صحف عربية: تقييم آثار ونتائج مؤتمر باليرمو

ركزت الصحف العربية، الصادرة اليوم الأحد، على نتائج مؤتمر باليرمو وتقييم آثاره ودلالات نجاحه، إلى جانب الذكرى الخامسة لمجزرة غرغور.

هل نجح باليرمو؟
نشرت جريدة «الأهرام» المصرية مقالة للكاتب عبد المحسن سلامة الذي استهلها بسؤال: هل نجح مؤتمر باليرمو الدولي الذى عقد برعاية الأمم المتحدة والحكومة الإيطالية في وضع الأزمة الليبية على أعتاب مرحلة حل الأزمة بعد كل هذه السنوات؟!

واعتبر أنه إذا كان المؤتمر قد نجح في تجميع الفرقاء الليبيين، وتأكيد الوفود المشاركة احترامهم الخطط الأممية الرامية إلى إيجاد حل للأزمة الليبية وخاصة اتفاق الصخيرات، وخطة المبعوث الأممي غسان سلامة، إلا أن كل هذه الجهود تظل خطوة تحتاج إلى استكمال في طريق طويل وممتد حتى يمكن الخروج من النفق المظلم.

وتابع أن الصراع على الثروة الليبية أدى إلى تزايد الضغوط الداخلية والخارجية لاستمرار هذا الوضع المأزوم لاستنزاف تلك الثروة لمصلحة أطراف دولية، وكذلك استمرار الحفاظ على المكاسب الطائلة لجنرالات الحرب من الجماعات المسلحة التي ثبت أن قادتها يحصلون على كم هائل وضخم من الأموال دون رقيب، والأخطر هو دور الجماعات الإرهابية التي تقاتل حتى النفس الأخير للحفاظ على وجودها في ليبيا باعتبار أنها آخر المعاقل التي يمكن أن تفر إليها بعد النجاحات التي تحققت في سورية والعراق، ولم يعد أمام تلك الجماعات الإرهابية سوى ليبيا للفرار إليها، على أمل إعادة تنظيم صفوفها والتقاط أنفاسها لتعود تضرب بقوة من جديد وتستعيد نفوذها المفقود في العديد من دول المنطقة.

ورأى أن الميزة الأساسية في الشعب الليبي أنه شعب مسالم، وليس به انقسامات حادة (طائفية أو عرقية) كما في سورية أو العراق مثلاً، لكن دخول الجماعات المتطرفة والمسلحة على الخط هو الذي يعرقل الآن فرص الحل السياسي، ويساند ذلك للأسف الشديد أطرافًا إقليمية ودولية تريد استمرار هذا الوضع المأساوي هناك.

ولابد أن تتجاوز إيطاليا وفرنسا خلافاتهما بشأن رؤية حل الأزمة الليبية بعد أن قطعتا شوطًا لا بأس به في هذا المجال، والتوافق على الرؤية المصرية بشأن توحيد الجيش الليبي ودعم مؤسسات الدولة الوطنية من أجل التمهيد لإجراء الاستحقاقات السياسية والدستورية المتوافقة مع اتفاق الصخيرات وخطة المبعوث الأممي غسان سلامة.

تقييم المؤتمر
ونشرت «الحياة» مقالة للكاتب محمد بدر الدين زايد حول مؤتمر باليرمو الذي اعتبر أن التقييم المتكامل للآثار التي نتجت منه ربما تحتاج إلى بعض الوقت، إلا أنه يمكن طرح عدد من الدلالات المهمة.

على أنه قبل ذلك، وكالمعتاد في تقييم أي مؤتمر أو اجتماع دولي علينا أن ننظر فيما أسفر عنه من مخرجات ونتائج ومن بينها البيان الصادر، والذي شمل ضرورة تحميل المؤسسات الشرعية مسؤولياتها من أجل إجراء انتخابات نزيهة وعادلة بأسرع وقت ممكن، مع ضمان توافر الشروط الفنية والتشريعية والسياسية والأمنية، والدعم من المجتمع الدولي، والتأكيد على اعتماد دستور من أجل تحقيق السيادة، والتأكيد على اتفاق الصخيرات، كما أشار البيان إلى عقد مؤتمر وطني جامع لكل الأطراف الليبية، وأن تعقد الانتخابات في ربيع العام المقبل 2019، ووفقًا لما سبق، فإن البيان كما وصفه كثير من المنابر الإعلامية غير واضح المعالم ولم يضف كثيرًا، ربما باستثناء الحديث عن مؤتمر وطني جامع، والذي لم يركز عليه اجتماع باريس منذ أشهر عدة، كما أن البيان أعاد التأكيد على أن الحل في الانتخابات كما جاء في اجتماع باريس، فقط مع نظرة أكثر واقعية بإعطاء مزيد من الوقت للتحضير، أخذًا في الاعتبار أن هذا الحل كان محل سخرية إيطالية، ولكنها لم تنجح في باليرمو من وضع خارطة طريق حاسمة لتحقيق هذا الهدف مثلها مثل باريس، كما واصل المؤتمر مسألة قيام مصر بمواصلة جهودها لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية.

