«أتلانتيك كاونسيل»: ليبيا بحاجة لخطة جديدة لحل الأزمة في حالة فشل خارطة الطريق الأممية

من اليمين المشري والسراج وعقيلة وحفتر خلال مشاركته في مؤتمر باريس، يوم 25 مايو 2018. (الإنترنت)

قال باحثان في مقال نشره موقع المجلس الأطلسي «أتلانتيك كاونسيل» إنه من الضروري وضع خطة جديدة لحل الأزمة في ليبيا واستخدامها كبديل، في حالة فشلت خارطة الطريق المقترحة من قبل البعثة الأممية للدعم في ليبيا.

ورأى كاتبا المقال، الباحث في المجلس كريم ميزران والمحلل الأمني الأسترالي فولفانغ بوستاي، أن «مؤتمر باليرمو، الذي انعقد نوفمبر الماضي، حول ليبيا، لم يشهد أي تطور على الصعيدين السياسي والأمني، أو على صعيد التوافق حول خطة محددة للمضي قدمًا في البلاد».

وتابعا: «ما خرج به مؤتمر باليرمو هو مجرد تكرار لتأكيد الوفود المشاركة التزامها بدعم جهود البعثة الأممية، والاتفاق على تعريف غير واضح لخارطة طريق تهدف إلى حل الأزمة، وبمعنى آخر، لم يخرج المؤتمر بكثير من النتائج».

وتساءل الكاتبان، في مقالهما المنشور أمس السبت، هل ستنجح خارطة الطريق المعلنة من قبل البعثة الأممية في تحقيق توافق حول القضايا الخلافية بين الفصائل والأطراف الليبية؟

واعتبر الباحثان أن خارطة الطريق تلك التي أعلنتها البعثة الأممية «ضبابية»، وقالا: «هناك مقترح بإجراء تصويت على مسوَّدة الدستور، التي جرى التصديق عليها في يوليو من العام 2017، قبيل إجراء الانتخابات الوطنية. لكن تلك المسوَّدة ضعيفة للغاية ولا تغطي كثيرًا من القضايا المهمة مثل قضية الحكم اللامركزي وتوزيع عائدات النفط»، وأضافا: «يبدو أن هذا المقترح مصدره الأطراف المستفيدة حصرًا من الوضع القائم ولا ترغب في المضي قدمًا».

وتابعا: «كما أن الوقت اللازم لتنظيم استفتاء على مسوَّدة الدستور المتاحة، وإعادتها إلى لجنة الصياغة للمراجعة في حال تم رفضها من قبل الشعب، وتنظيم استفتاء ثانٍ يجعل هذا الخيار غير عملي في الوقت الراهن».

وذكرا أن السبيل الأفضل لتحسين الوضع الراهن في ليبيا هو الاتجاه مباشرة صوب تنظيم الانتخابات مباشرة عقب انتهاء فعاليات الملتقى الوطني الليبي، لكنهما تحدثا عن أن هناك عراقيل كثيرة تقف أمام هذا الحل، أهمها الوضع الأمني المتدهور الذي قد يؤدي إلى تراجع نسب المشاركين بالانتخابات، وحذرا من أن «تقوم بعض الأطراف باستغلال تدني مستوى الأمن، لتقويض مصداقية البرلمان المنتخب أو نتائج الانتخابات».

كذلك لفت الباحثان إلى صعوبة تنظيم حملات انتخابية فعالة في ظل المشهد الهش الذي تعيشه ليبيا حاليًّا، في ظل غياب وسائل إعلام تعمل بفاعلية وكفاءة، وقالا: «تلك الاعتبارات وغيرها تؤكد أن ليبيا ليست مستعدة بعد لإجراء انتخابات وطنية، سواء على الصعيد القانوني أم التنظيمي. كما أن إجراء انتخابات بصورة متعجلة أمر شائك، وقد يعجل من تدهور الوضع وانزلاق الدولة نحو دوامة جديدة من العنف ومزيد المواجهات المسلحة بين الفصائل المتنافسة».

