«تشاوري» الملتقى الوطني: الأساس الدستوري لإنهاء المرحلة الانتقالية 4ـ 5)

شدد المشاركون في جلسات المسار التشاوري للملتقى الوطني الليبي على ضرورة إنجاح العمليتين الدستورية والانتخابية، واعتبر التقرير الصادر عن الملتقى هذا التشديد نابعًا من حالة الضجر الجماعي إزاء مراحل انتقالية لا تنتهي إحداها إلا لتبدأ أخرى.

وقال التقرير: «في كل الاجتماعات التي عُـقدت في كل المدن الليبية، لا يتحفظ المشاركون على إدانة عجز النخب السياسية الليبية عن وضع حدٍّ لدوامة الانتقال ويهمزون تلميحًا أو تصريحًا إلى مصلحة بعض الأجسام والأشخاص في تواصل هذه الحالة الانتقالية العبثية، مشيرين إلى بما عانته ليبيا طوال عقود من تهافت أسس الحكم وخضوعه لأمزجة شخصية ومعايير غير موضوعية».

وأضاف: «إن المشاركين يرفضون رفضًا مطلقًا إجراء انتخابات تتمخض عن جسم لا ينضبط لصلاحيات أو شروط أو يلتزم بمنطق المؤسسات والدولة. وبهذا المعنى، وأيًّا تكن الظروف، فإنهم يرفضون (توقيع صك على بياض) لصالح أي جسم منتخب مقبل، ويلحون على أن أول شروط الانتخابات هو إقرار أساس دستوري يتوافق عليه الليبيون ويرضون عنه رضا تامًّا، فلا يشككون في شرعيته وشرعية ما ينبثق عنه».

وتابع أنه «إذا كان المشاركون لا يترددون في التعبير عن تذمرهم ـ وأحيانًا بأسهم ـ من النخب السياسية على تعدد تياراتها وتوجهاتها، فإن بصيص أمل لا يزال يحدوهم في أن تضطلع الأجسام القائمة بدورها وتتحمل مسؤولياتها في إيجاد مخرَج يسمح بالتوصل إلى أساس دستوري توافقي وإنهاء المرحلة الانتقالية».

يشار إلى أن اجتماعات المسار التشاوري للملتقى الوطني الليبي نظمها مركز الحوار الإنساني في الفترة من 5 أبريل إلى 11 يوليو الماضيين، وشملت 77 جلسة في 43 بلدية في كل ربوع البلاد، وفي «مدن المهجر» التي تضم جاليات ليبية مهمة، كما شارك الليبيون في 1300 استبيان خاص بالمسار التشاوري، وما يقرب من 300 مشاركة مكتوبة عبر البريد الإلكتروني.

القيم والمبادئ
ويجمع المشاركون في المسار التشاوري ـ وربما قسم واسع من المواطنين الليبيين ـ على أن الأساس الدستوري المأمول، وبمعزل عن مضامينه التي قد تحتمل تعددًا وتنوعًا في الآراء، لابد له أن يكون توافقيًّا معبرًا عن أعماق الضمير الجمعي لليبيين بما لا يجعله موضوعًا للتشكيك في الشرعية أو مدخلاً لتوليد أزمة جديدة. وعليه ، فإن الأساس الدستوري الذي تقام على أساسه الانتخابات، ملك لجميع الليبيين وهو يستجيب وفقًا للأغلبية الساحقة من المشاركين إلى جملة القيم والمبادئ، وهي:

ـ أن يتم التعاطي مع الأساس الدستوري بطريقة موضوعية وعقلانية والابتعاد عن كل التوترات الأيديولوجية، وهو ما يتطلب أن يكون الأساس الدستوري معبرًا عن الهوية الجامعة لليبيين وخصوصياتهم مع الالتزام بكافة العهود والمواثيق والاتفاقات الدولية.

ـ الدولة المدنية التي «تضم كل مكونات الشعب الليبي دون إقصاء لأحد»، ذلك أن أي دستور ليبي مأمول «هو الضمان العادل والموثوق لمكونات ليبيا».

ـ أن يضمن الأساس الدستوري الحريات وحقوق المواطنين في الحياة الكريمة ويحدد واجباتهم بعيدًا عن أية اعتبارات مناطقية أو فئوية وأن يعبر عن ضمير الشعب الليبي وسيادته، كما أن الحقوق الأساسية يجب أن تكون مكفولة بمعزل عن كل التجاذبات السياسية ذلك أن «الحقوق لا يستفتى عليها».