السؤال إذن ما الجديد، وما المهم في دلالات هذا المؤتمر؟
في الواقع أن أهم دلالة سيكون لها انعكاسات كبيرة في المشهد الدولي المحيط بليبيا، هي تكريس مكانة المشير خليفة حفتر دوليًا وإقليميًا، فالواضح أنه لقي المعاملة الأكثر تميزًا من بين القادة الليبيين، وبصرف النظر عن وزن الأقاويل بأنه لم يشارك في باليرمو إلا بناء على وساطة مصرية وروسية –وهو أمر تبدو احتمالاته أكبر- رغم حرص كونتي على نفيها، والتأكيد على أنه حضر بناء على وعد شخصي من حفتر لكونتي شخصيًا، ولكن حفتر حضر بشروطه مؤكدًا موقف ورسالة محددة ليس فقط ضد التيارات الإسلامية المتشددة التي قال إنها شاركت في المؤتمر، بل الأهم ضد الدول التي تدعم هذا التيار المتطرف وتحديدًا تركيا وقطر، اللتين لم يكن غيابهما عن الاجتماع المصغر الأهم في باليرمو إلا رسالة محددة لا يمكن تجاهلها، والأرجح أن هذا لم يكن موقف حفتر وحده، بل أيضًا أطراف إقليمية أخرى معروف موقفها بهذا الصدد، وسنعود للبعد الخاص بتركيا، وإنما نؤكد فقط أن حفتر خرج أكثر حضورًا، وتتسارع الأطراف الغربية على مقابلته، وقبول مشاركته بشروطه، بل ويكون هم كونتي التأكيد على أن حفتر يدعم الانتخابات، وتبرز وسائل الإعلام بسعادة أنه يقبل باستمرار السراج حتى الانتخابات في إشارة واضحة للدور الذي يلعبه والاتجاه الذي يمثله وهو الأهم، و لم يكتف حفتر بذلك، بل حرص على التأكيد على أن منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة مرتبط بالرئيس المقبل المنتخب، وليس بأي منصب موقت. وقال إن دمج الميليشيات المتطرفة في الجيش غير مطروح.

أما تركيا فقد خرجت غاضبة من المؤتمر بسبب عدم دعوتها للاجتماع سابق الذكر، وانسحابها علق عليه رئيس الوزراء الإيطالي كونتي بأنه لم يغير الأجواء الإيجابية للمؤتمر رغم أنه مصدر للأسف، أي بعبارة أخرى يضيف صفعة أخرى لتركيا، ولتهدد تركيا بأن أي تسوية غير ممكنة من غيرها، في اعتراف آخر بمسؤولياتها عن تدهور الأمور في ليبيا من خلال دعم التنظيمات الإرهابية الحليفة مع كل تشكيلات الإسلام السياسي، وإذا اتسع نطاق العمليات العسكرية التي بدأتها الميليشيات في طرابلس الخميس الماضي فإن هذا سيعني مزيدًا من التأكيد التركي لطبيعة دورها في ليبيا، وسيكون من الواضح أنها، أي تركيا، لا تقرأ التحولات الجارية في المشهد الليبي، فالقبول الدولي المتزايد بحفتر، هو تراجع ضمني عن تقديم الغطاء لتركيا وقطر وحلفائها الليبيين، وأظن أن مفتاح فهم هذا من تفسير تحولات الموقف الإيطالي بشكل أساسي.

وتبقى الأسئلة الأهم بالنسبة إلى مستقبل الشعب الليبي ذاته ومدى إمكانية خروجه من هذه الأزمة المعقدة. الواضح أن الأمور ما زالت صعبة، لأن السؤال سيظل قائمًا حول كيفية الإشراف على الانتخابات وحمايتها من اعتداءات وتجاوزات الميليشيات، وكيفية التعامل مع هذه الميليشيات بعد هزيمتها الأكثر توقعًا في الانتخابات المقبلة أو بمعنى آخر هزيمة التيارات السياسية التي تعتمد على هذه الميليشيات؟ أسئلة صعبة لكنها ليست مستحيلة إذا اكتملت تحولات الأطراف الفاعلة في الاتجاه الصحيح التي ربما كان مؤتمر باليرموا أحد إرهاصاتها.

