«تشاوري» الملتقى الوطني: معايير توزيع الموارد الوطنية وصرف الموازنات (3 - 5)

خلص تقرير المسار التشاوري للملتقى الوطني إلى عدة معايير مقترحة في توزيع الموارد وصرف الموازنات، بيد أن التقرير قال إن «هذه المعايير ليست آحادية، أي أن اقتراح أحدها لا يلغي ولا يقلل من أهمية معيار آخر في توزيع الموارد».

وانقسم المشاركون في الحوارات التي نظمها مركز الحوار الإنساني حول تقسيم الموارد على أساس إداري أوجغرافي أو وفقًا للمساهمة في الدخل الوطني أوحسب الحاجات وأكدوا، في المقابل، ضرورة توزيع الموارد وصرف الميزانيات بعدالة وبشفافية يطمئن لها جميع الليبيين، ووفق معايير مؤسساتية وتوافقية.

يشار إلى أن اجتماعات المسار التشاوري للملتقى الوطني الليبي شملت 77 جلسة في 43 بلدية في كل ربوع البلاد، وفي «مدن المهجر» التي تضم جاليات ليبية مهمة، كما شارك الليبيون في 1300 استبيان خاص بالمسار التشاوري، وما يقرب من 300 مشاركة مكتوبة عبر البريد الإلكتروني.

وكان مركز الحوار الإنساني نظم في الفترة من 5 أبريل إلى 11 يوليو الماضي 77 اجتماعًا في 43 بلدية في الداخل وعدد من مدن المهجر، فضلًا عن مشاركة نحو 1300 استبيان، وما يقرب من 300 مشاركة مكتوبة عبر البريد الإلكتروني.

وفيما يأتي نص ما نشره التقرير عن معايير وعوامل توزيع الموارد الوطنية وصرف الموازنات:

* معايير توزيع الموارد:
- التوزيع على أساس إداري جغرافي ينطلق جزء مهم من المشاركين من مبدأ أن ليبيا هي تركيبية ولحمة لمجموعات اجتماعية أومحلية متماهية مع وحدات إدارية، وبالتالي يجب أن يكون توزيع الموارد على أساس المناطق الجغرافية ـ الإدارية ممثلة في الأقاليم التاريخية الثلاث (برقة وطرابلس وفزان) أوالوحدات الإدارية المستحدثة مثل المحافظات والبلديات.
ويشدد أصحاب هذا الاقتراح على مبدأ معاملة هذه الوحدات الإدارية على قدم المساواة وضرورة تعزيز استقلاليتها عن المركز.

- التوزيع وفقًا للمساهمة في الدخل الوطني: يرى بعض المشاركين أن بعض المناطق في ليبيا تحتضن ثروات طبيعية بدرجة أكبر من مناطق أخرى وهو ما قد يسوغ لها حقوقًا يجب أن تتناسب مع حجم مساهمتها في الناتج الوطني الإجمالي لاسيّما على ضوء ما يترتب عن استغلال الثروات الطبيعية من أضرار بيئية وصحية.

كما أن هذه النتائج السلبية لاستغلال الثروة الوطنية تستوجب جبرًا جماعيًا للضرر لفائدة السكان المحليين. وينطلق المدافعون عن هذا المعيار من حق المجتمعات المحلية في تنمية مناطقها والاستفادة من الثروات التي تزخر بها. وبقدر ما يتعلق الأمر بالثروة النفطية والغازية، فقد أشار بعض المشاركين إلى أن الموارد الطبيعية وخاصة غير المتجددة تشمل أيضًا المياه الجوفية والمعادن والثروات البحرية.

- التوزيع وفق الحاجات: يدافع بعض المشاركين عن فكرة توزيع الموارد وفق الحاجات الحقيقية والفعلية. إذ يرى أصحاب هذا التوجه أن هناك مناطق استفادت سابقًا من المجهود التنموي للدولة في حين بقيت مناطق أخرى على الهامش. وهو ما يؤهل هذه المناطق المهمشة للانتفاع بمجهود إضافي واستثنائي لتحقيق حد أدنى من التنمية وتحقيق المساواة الكاملة بين جميع المناطق.

ويستند بعض المشاركين في دفاعهم عن هذا المعيار إلى كون المناطق النائية وخاصة الحدودية والشاسعة منها تتطلب إنفاقًا أكبر في الإدارة والصيانة من مناطق صغيرة جغرافيًا وقريبة من الساحل.

وفي نفس الإطار أشار البعض إلى ضرورة إعادة إعمار المناطق والمدن التي شهدت مواجهات مسلحة أدت إلى دمارها، إذ تحتاج هذه المناطق لمجهود استثنائي للدولة لتأهيلها في أسرع وقت ممكن ما أن تأخر في ذلك من شأنه أن يؤدي إلى مفاقمة الظلم التي تعرضت له تلك المناطق بسبب الدمار والعنف.

- التوزيع وفق التعداد السكاني: يرى بعض المشاركين أن توزيع الموارد لا يجب أن يخضع بالكامل أو في الجزء الأكبر منه للعامل الجغرافي الإداري لأن الإنسان هو جوهر التنمية وهو ما يتطلب اعتبار المعيار السكاني الديمغرافي كمعيار رئيسي. وبقدر ما ينطلق المدافعون عن هذا العامل من مبدأ المساواة وعدم التمييز بين المواطنين فإنهم يختلفون في تحديد المعايير الديمغرافية التي سيتم اعتمادها:

ـ يطالب البعض باعتماد توزيع الموارد وفق آخر تعداد للسكان (سنة 2006).

