حوار.. صنع الله لـ«الوسط»: ملايين دعم المحروقات تساهم في إفشال العملية السياسية

رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مصطفى صنع الله. (الإنترنت)

تمثل المؤسسة الوطنية للنفط الرقم الرئيسي في معادلة الاقتصاد الليبي، فهي حامل مفاتيح ثروة ليبيا من النفط والغاز، والعقل المدبر لإنتاج بلغ نحو 1.25 مليون برميل يومياً.

رئيس المؤسسة، المهندس مصطفى صنع الله يقول إن ثروة البلاد النفطية يجب ألا تخضع لأجندات ومصالح سياسية ضيقة، ويحذر في الوقت نفسه من أن انقسام المؤسسة يعني انقسام البلاد.
وفي حوار شامل إلى «الوسط»، نبه صنع الله إلى أن ملايين دعم المحروقات تساهم في إفشال العملية السياسية، مشيراً إلى أن حل مشكلة تهريب الوقود يجب أن يكون اقتصادياً وأمنياً متكاملاً... وكان هذا نص الحوار:

● غالباً ما تقوم الصراعات الأهلية في مناطق النزاع على الثروات ومن بينها النفط.. هل تعتقدون أن قطاع النفط والغاز يمكن أن يلعب دوراً إيجابياً بين أطراف الصراع القائم في ليبيا.. وكيف؟
- من مصلحة الليبيين جميعاً أن يبقى قطاع النفط محمياً وبعيداً عن كل التجاذبات السياسية وأي نوع من أنواع التدخل، ومن الضروري جداً تحييد وحماية قطاع النفط من التدخلات والمساومات والمحاصصات السياسية والجهوية.

إن اقتصاد ليبيا يعتمد حالياً بشكل كلي على إنتاج النفط والغاز وتصديرهما، والجميع يعلم أن ثروة ليبيا من النفط والغاز هي أهم أسباب الصراع، في حين أنه يمكنها، بل وينبغي أن تكون عاملاً يدفع بنا نحو السلم والمصالحة.

إن ثروة ليبيا من النفط والغاز هي هبة من الله، وعلينا نحن الليبيين الاستفادة من هذه الهبة لبناء مستقبل مشرق لنا ولأولادنا.

● لكن الملاحظ أن المؤسسة الوطنية للنفط حافظت على وحدتها وسط انقسام طال معظم مؤسسات الدولة؟
نعم، ويجب أن تبقى المؤسسة موحدة لأنها إن انقسمت تنقسم معها البلاد. إن نجاح المؤسسة وتمكنها من البقاء صامدة وموحدة رغم كل التحديات ومحاولات التقسيم، لم يحمِ الاقتصاد الليبي من الانهيار فحسب، بل شكل قدوة لجميع المؤسسات الليبية، فعلى الرغم من التنوع الكبير في المؤسسة، نعمل جميعاً كيدٍ واحدة لخدمة مصلحة الوطن.

● كيف يمكن أن تنأى المؤسسة الوطنية للنفط بنفسها عن النزاعات السياسية؟
- إبعاد المؤسسة الوطنية للنفط عن النزاعات السياسية أمر مهم وأساسي لمستقبل القطاع ومستقبل ليبيا ككل. وقد أكدت مراراً وتكراراً أن استعمال السياسيين للنفط الليبي كأداة لن يعود بأي فائدة على الشعب الليبي. ولذا يجب ألا يخضع النفط الليبي لأي أجندات أو محاصصات سياسية أو جهوية. إن التكنوقراطيين في ليبيا لن يستفيدوا من إقحام الطامحين والطفيليين والفاسدين في القطاع، حيث إنه لن يكون بمقدرة ذوي الخبرة الضئيلة، أو الذين يخدمون أجندات متضاربة المصالح، تقديم أية إضافات إلى معاييرنا أو إلى الاستراتيجية طويلة المدى التي نتبعها. ولهذا يجب إبقاء قطاع النفط بعيداً عن السياسة.

● وهل لهذا علاقة بالتوزيع العادل لعائداته؟
- أدعو منذ وقت طويل وأجدد دعوتي إلى مزيد  من الشفافية، فعديد المناطق تشكو حرمانها من حصتها من العائدات التي تحققها المؤسسة الوطنية للنفط. في حين تقول الجهات المشرفة على توزيع تلك العائدات إن عملية التوزيع تتم بشكل عادل ووفقاً للقوانين النافذة، لكن لا يمكن لكلا الطرفين إثبات صحة ما يدعيانه، وسيتواصل هذا الصراع طالما استمر هذا الوضع على حاله. إن كل ما نقوم به في المؤسسة الوطنية للنفط يرتكز على مبدأ الشفافية.

وبالطبع، يتعين علينا في بعض الأحيان الحفاظ على سرية المعلومات في المعاملات التجارية، وذلك من أجل تجنب منح أفضلية للشركات الدولية التي نتفاوض معها. ولكننا نقوم بنشر جميع البيانات المتعلقة بالإيرادات على موقعنا الإلكتروني«noc.ly» ، إذ يمكن لجميع الليبيين الاطلاع على المبالغ التي تسلمها المؤسسة الوطنية للنفط إلى المصرف الليبي الخارجي ومنه إلى المصرف المركزي.

● كيف يمكن للأطراف الأخرى التركيز على الشفافية؟
- لا يكفي أن تقوم مجموعة من الأشخاص ذوي النفوذ بالاجتماع للتباحث والاتفاق حول تقاسم الموارد أو التحكم فيها، بل يتعين على جميع الأطراف الالتزام بمبدأ الشفافية فيما يخص مداخيلهم ومصاريفهم، حتى يتسنى للشعب الليبي اتخاذ قراره وإيجاد تسوية عادلة بدلاً من أن يقوم بذلك هؤلاء الأشخاص في الخفاء، دون أية رقابة عامة.

