هل تنجح «هدنة الأعيان» في تثبيت استقرار العاصمة؟

انتهى أسبوع من التوتر الأمني في العاصمة على اتفاق برعاية ليبية خالصة هذه المرة، بعدما تفجّرت الأوضاع في الضواحي الجنوبيّة لطرابلس، وهي الاشتباكات التي شكّلت خرقًا لاتفاق وقف إطلاق النار الذي وقّعت عليه الأطراف المعنية بالاشتباكات في سبتمبر 2017 في مدينة الزاوية برعاية أممية.

البعثة الأممية راعية الاتفاق السابق جددت خلال أيام الاشتباكات إدانتها «بشدة» الخرق الأمني، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي وستتخذ كافة التدابير والإجراءات المتاحة اللازمة؛ بناءً على تطور الأحداث على الأرض من أجل ردع هذه المحاولات المدانة والمرفوضة».

لكنّ الاتفاق الذي توصل إليه أعيان ترهونة وطرابلس، أقرّ على الفور بتشكيل لجان للترتيبات الأمنية، وتبادل الأسرى، وتسوية أوضاع المهجّرين، لكنّ هذه المرة جاءت بدون وساطة أممية أوضمانات لأطراف إقليمية أودولية، لتشكل اختبارًا لقدرة الأطراف الليبية بنفسها على تنفيذ اتفاق يفضي إلى استقرار الأوضاع في العاصمة.

ضحايا بشرية
والاشتباكات التي استمرت من الأربعاء حتى الجمعة، أدت إلى مقتل 16 شخصًا بينهم المصور الصحفي محمد بن خليفة، وإصابة 65 آخرين بجروح، وإحداث خسائر مادية في مناطق الصراع المحيطة بمطار طرابلس العالمي المتوقف عن العمل منذ صيف 2014. وتعتبر هذه الاشتباكات الثانية جنوب طرابلس بين الأطراف ذاتها، بعد اشتباكات أشد خطورة وقعت في شهري أغسطس وسبتمبر الماضيين قبل أن تتوقف إثر توصل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلى اتفاق وقف إطلاق نار بين المتصارعين.

خسائر بنية تحتية
وخلفت الاشتباكات خسائرة عدة في البنية التحتية، على رأسها ما جرى حصره لدى الشركة العامة الكهرباء بشبكة التوزيع، حيث تحدثت عن أنّ حجم الأضرار التي تعرضت لها شبكة التوزيع جراء الاشتباكات التي بعد التقييم النهائي مثلت «خسائر جسيمة»، من بينها إصابة 15 خط توزيع، و14 محولًا مختلفة الأحجام نتيجة إطلاق ناري، فضلاً عن 30 عمودًا خشبيًّا، وكذلك 6 آلاف متر سلك عارٍ.

وأضافت الشركة أن التيار الكهربائي سيصل إلى ضواحي سيدي السائح وسوق الخميس، في زمن قياسي خلال ثلاثة أيام، نتيجة الجهد الذي يبذله الفنيون وإدارة التوزيع بالشركة.

وجاء اتفاق الأعيان بعد سلسلة مواجهات خلّفت قتلى ومصابين، وشكّلت مصدر قلق لدى المتابعين للأوضاع في ليبيا، ما دفع ممثلين عن طرابلس وترهونة لعقد اجتماع انتهى إلى اتفاق على تمديد وقف إطلاق النار في العاصمة، بوساطة من وفد مشايخ وأعيان مدينة ورفلة، وهي الجهود التي وصفها المبعوث الأممي غسان سلامة بـ«الجبارة».

وتضمن الاتفاق استمرار وقف إطلاق النار، وسحب كل طرف لقواته إلى حدوده الإدارية ولمسافة 15 كيلومترًا، وتسليم الأسلحة الثقيلة للثكنات العسكرية، بالإضافة إلى أن «تكون إدارة مطار طرابلس الدولي تحت إشراف مديرية أمن قصر بن غشير، على أن تتولى وزارة الداخلية تأمين الطرق»، ومن ثمّ بدء إزالة السواتر، وتبادل الأسرى، وعودة المهجرين.

في أعقاب ذلك توقفت الاشتباكات بين مسلحين من «قوة حماية طرابلس» من جهة و«اللواء السابع مشاة» المعروف محليًّا بـ«الكانيات» القادم من ترهونة من جهة ثانية، بعد تدخل المجلس الاجتماعي لقبائل ورفلة الذي يستهدف إكمال مساعيه لكي تفضي إلى نزع فتيل الأزمة تمامًا، مؤكدًا استمراره وإصراره في مواصلة جهود رأب الصدع والمصالحة بين الأطراف المتقاتلة.

الطرف الثالث.
وصف عضو المجلس الاجتماعي لقبيلة ورفلة مفتاح فطيس، وصف اتفاق التهدئة جنوب طرابلس بـ«الناجح»، لكنّه ربط النجاح بعيد المدى للاتفاق بـ«عدم تدخل أطراف خارج طرابلس الكبرى وتخلق بعض المنغصات، لأن هناك أطرافًا ثالثة (لم يسمِّها) أثارت قلاقل يجب عدم تكرارها، وهناك مشاكل قبلية يجب التخلص منها».

