جرس إنذار من «بروكنغز»: قطاع الصحة الليبي في حالة شبه انهيار

سلط معهد «بروكنغز» الضوء على تدني مستوى الخدمات الصحية في البلاد، مشيراً إلى أن سبع سنوات من الصراع في ليبيا تركت قطاع الصحة في حالة شبه انهيار.

وأشار المركز، في تقرير نشر الإثنين، إلى أن 75% من العاملين في قطاع الصحة لم يتلقوا أي تدريب في السنوات الثلاث الماضية، وأن نحو 80% من العاملين الأجانب الذين كانوا يشكلون نواة النظام قبل العام 2011 غادروا البلاد.

للاطلاع على العدد 160 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ونوه إلى عودة ظهور أمراض لم تشهدها ليبيا منذ عقود مثل الملاريا، منبهاً إلى أن ليبيا لا تجذب دعماً كبيراً من المانحين لقطاع الصحة.

وأضاف أن توظيف عاملين جدد بالقطاع هو أمر صعب، فضلاً عن أن أولئك الذي لا يزالون به يعملون في ظل ظروف بالغة الصعوبة، لافتاً إلى أن عسكرة المرافق الصحية والمساعدات الإنسانية أثرت على إمكانية الوصول وظروف العمل، إذ تعرض العاملون إلى تهديدات وصلت إلى حد التهديد بالأسلحة والضرب والخطف.

وتسببت أعمال النهب والقصف المدفعي وتدمير المرافق الطبية في نقص مزمن في الأدوية والمعدات الطبية، ونقص في عدد العاملين وزيادة في أسعار الأدوية.

وقال المعهد، وهو مؤسسة بحثية أميركية مقرها في واشنطن، في تقريره، إن اختصاصيي الصحة الليبيين يواجهون تحديات كما لم يفعل أسلافهم، إذ عادت للظهور أمراض لم تشهدها ليبيا منذ عقود مثل الملاريا، كما أن هناك مخاطر من عودة أمراض أخرى مثل شلل الأطفال، وإلى جانب هذا يشتبه في أن سلالات من السل المقاوم للأدوية الموجودة في المهاجرين إلى أوروبا تتكون في مراكز الاحتجاز في ليبيا.

اقرأ أيضًا: «صحة الوفاق» تطالب المستشفيات بعدم فتح أقسام لغسيل الكلي دون الرجوع إليها

وفي العام 2015، قالت منظمة الصحة العالمية إن 3.7% من كل الحالات الجديدة للدرن مقاومة للأدوية.

ورأى المعهد أن هناك حاجة كذلك لتوفير الخدمات الصحية النفسية، غير أنها محدودة، مضيفاً أن الصراع أدى كذلك إلى نزوح الليبيين داخلياً هرباً من العنف، فضلاً عن وجود نحو 670 ألف مهاجر من غرب أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط في البلد مما يثير تحديات هائلة تتعلق بحصول الأشخاص على الرعاية التي يحتاجون إليها.

مرافق الرعاية الصحية الأولية
ذكر تقرير معهد «بروكنغز» أن البنك الدولي أجرى بالتعاون مع وزارة الصحة الليبية استبياناً في مارس من العام الجاري في مرافق الرعاية الصحية الأولية شمل 1012 مريضاً في بنغازي وطرابلس بالتساوي، إلى جانب 510 من مقدمي الرعاية الصحية.

وبحسب التقرير فقط أظهر الاستبيان أن وجود المريض بالقرب من عيادة صحية لا يضمن الانتفاع منها، فثلث المرضى تقريباً لا يذهبون إلى العيادات القريبة من منزلهم، يرجع هذا في المقام الأول إلى نقص عدد الأطباء والممرضين، فضلاً عن الأدوية وازدحام العيادات بالمرضى.

وأظهر الاستبيان كذلك أن هناك تفاوتاً كبيراً في نوع الرعاية الصحية التي يتلقاها المرضى، فالعديد منهم لا يتذكرون إجراء فحص بدني لهم أو قياس أي من المؤشرات الحيوية عندما ترددوا على أحد مرافق الرعاية الصحية الأولية، غير أن 21% فقط منهم ذكروا أنه جرى قياس درجة حرارتهم، فيما أفاد 13% أنه جرى قياس نبضات القلب لديهم، وذكر 27% قياس ضغط الدم لديهم.

وبحسب الاستبيان فإن مقدمي الرعاية الصحية يعملون في وظيفة ثانية، إذ ذكر 74% ممن أُجريت معهم مقابلات في بنغازي أن لديهم وظيفة ثانية، مقارنة بـ32% في طرابلس. وأظهر أن 40% من إجمالي العاملين في المجال في المدينتين يعملون في منشآت طبية خاصة، في حين يعمل 14% في القطاع العام.

