قانون انتخاب الرئيس.. قفزة على المسارات السياسية أم تحريك للمياه الراكدة؟

اعتبر مراقبون وخبراء أنّ طرح مجلس النواب قانون انتخاب رئيس الدولة في الوقت الحالي، بمثابة قفزة للأمام متخطية المسارات السياسة، إذ لم يتم إقرار دستور للبلاد وما يتضمنه بالنص على نظام الحكم، فيما رأى آخرون أنّ عدم إنجاز أيٍّ من الخطوات المتفق عليها لإنهاء المرحلة الانتقالية ربما كانت الدافع وراء طرح القانون.

في الأثناء انتقد البعض مواد القانون التي اعتبروها مجازًا «تفصيلاً قانونيًا» لبعض الشخصيات، مما يزيد الأمور تعقيداً أمام التوافق الوطني، ولا سيما أنّ مجلس النواب أطلق صافرته في الأجواء التي كانت هادئة الفترة الماضية، لإعادة الجدل حول مصير العملية السياسية.

للاطلاع على العدد 164 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

القانون الجديد لانتخاب رئيس الدولة تضمّن 11 شرطًا، من بينها أن يكون المرشح ليبياً مسلماً من أبوين مسلمين، وألا يكون حمل هو أو أي من والديه أو زوجته جنسية دولة أخرى، وألا يقل عمره عن 40 عاماً، بالإضافة إلى ضرورة الحصول على تزكية 20 عضواً من أعضاء مجلس النواب، أو أن يؤيده ما لا عن خمسة آلاف مواطن ممن لهم حق الانتخاب.

تضمنت الشروط أن يكون المرشح الرئاسي حاصلاً على مؤهل جامعي على الأقل أو ما يعادله، وأن يكون متمتعاً بحقوقه المدنية والسياسية، وألا يكون قد حكم عليه في جناية أو جريمة مخلة بالشرف أو الأمانة ولو كان قد رُدّ إليه اعتباره، وألا يكون مصاباً بمرض بدني أو ذهني يؤثر على أدائه مهام رئيس الدولة، وأن يقدم إقراراً بممتلكاته الثابتة والمنقولة داخل ليبيا وخارجها وزوجته وأولاده القصر.

إزاء ما سبق فإنّ طرح هذا القانون يستدعي تصريحات سابقة للمتحدث باسم مجلس النواب عبدالله بليحق نقلها موقع قناة «الحرة» الأميركي، عندما قال إن المجلس قد يلجأ إلى تفعيل قانون يسمح بانتخاب رئيس موقت للبلاد خلال الفترة القادمة قبل اعتماد دستور دائم لليبيا. ما أنّ الإعلان عن القانون جاء في أعقاب جلسة استماع عقدها مجلس النواب لرئيس المفوضية الوطنية للانتخابات، عماد السايح، عندما أطلع أعضاء المجلس على استعدادات المفوضية لعملية الاستفتاء على مشروع الدستور، وبعض الملاحظات بشأن القانون.

اقرأ أيضًا: مجلس النواب يناقش قانون انتخاب الرئيس

بالتوازي مع تلك التطورات شهدت الأسابيع الأخيرة من العام الماضي وبداية العام الجديد أحاديث عن الترتيب لعقد الملتقى الوطني العام الذي جرى تزمينه في الأسابيع الأولى للعام، لكنّ شيئاً لم يتحرك خطوة إلى الأمام لا إعداد أسس اختيار أعضاء الملتقى أو تفاصيل بشأن مكان انعقاده أو حتى أهدافه، مما يجعل خطوة مجلس النواب مثار تساؤل هل بمثابة قفزة على المسارات السياسية التي جرى تحديدها في المؤتمرات الدولية بشأن ليبيا أم هي محاولة لتحريك المياه الراكدة وإعادة الحديث عن العملية السياسية بغرض إنهاء المرحلة الانتقالية.

فشل الاستفتاء
جازية شعيتير عضو هيئة التدريس بكلية القانون في جامعة بنغازي، رأت أن مناقشة البرلمان قانون انتخاب رئيس الدولة، جاء بعد تداول أنباء تفيد بتقديم طعن ضد التعديل الدستوري الأخير الخاص بالاستفتاء على مشروع الدستور، وهو ما يُعرقل مسيرة الاستفتاء، خاصة مع توقف المحكمة العليا عن النظر في الطعون الدستورية منذ مدة طويلة نسبياً.

وتابعت شعيتير في تصريح إلى «الوسط»: «لعل من الطبيعي أن يفكر النواب في الخطة البديلة وهي قانون انتخاب رئيس، بيد أن السؤال الجدير بالذكر، هل ذلك استباق للملتقى الوطني العام أم بالاتساق معه؟».

