«تشاوري» الملتقى الوطني: المصالحة مسار ليبي وطني سيادي (2 ـ 5 )

أظهر تقرير المسار التشاوري للملتقى الوطني الليبي أن نقاشات المشاركين في جلسات الحوار تميزت بصراحة فائقة، وتقطع أشواطًا مهمة في الطريق إلى مصالحة شاملة وعميقة بين الليبيين.

وجاء في التقرير أنه «رغم ما يكتسيه موضوع المصالحة الوطنية من حساسية بالغة لأبعاده التاريخية والعاطفية المعقدة ولكونه ينطوي على جروح يميل الليبيون إلى تفادي الخوض فيها... إلا أن النقاش اتسم بصراحة مستفيضة عبّر فيها المشاركون عن مكامن خواطرهم دون أن يغفلوا ما يجمع الليبيين وما يوحدهم دينًا ودمًا وتاريخًا مشتركًا وعلاقات مصاهرة ممتدة في كل ربوع ليبيا».

وأضاف أنه «بهذا المعنى، فقد مثَّل النقاش حول المصالحة الوطنية فرصًا استثنائية لتأكيد وحدة المجتمع الليبي وترابط وشائجه فضلاً عن تطلعه لعدالة تصالحية تؤسس لكل الظروف الملائمة لمواطنة ليبية جامعة. وإذا كانت المصارحة أولى خطوات المصالحة، فقد سمحت نقاشات المشاركين التي تميزت بصراحة فائقة بقطع أشواط مهمة في الطريق إلى مصالحة شاملة وعميقة بين الليبيين».

يشار إلى أن اجتماعات المسار التشاوري للملتقى الوطني الليبي نظمها مركز الحوار الإنساني في الفترة من 5 أبريل إلى 11 يوليو الماضي، وشملت 77 جلسة في 43 بلدية في كل ربوع البلاد، وفي «مدن المهجر» التي تضم جاليات ليبية مهمة، كما شارك الليبيون في 1300 استبيان خاص بالمسار التشاوري، وما يقرب من 300 مشاركة مكتوبة عبر البريد الإلكتروني.

في الحاجة إلى المصالحة
واتفق المشاركون في المسار التشاوري للملتقي الوطني الليبي في كل المدن الليبية وفي الخارج على اعتبار المصالحة الوطنية ركنًا رئيسيًا في بناء الوطن واستقراره.، وسواء اعتبرها البعض واجبًا شرعيًا أو ضرورة سياسية، أو اعتبرها البعض الآخر مصلحة اجتماعية فضلاً عن كونها قيمة إنسانية، أو اعتبر آخرون بأن المصالحة هي خلاصة كل تلك الضرورات والقيم والمصالح، فإن الليبيين يجمعون على أن «ليبيا في حاجة لتحقيق المصالحة الوطنية والاستفادة من حركة التاريخ التي شرحت كيف قررت بعض المجتمعات طي صفحة الماضي من الظلم والاستبداد».

وهو ما يستوجب العمل الجاد من أجل تفعيل دور المصالحة الوطنية ودعمها بكل الإمكانات لإيجاد الحلول بين المدن الليبية وإنهاء الخلافات بينها. كما أن غاية هذه المصالحة هي «ترميم النسيج الاجتماعي الليبي في إطار الدولة الوطنية المدنية بما ينتج توافقًا وطنيًا ليبيًا على شكل الدولة والاستفادة من الموارد والثروات الوطنية، وإدارة مؤسسات الدولة بما يحقق الوحدة الاجتماعية والجغرافية.

وقال التقرير إن المصالحة من منظور المشاركين في المسار التشاوري تكتسي بعدًا نفسيًا قد يكون أكثر أهمية وأشد خطورة من كل التعويضات المادية عن الأضرار التي لحقت بالأفراد والعائلات والمدن في سياق الأزمة المتواصلة منذ 2011، ويتعلق الأمر هنا بـ«جبر الخواطر»، وفي جوهر جبر الخواطر يكون الاعتراف والإقرار بالخطأ في حق الأخوة في الدين والوطن والدم.