الوضع العام «كارثي»
وحيال الوضع العام في ليبيا، رأى المقال أن «الوضع كارثي» بالنسبة لغالبية الشعب الليبي، لكنه الوضع الأمثل لأولئك المستفيدين من الفساد المستشري وغياب الرقابة القانونية والقضائية، وأضاف: «إن الأطراف الدولية تعتمد بشكل كبير على قادة سياسيين محليين لا يملكون أي قوة أو نفوذ فعلي على الأرض. فالسلطة الحقيقية تقع في أيدي المجموعات المسلحة وقاداتها».

واستبعد المقال نجاح الحلول العسكرية، واعتبرها غير واقعية بالمرة، وقال: «لا يمكن تخيل أي تحالف يمكنه الانتصار بشكل حازم أمام الفصائل الأخرى. وقائد الجيش المشير خليفة حفتر لا يستطيع السيطرة على طرابلس، إذ تتمركز معظم قواته في المنطقة الشرقية، والفرصة الوحيدة للنجاح في ذلك، نظريًّا، هو اشتعال ثورة من داخل المدينة، يصاحبها هجوم من خارج المدينة».

وتابع الباحثان: «القوة العسكرية الأكثر نفوذًا في إقليم طرابلس هي مجلس مصراتة العسكري، وهو يستطيع احتلال العاصمة، لكن من غير المرجح أن ينجح في الإبقاء على سيطرته فترة طويلة، كما أن قوات مجلس مصراتة لن تستطيع السيطرة على منطقة الهلال النفطي، ولن تنجح أمام القدرات الجوية لقوات حفتر».

وحذر الباحثان من أن «أية محاولة من قبل أي طرف لحل الوضع عسكريًّا ستشعل على الأرجح حربًا أهلية شاملة، ستجر الدولة بأكلمها إلى فوضة شاملة».

الوضع الأمني في الجنوب
وتحدث المقال بشكل خاص عن منطقة جنوب ليبيا، وقال الباحثان إن الوضع الأمني في الجنوب هو الأسوأ، إذ يتواجد تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب» في تلك المنطقة ويتحرك دون منافس، وله روابط وصلات مع بعض قادة الفصائل المسلحة الموالية لطرفي النزاع.

وقالا إن تنظيم «داعش» يعتبر منطقة الجنوب «ملاذًا آمنًا» لإعادة ترتيب أوراقه وتجميع صفوفه بعد طرده من معقله في مدينة سرت، ويستخدم المنطقة أيضًا كقاعدة للتدريبات والتخطيط لهجمات ينفذها في ليبيا والإقليم من حين لآخر.

ونظرًا للروابط التي أقامها تنظيما «القاعدة» و«داعش» مع مجموعات مختلفة في تونس والجزائر وتشاد والنيجر ومالي، أكد المقال أن منطقة جنوب ليبيا «غير المحكومة» تمثل عاملًا مهمًّا في عملية إرساء الاستقرار في ليبيا ومنطقة الصحراء بأكلمها، حيث ينظم «داعش» هجمات في جميع دول تلك المنطقة.

وشددا الباحثان على أنه دون وضع نهج جديد لإرساء الاستقرار في الجنوب وفي ليبيا بشكل عام، يقوم على ما حققه الاتفاق السياسي الليبي الموقع في العام 2015، ستنزلق ليبيا إلى فوضى عارمة وتقع ضحية حرب أهلية شاملة.

الملتقى الوطني
وانتقل المقال للحديث عن خارطة الطريق التي اقترحها المبعوث الأممي غسان سلامة، التي تبدأ بتنظيم ملتقى وطني عام تشارك فيه كافة الفصائل الليبية، وقال الباحثان: «إن رؤية سلامة للملتقى الوطني غير واضحة بالنسبة لمتابعي مسار الأزمة في ليبيا».