وعبّــر فطيس، في حديث لوكالة «فرانس برس»، عن قلق لجان المصالحة من إمكانية حدوث مناوشات كالتي وقعت في منطقة العزيزية جنوب طرابلس قبيل تلاوة بيان التهدئة، ما دفعهم لمخاطبة أعيان طرابلس الذين تدخلوا بشكل إيجابي، حسب وصفه، وجرى إيقاف الخرق الأمني الذي حدث، واستمر وقف إطلاق النار.

وشدد فطيس على ضرورة إنهاء انسحاب القوات المتصارعة لمسافة 15 كيلومتراً عن الحدود الإدارية لكل من طرابلس وترهونة، وعودة الآليات المسلحة إلى مقرّاتها وفتح كل الطرق، وتسليم مهام تأمين مناطق الاشتباك لمديريات الأمن المعنية بكل منطقة، بحسب نصّ الاتفاق.
تأمين الاتفاق

لجان مشكلة من المجلس الاجتماعي تشرف على تنفيذ الاتفاق.. وحديث عن «نوايا صادقة»

وبشأن عملية تأمين الاتفاق لضمان عدم حدوث أي خرق في المستقبل، أشار إلى أن لجانًا مشكلة من المجلس الاجتماعي، أهمها اللجنة الأمنية المعنية بهذه الترتيبات، ستشرف على تنفيذ الاتفاق، مشيدًا بما لمسوه من «نوايا صادقة في وقف القتال من طرف لجان المصالحة وأعيان طرابلس الكبرى وترهونة»، منوهًا بأنّ اللجان المشكلة وفق اتفاق التهدئة بدأت عملها، وبعضها توجه إلى ترهونة للإشراف على تنفيذ بنود الاتفاق.

وحول عدم تعليق المؤسسات الرسمية في طرابلس على بيان التهدئة قال فطيس: «لقد تواصلنا مع الأعيان لأن المتحاربين هم من فوضهم بمناقشة وقف إطلاق النار، وليس في جعبتي لكل الساسة الليبيين إلا مناشدتهم بالالتفات للمواطنين البسطاء الذين يدفعون ثمن كل ما يحدث في ليبيا من خروقات».

ترتيبات أمنيّة
وفي إشارة على نجاح الاتفاق، تحدث عضو مكتب الإعلام بالهلال الأحمر الليبي أبوبكر سويسي، عن شروع القوات المتصارعة في الانسحاب من مناطق الاشتباكات، والبدء في إزالة السواتر بالطرقات، في وجود مديريات الأمن بمناطق النزاع التي ستستلم مهام تأمين المناطق والطرقات؛ تنفيذًا لنصوص اتفاق التهدئة ووقف إطلاق النار الموقع بين الطرفين. وفي إطار محاولات إنجاح الترتيبات الأمنيّة قال مبعوث الأمم المتحدة غسان سلامة، إنّ البعثة قدّمت دعمًا تقنيًا إلى لجنة تنفيذ الترتيبات الأمنيّة في العاصمة طرابلس، قبل أن يشير إلى أنّ المجموعات المسلحة لا تزال مسؤولة عن إنفاذ القانون بدلاً من القوات الحكومية النظامية.

وتابع عندما كان يقدم إحاطته لمجلس الأمن الدولي الجمعة: «لا يزال المدنيون يعيشون في خوف من الصراعات العنيفة في طرابلس، بعد أشهر من الهدوء بناءً على اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في سبتمبر الماضي. وشهدنا في اليومين الماضيين مزيدًا من الصدامات. وفي الوقت الراهن، تم احتواء الانتهاكات بسبب جهودنا».

تحذيرات قبلية
مجلس مشايخ وأعيان قبائل ترهونة من جانبه رحّب بالاتفاق، وأعرب عن التزامه بما جاء في بيان المصالحة، مؤكدًا في الوقت نفسه أنّ «أبناء قبائل ترهونة ينبذون العنف والتطرف الديني والسياسي ويؤكدون أن مدينة ترهونة لا ترتبط بأية أجندة متطرفة ولن تكون رهينة لأي جماعة من الجماعات التي تنتهج العنف سبيلاً لتحقيق أهدافها».

ودعا بيان المجلس «كافة المتهمين في قضايا جنائية في جميع المناطق الليبية إلى ضرورة المثول أمام القضاء العادل للنظر فيما نُسب إليهم من تهم»، منبهًا إلى أنه «في حالة عدم احترام تلك القيم والمبادئ فإن أعيان ومشايخ قبائل ترهونة كغيرهم من القبائل في المدن الليبية سيضطرون إلى اتخاذ الإجراءات الكفيلة لإنهاء حق الاستجارة والإقامة».