وتساءل قائلاً: «فأي خلاف سياسي أو فكري أو فئوي أو مناطقي برر انتهاك حرية الليبيين في دمهم وأملاكهم وأعراضهم؟ وأي بناء ممكن لدولة الليبيين ـ كل الليبيين ـ ومؤسساتها دون التهدئة ومباشرة المصالحة بطريقة جدية وعميقة؟ أليست حاجة الليبيين إلى المصالحة من حاجتهم لبناء وطنهم ودولتهم ومؤسساتهم؟»

كان إجماع قسم واسع من المشاركين في الملتقي الوطني واضحًا بخصوص شرط رئيس لأي مسار تصالحي ناجح، وطنية المصالحة وطابعها السيادي، وبهذا الخصوص، يؤكد المشاركون على أن المصالحة الحقيقية النابعة من ضمائر الليبيين وأفئدتهم، لابد لها أن تستكمل طريقها وتتوج في جو أخوي وعائلي ليبي، قوامه أن لا بديل للعيش المشترك إلا بالمزيد من التضامن والأخوة والصفح الجميل، ذلك أن الليبيين قادرون على إيجاد الحلول لأعقد المشاكل بشرط تفادي كل أشكال التدخل الخارجي بما في ذلك التدخلات التي قد تنطلق من أصدق النوايا.

نقاط توافقية
وبقدر أهمية أن تكون المصالحة وطنية، فقد تداول المشاركون في جملة من النقاط التي اعتبروها توافقية ومن شأنها أن تحقق توافقًا ليبيًا واسعًا:

ـ إن مسار المصالحة الوطنية يستمد قوته وشرعيته من تراث الآباء والأجداد والمشتركات التاريخية العميقة بين الليبيين التي كرست قيم التآخي واللحمة الاجتماعيين، بيد أنه «لا مصالحة اجتماعية وطنية دون مصالحة سياسية ولا مصالحة سياسية دون مصالحة اجتماعية».

ـ إن المصالحة بين أبناء ليبيا إنما تستمد طابعها الوطني من عدم إقصاء أي طرف أو تهميشه، وهو ما يعني إعلاء قيمة المواطنة والتعاطي معها بكل نزاهة وحمايتها من كل دوائر الاستغلال السياسي والفئوي.

ـ إن مسار المصالحة مسار وطني سيادي، وأن الليبيين هم الأقدر والأجدر بقيادته والإشراف عليه، وهو ما يعني «أن جلسات الحوار ليبية - ليبية، وإبعاد كل القوى الخارجية عن جلسات الحوار ولو بصفة مراقب».

ـ في حين يجمع المشاركون على أن الدعم الدولي لجهود المصالحة بإرادة إيجابية تدل على صدق أشقاء وأصدقاء ليبيا في دعم الاستقرار، فإنه لابد من تحييد المصالحة الوطنية عن كل التدخلات الخارجية الهادفة لتوتير الجو بين السياسيين وتوظيف طموحاتهم لخدمة أجندة خفية بما يحول دون التوصل إلى مصالحة حقيقية ذلك أن «أحد أهم ثوابت» المصالحة الوطنية يتمثل في «تجرية الاستقواء بالأجنبي في المستقبل والقبول بالإرادة العامة للمجتمع الليبي بعيدًا عن أزيز الرصاص والأعمال الدموية».

ـ في المقابل، أشارت بعض المجموعات إلى أن حاجة الليبيين إلى الاستفادة من التجارب الدولية في المصالحة قد تستدعي تشريك الأمم المتحدة في تسهيل هذا المسار والإشراف عليه.

اقرأ أيضا: «تشاوري» الملتقى الوطني: توافق الليبيين على تجاوز الماضي والتطلع إلى المستقبل وبناء الدولة (1 ـ 5)
 

المزيد من بوابة الوسط