ـ أن يضمن الدستور الفصل بين السلطات وينظم العلاقات بينها بشكل متوازن.

ضمان التمثيل العادل لكل المكونات المجتمعية
ما من فكرة ومعنى حظي بإجماع المشاركين في كل اجتماعات المسار التشاوري بقدر ما حظيت به معاني الانتماء إلى ليبيا والاعتزاز والفخر بها: وحدها ليبيا الوطن الجامع الذي يؤاخي ولا يفرق، الذي يوحد ولا يشتت، ليبيا شرف الأجداد الموروث وأمانة الأبناء والأحفاد، وحدها ليبيا والتعلق بها والفخر بالانتماء إليها حظيت بإجماع واضح لا لبس فيه.

وكما جاء على لسان أحد المشاركين، فإنه وبمجرد «أن يكون أحدنا منتميًا لليبيا، فإن ذلك ينفي صفات الغالب والمغلوب، وما من نصر يتحقق لأي ليبية أو ليبي إلا وكان شرطه عزة ليبيا ومناعتها، وما من ضيم يلحق بليبية أو ليبي إلا ولحق بليبيا وبكل بنات الوطن وأبنائه مثله أو أشد منه».

ومن هذا المنطق، فإن المشاركين في المسار التشاوري يرون أن أحسن طريقة «ضمانًا للتمثيل العادل لكل المكونات المجتمعية» يكون بتكريس الانتماء الوطني، بل إن بعضهم يعبر عن عدم ارتياحه لمصطلح «المكونات»، إذ ليس في ليبيا إلا مكون واحد هو الشعب الليبي، وإن تنوعت الألسنة والثقافات، وتأكيدًا على المشترك العميق بين الليبيين، فإن المشاركين في المسار أكدوا على النقاط الجوهرية التالية:

ـ إن ما يجمع الليبيين هو هويتهم الوطنية الليبية والتي يمثل تعددها وتنوعها الداخلي عامل ثراء وعنفوان رئيسيين لكل الليبيين، إذ ليس في ليبيا أقلية أو غلبية، كما أن الليبيين شركاء في الوطن الواحد تجمعهم المواطنة في السراء والضراء رغم كل ما مر على ليبيا من ظلم وتهميش.

ـ و يقر المشاركون في المسار التشاوري للملتقى الوطني بتفاوت درجات الظلم والتهميش اللذين لحقا بكل الليبيين دون استثناء، وهو ما يستوجب اتخاذ إجراءات من شأنها أن تعالج جذور هذا التهميش ولكن دون السقوط في فخ المحاصصة.

وإذا كان الليبيون معنيين برد الحقوق وضمانها لكل إخوتهم الذين عانوا تهميش دورهم السياسي والاقتصادي وحقوقهم الثقافية وخصوصياتهم التاريخية، فإن قسمًا مهمًّا من المشاركين يشير إلى أهمية توفير ضمانات إضافية نذكر منها ما يلي:

ـ التنصيص على الحقوق اللغوية والثقافية واحترام الخصوصية الثقافية لبعض المناطق.

ـ بقدر التأكيد على رفض المحاصصة، فإن وجود منظومة محاصصة ضمنية في بعض المؤسسات والأجسام هو الذي يؤدي إلى مطالبة بعض الفئات بحصص سعيًا إلى تحقيق المساواة الفعلية على أرض الواقع.

الطريق إلى الدستور
بقدر الاتفاق على أهمية أن تحظى العملية الدستورية بأكبر قدر من الإجماع والتوافق، فإن آراء الليبيين كانت متعددة بخصوص أحسن السبل للمضي قدمًا في هذه العملية، ويرتبط هذا التعدد في الآراء بطبيعة الأساس الدستور المأمول، وإن كان يجب الاتفاق على نص دستوري مكتمل البناء قبل الانتخابات أم أن هذا الأساس الدستوري يمكن أن يقتصر على القيم الكبرى التي تجمع الليبيين، مرفقة بالخصائص الرئيسية لصلاحيات الجسم المنتخب وحدودها، فضلًا عن علاقته ببقية السلطات.