ـ في المقابل يعتبر البعض الآخر أن هذا التعداد تم تجاوزه بحكم التغييرات التي طرأت على خريطة التوزع الجغرافي لعدد السكان. إذ شهدت الفترة التي تلت سنة ٢٠١١ حركية سكانية كبيرة تمثلت في تضخم سكاني في الغرب الليبي بسبب الجذب الاقتصادي أواستقرار النازحين داخليًا.

- التوزيع المباشر على المواطنين: يدعو قسم من المشاركين إلى توزيع الموارد والموازنات على المواطنين بطريقة مباشرة سواء من خلال الزيادة في الرواتب والرفع من قيمة علاوات العائلة أومن خلال استبدال سياسة الدعم السلعي بالدعم النقدي. ومن زاوية عملية، يدعو أصحاب هذا الرأي إلي الالتزام بالرقم الوطني في جميع المعاملات المالية بما يمكن من الحد من اختلاس الأموال وضياعها في دواليب البيروقراطية وتجنب التهريب وتحقيق وفرة مالية لدى المواطنين. وبقدر ما ستسمح هذه الوفرة بإنعاش الانفاق والاستهلاك وبالتالي تحريك عجلة الاقتصاد والتنمية، فإنه يمكن التفكير في آليات توزيعية غير نقدية على غرار خدمات التأمين الصحي والاجتماعي. إن مناصري الآلية التوزيعية المباشرة يعتبرون أنه يمكن للدولة أن تطور آليات بديلة لتضخم الميزانيات في أجسام رخوة وما قد يحمله ذلك من مخاطر الفساد والإهدار. وبرزت في هذا الإطار اقتراحات على غرار منح الدولة لامتيازات ضريبية وتسهيلات مثل استخدام أراض الدولة لتشجيع الاستثمار وتحفيز النمو عوض «صرف ميزانيات يتبخر جلها»

* أسس وضوابط توزيع الموارد وصرف الموازنات:
بالإضافة إلى معايير وعوامل توزيع الموارد وصرف الموازنات، يتفق المشاركون في اجتماعات الملتقى الوطني الليبي على أن توزيع الموارد العمومية وصرف الموازنات يجب أن يخضع إلى جملة من الضوابط والأسس بما يقلل من مخاطر تأثير أهواء المسؤولين وتغير الحكومات وتقلبات الظرفية السياسية، وإذا كان السعى لتحقيق العدالة هو روح المقترحات في هذا الباب، فقد حصل بعض الاختلاف في تجسيدها بين من يطالب أن يكون التوزيع وفق عدالة مساواة أوعدالة إنصاف أوعدالة تضامنية، ومن ضمن هذه الضوابط والأسس نذكر ما يلي:

- أن يتم توزيع الموارد وصرف الميزانيات بعدالة وبشفافية يطمئن لها جميع الليبيين. ويجدر التذكير بأن أغلب اجتماعات الملتقي الوطني سجل فيها التطرق لأغلب العوامل المذكورة أعلاه في التوزيع، ولدى غالبية المشاركين تبرز رغبة حقيقية في تجميع العوامل المذكورة في صيغة توفيقية واحدة تسجيب كل منها وفق نسب حسابية محددة.

- ضرورة أن تكون هذه العدالة مقننة ومؤسساتية وتوافقية. فبقدر أهمية تضمين العدالة كمبدأ في النص الدستوري فإن بلورة الإجراءات التطبيقية لتنزيل العدالة على مستوى توزيع الموادر يجدر أن تترك لما بعد الانتهاء من المرحلة الانتقالية، ويمكن أن يترك ذلك إما للمؤسسة التشريعية أوأن يفتح نقاشًا وطنيًا شاملًا يحقق ما يقتضيه هذا البعد من توافق واسع.

* في حين يتفق المشاركون على ضرورة تحديد نسب توزيع الموارد وصرف الميزانيات، فقد تعددت الآراء بخصوص طريقة تحديد النسب وذلك على النحو التالي:
ـ عبّـر البعض عن أهمية تحدي نسب توزيع الموارد بشكل يسمح بتوضيح المسؤوليات وتحديد الواجبات والحقوق. في المقابل يقترح البعض الآخر الاحتفاظ بمرونة في تحديد النسب بشكل سنوي بما يجعلها تتأقلم مع المعطيات الموضوعية المتغيرة على غرار الظرفية الاقتصادية الوطنية والدولية والتنقلات السكانية فضلًا عن الثروات الطبيعية المتأثر سلبًا أو إيجابًا بالتقديرات والاكتشافات الجديدة.

ـ يقترح البعض الآخر أن يخضع تحديد النسب لجهة فنية محايدة، وفي هذا الإطار أشار البعض إلى إمكانية تفعيل مجلس التخطيط الوطني الذي يتوفر على المعطيات والبيانات اللازمة من أجل ملاءمة العوامل المختلفة سابقة الذكر في توزيع الموارد. إذ يكتسي اعتماد المعطيات الموضوعية والعملية أهمية قصوى لزرع الثقة بين جميع مكونات الشعب الليبي من خلال تفادي المزايدات المجانبة للوقائع.

تشاوري الملتقى الوطني: النزاهة والكفاءة والجدارة شروط الوظيفة الحكومية (1 - 5)

«تشاوري» الملتقى الوطني: 10 أسباب تجعل النظام المركزي «مرفوضًا» (2 - 5)

 

المزيد من بوابة الوسط