسيادهم».

وأخيرًا يرى الناشط عبدالله الغرياني أن «الثورة لم تحقق شيئًا خاصة للمواطن البسيط الكادح، الذي خرج يطالب بالحياة الكريمة»، ملقيًا باللوم على «اختراق التيار الإسلامي للثورة منذ بداياتها»، مشيرًا إلى أنه «نهب التمثيل للثورة وتآمر، وأصبحت فبراير إرادة شعب للتغيير بقيادة إسلامية متطرفة».

وسط هذا التنوع في الآراء، يبقي السؤال قائمًا حول ما إذا كانت أسئلة الفوضى والانقسام ستجد حلًا في احتفالات فبراير من العام القادم، أم أن الأمور ستمضي للأسوأ .. ؟!

المزيد من بوابة الوسط