وكشف الاستبيان أن عدداً قليلاً من مقدمي الرعاية الصحية تلقوا تدريباً أثناء فترة عملهم، ففي كل من طرابلس وبنغازس لم يتلقَ 75% من العاملين في قطاع الصحة أي تدريب في السنوات الثلاث الماضية، وذكر 85% منهم أنهم يحتاجون إلى تدريب إضافي لمعالجة التحديات التي يواجهونها، إذ يفرض كل من تدفق المهاجرين والنازحين داخلياً والحاجة لخدمات جديدة مزيداً من المتطلبات على العاملين.

ومن بين النتائج التي توصل لها الاستبيان أن مقدمي الرعاية الصحية يعملون دون البنية التحتية والأدوية اللازمة، إذ يواجه العاملون في القطاع تحديات جسيمة في ظل نقص التدفئة المنتظمة وإمدادات المياه والكهرباء والسلامة في المنقطة المحيطة بالمرافق الصحية.

وذكر نحو ثلث مقدمي الرعاية الصحية في كل من بنغازي وطرابلس أن المشكلات الأمنية بالقرب من المرافق التي يعملون بها أثرت على قدرتهم على تقديم الرعاية الصحية لمحتاجيها، كما أفاد 75% بأن نقص الإمدادات الأساسية مثل الضمادات والحقن والأجهزة الطبية والمواد والإمدادات الإدارية، أثرت سلباً على قدرتهم على أداء وظائفهم.

ونبه تقرير معهد «بروكنغز» إلى إن ليبيا لا تجذب دعماً كبيراً من المانحين لقطاع الصحة، لافتاً إلى أنه في العام الماضي تلقى القطاع 16.7 مليون دولار، تمثل 11.2% من إجمالي ما حصلت عليه البلد من دعم الاستجابة الإنسانية البالغ 152.7 مليون دولار.

وحسب التقرير فإن المانحين الأربعة الرئيسيين هم الاتحاد الأوروبي بنسبة 29.4%، وألمانيا بنسبة 23.5%، وإيطاليا بنسبة 15.3%، والولايات المتحدة بنسبة 9.9%.

اقرأ أيضًا: صحة الوفاق: تحسن أوضاع المستشفيات العامة بداية من العام المقبل

وأشار التقرير إلى أنه على الرغم من تخصيص 46.2 مليون دولار لدعم خطة الاستجابة الإنسانية في ليبيا في العام الجاري، إلا أن البلد قد لا يحصل على المبلغ كله في ضوء حقيقة أن ليبيا لم تحصل سوى على 69% من الدعم المخصص لخطة الاستجابة الإنسانية في العام 2017.

فضلاً عن ذلك، فعلى الرغم من استثمار ليبيا ما يقرب من ثلاثة مليارات دينار ليبي (2.1 مليار دولار) على مدار خمس سنوات في قطاع الصحة، فإن القطاع لم يكن قادراً على تقديم الخدمات بسبب الصراع وافتقار القطاع للكفاءة المطلوبة.

وقال المعهد إن إحداث تغيير في قطاع الصحة يعتمد على ثلاثة عناصر، أولها إعادة استعراض الوضع في البلد، إذ تعاني ليبيا معضلة في ما يتعلق بتلقي المساعدات لقطاع الصحة، لأن الارتفاع النسبي للناتج القومي للفرد المقدر بنحو 8000 دولار في العام 2017، واحتياطات النقط الأجنبي البالغة 72.6 مليار دولار في نهاية العام الماضي يجعلان البلد غير مؤهلة للحصول على منحة من مؤسسة التنمية الدولية، رغم حالة الانهيار التي يعانيها قطاع الصحة.

وقال إنه يتحتم أن تؤخذ في الاعتبار المخاطر الصحية المحلية والإقليمية الناجمة عن تدهور قطاع الصحة في ليبيا، التي تواجه تدفقاً متزايداً من اللاجئين وعدداً كبيراً من النازحين داخلياً.

أما العنصر الثاني، فيقوم على استكشاف طريقة عمل مقدمي الرعاية الصحية في القطاع الخاص، إذ خلق الصراع فرصاً استغلها القطاع الخاص كما هو الحال في دواء الإنسولين لمرضى السكري على سبيل المثال، فقد أدى عجز السلطات الليبية عن توفير الإنسولين في تحرك القطاع الخاص لتوفيره، واضطر المرضى إلى اللجوء للقطاع الخاص للحصول على الدواء بسعر باهظ بدلاً عن أن توفره لهم السلطات بالمجان.

للاطلاع على العدد 160 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ولفت المعهد إلى أن آليات عمل القطاع الصحي الخاص لا تزال غير معروفة كلياً، وهذا هو الحال أيضاً بالنسبة للطريقة التي يتاجر بها السكان الليبيون ويبيعون الخدمات بين القطاعين العام والخاص.

أما العنصر الثالث لتطوير قطاع الصحة فيقوم على تحديد الطريقة التي يحصل عن طريقها النازحون داخلياً واللاجئون والمهاجرون على الخدمات الصحية، وفقاً للمعهد، الذي أشار إلى وجود 669176 مهاجراً في ليبيا، إضافة إلى 193527 نازحاً داخلياً، و382222 عائداً، وفقاً لإحصائية المنظمة الدولية للهجرة.

كلمات مفتاحية