حالة الضرورة
أما الدكتور عبدالحميد جبريل عضو الهيئة التأسيسية لمشروع الدستور، فجاء رأيه مؤيداً لخطوة البرلمان، حيث قال إنّ «المادة الأولى من القانون رقم 10 لسنة 2014 عرّف مجلس النواب بأنه السلطة التشريعية الموقتة للدولة في المرحلة الانتقالية، كما أنّ المادة 2 من النظام الداخلي لمجلس النواب أسند إليه صلاحيات رئيس الدولة، وبموجب الاختصاص العام للرئيس الذي يملك حق الإعلان عن الانتخابات العامة فإن مجلس النواب يحق له الإعلان عن انتخابات عامة لمنصب الرئيس، فهو السلطة التي تقود المرحلة الانتقالية».

وأشار جبريل في تصريح إلى «الوسط» إلى أنّ حالة الضرورة تمنح مجلس النواب -حتي دون وجود قانون أو دستور- أن يقوم بما يراه لاستمرار الحياة العامة، إذ إن أهم اختصاصاته في حالة الضرورة هو الحفاظ على حياة الدولة.

وأضاف أنّ «ما استند إليه مجلس النواب في إعلانه يعتبر سبباً صحيحاً لإعلان قانون انتخاب الرئيس»، معتبراً أنّ «القوى المعارضة لا تريد الرضا بهذا الانتخاب إلا وفق توجهاتها في تحديد قواعد الانتخاب والدوائر وكيفية احتساب الأصوات».

وتابع: «انتخاب الرئيس قائم على قاعدة عامة في كل قواعد الانتخاب، وهي الرضا العام الذي يتحقق بتقسيم المناطق الانتخابية والدوائر تبعاً لها، لا يوجد ما يمنع قانوناً وفق الظروف الواقعية إصدار قانون لانتخاب الرئيس وتحديد اختصاصاته حتي يصدر الدستور».

أما النائب عن درنة خيرالله التركاوي، فرأى أنّ الإجراء «صحيح»، باعتبار أنّ انتخاب رئيس للبلاد يمكن أنّ يؤدي إلى توحيد مؤسسات الدولة، ومن ثم الانتقال إلى مرحلة استفتاء على الدستور. لكنّ رانيا الصيد عضو هيئة مشروع الدستور، قالت إنّ الإجراء الذي أقدم عليه مجلس النواب «لا يجوز»، لأن الضوابط بين الحاكم والمحكوم تقر في مواد الدستور التي تعتبر وثيقة وعهداً يحدد الواجبات والمسؤوليات والحقوق، ومدد الحكم، وطريقة التداول السلمي للسلطة، معتبراً أنّ دون ذلك يبدو الأمر «تكريساً لديكتاتورية جديدة والدخول في نفق مظلم بعيد عن الديمقراطية والمدنية».

ورقة ضغط
واعتبرت الدكتورة نادية عمران عضو الهيئة التأسيسية أنّ مناقشة مجلس النواب قانون انتخاب الرئيس، مجرد «ورقة ضغط» على الأطراف الأخرى المتصدرة المشهد والرافضة لما قام به مجلس النواب من إصدار قانون الاستفتاء والتعديلات الدستورية. وأشارت عمران في تصريح إلى «الوسط» إلى أنّ مجلس النواب لا يمكنه إصدار قانون انتخاب الرئيس لعدة إشكاليات منها، عدم انتخاب رئيس للبلاد دون دستور يحدد شكل الدولة، ونظام الحكم، ومعالم السلطة التنفيذية واختصاصاتها، وشروط انتخاب الرئيس، وطرق مساءلته، والعلاقة بين السلطات وضمان الحقوق والحريات. ودللت عضو الهيئة التأسيسية على رأيها بأنّ مجلس النواب مطالب قبل الشروع في مناقشة قانون انتخاب الرئيس، بالقيام بتعديل التعديل الثامن الذي بموجبه يضيف مجلس النواب اختصاصات رئيس الدولة إلى اختصاصات رئيس مجلس النواب.

عقيلة صالح وخصومه
أما فرج فركاش، مدون وناشط سياسي، فرأى أنّ فكرة انتخاب الرئيس نابعة من عقيلة صالح، حين جرى الترويج لها منذ تعثر مجلس النواب في سن قانون الاستفتاء، وفي ظل معارضة بعض النواب المشروع الحالي أو حتى قانون الاستفتاء.

وأشار فركاش في تصريح إلى «الوسط» إلى أنّ «تسريب مشروع لقانون انتخاب رئيس الدولة هو وسيلة ضغط يستخدمها عقيلة ضد خصومه للقبول بما هو على الطاولة، ولكن هذه المرة يبدو أنه أراد توسيع دائرة الخصوم لتشمل شخصيات أخرى خارج دائرة الخصوم المتمثل في مجلس الدولة»، وفق قوله.