ولفت الباحثان إلى تضارب «حول الأدوار» فيما يخص تنظيم المتلقى الوطني، وقالا: «الأمم المتحدة تقول إنه على الليبيين الأخذ بزمام الأمور، ولا نعرف ما معنى ذلك بالتحديد، وإن البعثة الأممية مهمتها تقديم الدعم فقط، لكن آخرون يرون أن الأمم المتحدة هي مَن تتولى مهمة التنظيم. هذا الارتباك حول الأدوار والتوقعات، وغياب الشفافية عامة لا يساعد في الخروج بأية نتائج إيجابية».

ولهذا أكدا ضرورة وضع بيان واضح وصريح يحدد التوقعات من الملتقى الوطني، مع التزام كافة الأطراف وتعهدها باحترام نتائج الملتقى، كما قالا إنه «لا يجب اعتبار الملتقى مجرد خطوة في مسار تنظيم الانتخابات الوطنية فقط دون الاهتمام به كحدث بذاته، لأن ذلك سيقوض احتمالات تحقيق توافق دائم، وبالتالي سيقوض شرعية الانتخابات نفسها».

كذلك، شدد المقال على أهمية انتقاء المشاركين في الملتقى بعناية شديد، على أن يكونوا ممثلين ذوي مصداقية للشعب الليبي، يرغبون في المشاركة بالعملية السياسية الديمقراطية، واقترح أن تتم دعوة وفود من المجالس البلدية المنتخبة كممثلين عن بلدياتهم، واختيار شيوخ من القبائل في البلديات الأخرى التي لا يتوافر فيها مجالس بلدية منتخبة.

خطة جديدة لإرساء الاستقرار
وفيما يخص جهود إرساء الاستقرار في ليبيا، دعا الباحثان إلى بدء جهود جديدة لتحقيق الاستقرار، تبدأ من اتفاقات لوقف إطلاق النار واتفاقات للهدنة بين الأطراف العسكرية الرئيسية، تشمل الجيش الليبي وقوات مصراتة وفزان من الجنوب وغيرها.

واقترحا أن تتوسط الإدارة الأميركية في اتفاقات وقف إطلاق النار، لما لها من مصداقية في أعين الليبيين، لكنهما قالا إن تدخل واشنطن أمر غير واقعي في الوقت الراهن، ولهذا يمكن لشبكة من القوى الدولية، ذات التأثير على الأطراف الليبية المختلفة، العمل تحت مظلة الأمم المتحدة والقيام بدور الوسيط.

وقال الباحثان: «إن اتفاقات وقف إطلاق النار لا يجب أن يتم فرضها من الخارج، لأن ذلك يتطلب مهمة من نوع آخر تشمل قوى خارجية أكبر وتنذر بمزيد من التدهور في الوضع الداخلي. ولهذا فالأفضل هو مراقبة اتفاقات الهدنة، وهو ما يستدعي استخدام تقنيات مثل طائرات دون طيار والأقمار الصناعية والمراقبة الإلكترونية، ويمكن لحلف شمال الأطلسي (ناتو) القيام بتلك المهمة، أو أن يضطلع بها الاتحاد الأوروبي، فبعض أعضاء الاتحاد مؤهلة بشكل جيد لتنفيذ مهام المراقبة».

مقر الحكومة
وتطرق المقال إلى قضية اختيار مقر الحكومة لضمان تأمينها واستقلالها عن الفصائل المسلحة ذات النفوذ، وقال: «إن الحكومة بحاجة إلى تأكيد استقلالها عن أمراء الحرب المحليين وإلا لن تُقبل سلطتها أبدًا، إذ لا يرغب أي طرف في أن يكون تحت سلطة حكومة خاضعة لرحمة الفصائل المسلحة».

وقال كاتبا المقال: «نظرًا لفشل حكومة الوفاق الوطني والحكومات السابقة في هذا الأمر»، فإن هناك ثلاثة حلول محتملة تضمن تأمين الحكومة، أولها إنشاء قوات ليبية وطنية مستقلة وذات كفاءة تتولى تأمين الحكومة، لكنهما قالا إن ذلك لن يتحقق في أي وقت قريب.