ذكرى «غرغور»
إلى ذلك ركزت «الشرق الأوسط» على «المجازر وجرائم الحرب»، التي ارتكبتها ميليشيات مسلحة في عموم البلاد، وتركت جرحًا عميقًا في نفوس ذوي المغدور بهم، جعلهم يحيون ذكراها السنوية كل عام، في طقس بات ينافس الاحتفال بالمناسبات الاجتماعية في بعض الأحيان.

وهنا ركزت على جريمة «غرغور» التي مرت ذكراها الخامسة، أول من أمس، في مقدمة هذه «المجازر»، لما شهدته من أحداث دموية، سقط فيها 55 قتيلاً و519 جريحًا في المنطقة القريبة من العاصمة طرابلس، عقب خروج عشرات المواطنين من صلاة الجمعة، وسط مطالبات متواصلة بـ«التحقيق في هذه الجريمة، وما تلاها».

وقال عضو مجلس النواب، سعيد إمغيب، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، «سيأتي يوم ويجري فيه التحقيق في مجازر (غرغور) و(براك الشاطئ)، وغيرها من العمليات التي سقط فيها مئات الليبيين». ولم تمنع مرور السنوات أهالي طرابلس العاصمة من إحياء ذكرى مقتل العشرات في غرغور، على أيدي الميليشيات المسلحة، ومطالبتهم «بتعقب الجناة وتقديمهم لمحاكمة عادلة، والقصاص منهم».

وقد تشكّل «تجمع أسر وشهداء ضحايا غرغور» للمطالبة بـ«حقوق المغدورين»، وملاحقة المتهمين قضائيًا. وبهذا الخصوص شدد محيي السعداوي، أحد سكان طرابلس، على أنهم لن يكفوا عن ضرورة إخضاع المجرمين للعقاب الشديد، مشيرًا إلى أنهم «يطالبون المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني بفتح التحقيق مجددًا في المجزرة». واستنكرت «الحركة الوطنية الشعبية الليبية» ما سمته «صمت السلطات المختصة على هذه الجريمة، وغيرها من جرائم القتل والخطف والتعذيب، التي ارتكبتها الميليشيات المسلحة على مرأى ومسمع من جميع المسؤولين».

وقال الناطق باسم الحركة، ناصر سعيد، في بيان أول من أمس: «رغم مرور خمس سنوات على هذه الجريمة النكراء، ما زال المجرمون طلقاء، ويتصدرون المشهد»، مشيرًا إلى أن «الجريمة مسجلة وموثقة، ومعظم مطلقي النار معروفون بالأسماء، الأمر الذي شجع الميليشيات نفسها، وغيرها، على ارتكاب مجازر أخرى بحق المدنيين العزّل في القرة بوللي، وبراك الشاطئ، والرويمي التي راح ضحيتها هي الأخرى عشرات القتلى ومئات الجرحى».

ووقعت أحداث «غرغور» عقب خروج المصلين من مسجد بوسط طرابلس، والتوجه إلى غرغور العام 2013 للمطالبة بإخلاء العاصمة من جميع التشكيلات المسلحة، لكنهم تعرضوا لسيل من الرصاص، سقط على أثره عشرات القتلى والجرحى غرقى في دمائهم.
وتتكرر أجواء الحزن خلال حلول ذكرى «غرغور» عندما يأتي موعد الهجوم الذي شنته «القوة الثالثة» وكتائب مساندة لها، على قاعدة براك الشاطئ الجوية، التابعة للجيش الوطني (جنوب غرب)، وهي الجريمة التي أوقعت أكثر من 74 جنديًا من «اللواء 12»، وجرح 18 آخرون، ووصفها مارتن كوبلر المبعوث الأممي السابق لدى ليبيا، بأنها «جريمة حرب ضد المدنيين يمكن ملاحقة مرتكبيها أمام المحكمة الجنائية الدولية».

لكن رغم كثرة الجرائم التي شهدتها ليبيا خلال السنوات الماضية، فإن إمغيب، النائب عن مدينة الكفرة (جنوب شرق)، أكد لـ«الشرق الأوسط» أن مثل هذه الجرائم «لا تسقط بالتقادم، وبمجرد قيام الدولة سيعاقب كل الجناة على أفعالهم الإجرامية بحق الوطن والمواطن»، مشيرًا إلى أنه يفترض على الدولة أن تعوض ولاة الدم.

ووقعت «أحداث الرويمي» منتصف شهر يونيو 2016، عقب الإفراج عن 19 شخصًا من سجن الرويمي في عين زارة، إحدى ضواحي طرابلس. وبعد ساعات من مغادرتهم السجن برفقة ذويهم عثر على 12 منهم قتلى، وطالب المبعوث الأممي السابق لدى ليبيا مارتن كوبلر بالتحقيق الفوري والشفاف من قبل السلطات في ظروف مقتل المحتجزين، الذين أطلقوا، وقال حينها إنه مصدوم ومستاء جدًا.

المزيد من بوابة الوسط