ورأى المدون الليبي أنّ الإجراء الأخير بمثابة محاولة وصفها بـ«العبثية» من شأنها تمديد عمر الأزمة وخلط الأوراق مرة أخرى، مشدداً على ضرورة وجود توافق على إطار دستوري لأي قانون انتخابات سواء كانت برلمانية أو رئاسية. وفي حال فشل إقرار الدستور اقترح فركاش تضمين بعض بنود مشروع الدستور المقدم من الهيئة الخاصة بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية في الإعلان الدستوري، ليكون مخرجاً وقاعدة دستورية وحيدة يمكن بناء عليها أي قوانين انتخابية للتمهيد لانتخابات قادمة.

الإعلان الدستوري
الناشط السياسي فرج أبو سنينة قال إنّ الانتخابات يمكن أن تجرى وفق الإعلان الدستوري بهدف توحيد البلاد، معتبراً أنّ البلاد بحاجة إلى مرحلة انتقالية من خلال انتخاب رئيس لتوحيد مؤسسات الدولة والجيش ومن ثمّ فرض الاستقرار الدائم.

اقرأ أيضًا: أبرزها الجنسية والسن.. 10 شروط في مشروع قانون انتخاب رئيس الدولة الليبية

وأضاف أبو سنينة في تصريحات إلى «الوسط» أنّ الانتخابات تجرى بناء على شرعية مستمدة من قانون الانتخابات الذي يكون منبثقاً عن شرعية أخرى هي الدستور الدائم أو الإعلان الدستوري، وبالتالي ما جرى غير متوافق مع أساسيات الاستحقاقات السياسية. فيما قال يوسف عبدالرحمن عضو حكماء وأعيان فزان إنّ «اختيار رئيس في الوقت الحاضر من طرف البرلمان هو مجرد خلط للأوراق»، لافتاً إلى أنّ «اختيار أي سلطات دون دستور وثوابت زمنية وحدود سلطات هو إطالة للأزمة الليبية واستمرار للعبث بالقواعد»، متابعاً: «الدستور يجب أن يكون هو الرئيس، واختيار الرئيس هو أحد نتائج الدستور».

مناورة سياسية
قال خالد التواتي عضو هيئة الدستور، إنّ الأولى هو إقرار الدستور من خلال الآلية التي نصّ عليها الإعلان الدستوري بالاستفتاء، ومن ثمّ الشروع في انتخابات تشريعية ورئاسية.

وأشار التواتي لـ«الوسط» إلى أنّ إجراء انتخابات تشريعية أورئاسية قبل إقرار الدستور، يدخل البلاد في منزلق مرحلة انتقالية رابعة، وهو انحراف عن مسار تأسيس الدولة.

وأضاف أنّ «انتخاب رئيس في ظل وجود التعديل الدستوري الثامن، يعني أن الرئيس لا يمكن له ممارسة أي صلاحيات إلا بإجراء تعديل دستوري لنقل صلاحيات الرئيس من رئاسة مجلس النواب وهو ما يحتاج إلى أغلبية يعجز مجلس النواب عن تحقيقها».. ووافقه الرأي الدكتور إبراهيم البابا عضو الهيئة التأسيسة لصياغة الدستور، الذي استبعد إصدار قانون انتخاب الرئيس بدون إطار دستوري، فالدستور هو الذي يحدد شروط الرئيس وآلية انتخابه وضبط اختصاصاته وعلاقته بباقي السلطات سواء التشريعية أو القضائية.

وأشار البابا إلى أنّ «قانون انتخاب الرئيس من القوانين التي يشارك فيها مجلس الدولة، وفق نص المادة 23 من الاتفاق السياسي التي تستمد منها جميع الأجسام الآن شرعيتها رغم عدم تضمينه الإعلان الدستوري».

للاطلاع على العدد 164 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

واعتبر عضو الهيئة التأسيسة أنّ «ما قام به مجلس النواب يمكن اعتباره (مناورة سياسية)، بغرض عرقلة المسار الآخر الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة التي ستبدأ بملتقى وطني شامل مرورًا بالاستفتاء على مشروع الدستور المعتمد من الهيئة التأسيسية وينتهي بانتخابات رئاسية وبرلمانية».

وقال عضو مجلس النواب علي السعيدي، إنّ استقرار البلاد لا يتحقق إلا من خلال إقرار الدستور أولًا، وتحديد شكل الدولة، وإقرار قانون الأحزاب، من أجل وجود أحزاب سياسية قوية ومن ثم الذهاب لانتخاب رئيس الدولة.