● هل انتهت الآثار السلبية لسنوات إغلاق الموانئ والتوقف القهري عن إنتاج وتصدير النفط الليبي؟
- لا توجد أي عمليات إغلاق في هذه اللحظة، ولكن الخطر لم ينتهِ، حيث إن لهذه الإغلاقات آثار كبيرة وطويلة المدى على العمليات وعلى الاقتصاد. تشكل عمليات الإغلاق عائقاً أمام مستقبل بلادنا على المدى الطويل. من الواضح أننا نحتاج إلى تبني سياسة عدم التسامح إطلاقاً ضد كل من يتسبب في خسارة الشعب الليبي لمئات الملايين أو مليارات الدولارات من عائدات إنتاج النفط، لا لشيء سوى لتحقيق مصالح جماعات معينة. وفي المقابل، إننا بحاجة إلى تفهم حالة الإحباط التي يشعر بها أولئك الذين يرون النفط يتدفق كل يوم عبر مناطقهم، دون أن يعود عليهم ذلك بالنفع.

● ما آخر معدل لإنتاج النفط الليبي؟
- ننتج نحو 1.25 مليون برميل يومياً، ونحقق عائدات قياسية منذ العام 2013.

● وهل ترى إمكانية زيادة معدلات التصدير قريباً؟
- نسعى إلى زيادة الإنتاج، ولكننا بحاجة لعدة أمور لتحقيق هذا، وأهمها استقرار الوضع الأمني والاستثمار بالبنية التحتية النفطية.

● ما الآثار السلبية لاستمرار عمليات تهريب الوقود من ليبيا؟
- للأسف لا يوجد حل سهل لهذه الآفة التي أرهقت الشعب الليبي، فالحل يجب أن يكون اقتصادياً وأمنياً متكاملاً. المؤسسة وشركة البريقة لتسويق النفط والغاز هما جزء من هذا الحل المتكامل، ولكن لن يمكننا القضاء على الظاهرة من دون تعاون جميع الجهات المعنية.

● تختلف الآراء بشأن دور الدعم في تشجيع عمليات تهريب الوقود.. ما تعليقك؟
- لأنني لست سياسياً، لا يمكنني أن أجزم ما إذا كان دعم الدولة الليبية لبعض السلع أمراً جيداً أم لا. ولكن إذا كان الهدف من نظام الدعم هذا هو التحسين من مستوى معيشة الطبقات المهمشة ، فإنه من الواضح جداً أن هذه السياسة قد فشلت. فقد انتشرت ظاهرة تهريب الوقود بشكل كبير، الأمر الذي جعل محطات التعبئة الشرعية غير قادرة على تأمين الإمدادات، وهو ما تسبب في وجود عجز وتضخم الأسعار بشكل كبير لدى البائعين غير الشرعيين. والملايين التي نخسرها جراء نظام الدعم هذا تساهم في تعزيز عمل المجرمين الذين يسعون إلى إفشال العملية السياسية من أجل ضمان استمرار أعمالهم المربحة في دولة تنعدم فيها سيادة القانون. وبالتالي، فإن نظام الدعم ليس فقط مسألة اقتصادية أو مالية أو اجتماعية، بل هو كذلك مسألة سياسية وأمنية في بالغ الأهمية.

● وما دور المؤسسة في مكافحة ذلك؟
تقوم المؤسسة بعدة خطوات لمحاربة التهريب، بداية من لجان المتابعة السرية التي تقوم بتقصي الحقائق والعمل مع مكتب النائب العام لملاحقة المجرمين. أيضاً قمنا بوضع محاربة التهريب ضمن أهم أولويات شركة البريقة لتسويق النفط، إلى جانب توزيع المحروقات وإيصالها إلى الشعب الليبي في كافة أرجاء البلاد، كما تقوم شركة البريقة بتطبيق خطوات قصيرة وطويلة المدى لمحاربة الآفة، بدءاً من بروتوكلات العمل مع شركات التوزيع الأربع التي لا تتبع المؤسسة، وتطبيق منظومات وتقنيات حديثة لمراقبة عمليات التوزيع وغيرها.

● هل ترون أن الأسباب التي أدت إلى قيام البعض بغلق الحقول النفطية لازالت قائمة؟
- لا يوجد مبرر إطلاقاً لغلق أي منشأة نفطية مهما كانت الأسباب. من حق المجتمعات المحلية مطالبة الحكومة بتحسين أوضاعهم وأضم صوتي لصوتهم، ونحاول دوماً بالمؤسسة أن تقديم المساعدة ضمن الإمكانات المتاحة. ولكن الإغلاقات لا تفيد أحداً على الإطلاق، بل إنها تؤدي إلى اضطراب الاقتصاد وتؤخر من عملية إنعاش البلد، وبالتالي تقف ضد المساعي الرامية إلى تحسين الأحوال المعيشية.

* أخيراً.. ما تصورك لتحقيق نوع من التنمية المكانية في المناطق المحيطة بمواقع إنتاج النفط؟
- المؤسسة الوطنية للنفط تضع التنمية المستدامة ضمن قائمة أولوياتها، وهي تسعى دوماً، بشكل منفرد أو من خلال العمل مع شركائها، إلى تحقيق المشاريع التنموية. لقد تسببت الأوضاع الأمنية في تأخر بعض هذه المشاريع ولكن معظمها ما زال قائماً. وهناك كثير من المشاريع التي سنعلنها في المرحلة المقبلة.

للاطلاع على العدد 156 من جريدة «الوسط» اضغط هنا