والحل الثاني هو اللجوء إلى تكليف قوة حماية دولية لتوفير البيئة الآمنة التي تسمح للحكومة بالعمل، ويمكن قوات تدخل تابعة للاتحاد الأوروبي إقامة مناطق آمنة حول مطار معيتيقة وقاعدة أبو ستة البحرية، لكن المقال لفت إلى عدم رغبة الدول الأوروبية في اتباع هذا الخيار، لأن ذلك يتطلب دعوة رسمية من البرلمان أو رأس الدولة في ليبيا، وهذا الطلب سيجر كثيرًا من الصدامات والخلافات بين الأطراف الليبية.

أما الخيار الثالث، فهو نقل الحكومة والأطقم التابعة لها موقتًا إلى منطقة آمنة، بعيدة بشكل كافٍ عن مناطق النزاع الرئيسية حتى يسهل حمايتها. ورأى الباحثان أن منطقتي رأس لانوف أو السدرة خيارات جيدة، وقالا إن إنشاء مناطق محايدة حول الميناءين، خالية من المجموعات المسلحة، قد يساهم في إنهاء الصراع للسيطرة على هذين الميناءين الرئيسيين.

إطار عمل موقت
وفيما يخص العملية الانتخابية، قال كاتبا المقال: «من الصعب بشكل عام إجراء انتخابات دون وجود إطار دستوري متفق عليه، لكن في ليبيا الوضع مختلف، والاتفاق على دستور هي الخطوة الأكثر أهمية».

وذكرا أنه يمكن لليبيين الاتفاق على عقد انتخابات وطنية من أجل انتخاب لجنة لصياغة الدستور، مسؤولة عن وضع نسخة نهائية من دستور متفق عليه، مثلما حدث في تونس.

والخيار الثاني هو اعتماد دستور 1963 مع إدخال بعض التعديلات، وتبني صيغة جديدة لعقد اجتماعي يضع الأسس لآلية تضمن توزيعًا عادلًا لعائدات النفط والغاز بين الليبيين. ورغم أن دستور 1963 أسس للحكم الملكي في ليبيا، يمكن تعديل ذلك عبر انتخاب شخصية تتمتع بالثقة في منصب الرئيس، أو تبني الآليات المحددة في اتفاق الصخيرات السياسي التي تنص على إنشاء مجلس رئاسي من تسعة أعضاء.

كذلك، تحدث كاتبا المقال عن أهمية الاتفاق على تشكيل حكومة مركزية من تكنوقراط، مهمتهم تولي مسؤولية إرساء القدر الأدنى من الأمن وتنفيذ الإصلاحات اللازمة لإنعاش الاقتصاد، على أن تظل المؤسسات الثلاث الرئيسية، مؤسسة النفط والمصرف المركزي وهيئة الاستثمار، تحت السلطة الحصرية للحكومة.

والسؤال الأهم، حسب المقال، هو: كيف يمكن أن يحظى هذا النهج البديل بالشرعية في نظر الليبيين؟

وقال الباحثان إن الخيار المتاح للتصديق على دستور موقت هو الملتقى الوطني المنتظر.

وقالا: «إن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة سيكون لهما دور في الإيفاء بالاستحقاقات الانتخابية، وسيكون لهما دور في أي نهج موقت، وقد يستمر مجلس النواب في عمله حتى انتخاب برلمان جديد. ويجب انتخاب أعضاء المجلس الرئاسي الجديد من قبل مجلس النواب ومجلس الدولة».

ورأى الباحثان أن النهج السابق ذكره هو الحل المناسب لتخطي الفترة الانتقالية الطويلة التي تعيشها ليبيا، لكن ذلك يعتمد على عقد نقاشات مطولة بين مكونات الشعب الليبي، وتحليل محايد للخيارات المتاحة والممكنة.

المزيد من بوابة الوسط