أولًا: هل يجب الاتفاق على نص دستوري قبل الانتخابات؟
في حين يرى بعض المشاركين في المسار التشاوري أنه لابد من التوصل إلى بناء دستوري مكتمل البناء ومتوافق عليه قبل الانتخابات المقبلة، فإن قسمًا مهمًّا عبَّـر عن اقتناعه بأن موضوع الدستور النهائي يحتاج إلى مزيد الوقت، ذلك أن الاتفاق على الدستور لا يكون إلا في إطار الأمن والاستقرار، وهو ما يتطلب استكمال بناء مؤسسات الدولة وتنظيم انتخابات قائمة على أساس دستوري توافقي جزئى بما يخرج الليبيين من حالة عدم وضوح الرؤية والغموض.

وفي هذا السياق، أشار بعض المشاركين إلى ضرورة أن يتم النقاش حول المسائل الدستورية في كنف سلطة موحدة تضع حدًّا للفوضى الأمنية وتضمن عودة المهجرين والنازحين، إن ما يرفضه المشاركون رفضًا قاطعًا ـ في كل الحالات ـ هو الفراغ أو تخبير الشعب الليبي بين احتمالي الاستقرار أو الفوضى، وهم يتطلعون بهذا المعنى إلى خارطة طريق تضعهم بين خيارين: الاستقرار أو الاستقرار.. أيًّا تكن الصيغ والأشكال.

ثانيًا: أي أساس دستوري لإجراء الانتخابات؟
بالإضافة إلى الاختلاف حول إمكانية التوصل إلى نص دستوري مكتمل البناء من عدمه، وإمكانية الاتفاق على أساس دستوري يمكن من إجراء الانتخابات والانتقال إلى مرحلة مستقرة تمكِّن من إقرار دستوري نهائي، فإن طبيعة هذه الأساس الدستوري نفسه تبقى إشكالية، وقد تعددت آراء الليبيين حول هذه المسائل على النحو التالي:

ـ يعتبر عدد مهم من المشاركين أن الاستفتاء على مستوَّدة الدستور ضرورة بمعزل عن الموقف منها، وذلك أن من حق كل الليبيين إعطاء رأيهم بخصوص لجنة صياغة الدستور لكونها هيئة منتخبة حظيت بثقة شريحة مهمة من الليبيين رغم الصعوبات التي تخللت أعمالها والوعي بضرورات التوافق.

ـ يعتبر بعض المشاركين أن «لا بديل» عن مشروع الدستور الذي أعدته لجنة صياغة الدستور المنتخبة في الشعب الليبي، وأن أية آلية أو بديل أو تعديل للدستور القادم يجب أن يكون نابعًا من الشعب الليبي وبإرادته الحرة دون أي تدخل خارجي.

وفي نفس الاتجاه دعم بعض المجموعات المشاركة في المسار التشاوري للملتقى الوطني إلى الإسراع في إصدار قانون الاستفتاء على مشروع الدستور. في المقابل، يعتبر قسم آخر أن إجراء الاستفتاء في حد ذاته من شأنه أن يمثل تهديدًا للاستقرار والسلم الاجتماعيين.

فيما اعتبر جزء آخر من الليبيين أنه في حال تعذر التوافق على إجراء استفتاء على مشروع الدستور الحالي في وقت قريب فرنه يمكن العمل على إقرار أساس دستوري تعددت الآراء حول طبيعته على النحو التالي:

ـ العودة إلى دستور العام 1951 والمعدل في سنة ١٩٦٣ وتنظيم الانتخابات على أساسه إلى حين التوصل إلى شروط التوافق على الدستور.

ـ تنظيم الانتخابات على أساس الإعلان الدستوري لـ 2011 المعدل سنة ٢٠١٤.

ـ الاستفتاء على الفصول المتعلقة بتنظيم السلطات في مشروع الدستور الحالي بما يسمح بتنظيم انتخابات تؤدي إلى وضع دائم يسمح بحوار ليبي - ليبي حول الدستور.

اقرأ أيضا: «تشاوري» الملتقى الوطني: كيف رأى الليبيون الشروط الرئيسية للعدالة التصالحية (3 ـ 5)

«تشاوري» الملتقى الوطني: المصالحة مسار ليبي وطني سيادي (2 ـ 5 )

«تشاوري» الملتقى الوطني: توافق الليبيين على تجاوز الماضي والتطلع إلى المستقبل وبناء الدولة (1 ـ 5)

المزيد من بوابة الوسط