كم سحبت مؤسسة الاستثمار من «يورو كلير»؟ وفيم أنفقت الفوائد والأرباح ؟

مازالت تداعيات قضية الأموال الليبية المجمدة في بلجيكا تثير مزيدا من الأسئلة رغم اقرار مؤسسة الاستثمار الليبية أخيرا باستلام الفوائد والأرباح المترتبه عنها منذ سبتمبر 2011 وحتى أكتوبر 2017.

هل ينطبق الحظر والتجميد على فوائد تلك الأموال أم لا؟ ولماذا اختلف تأويل الدول لأحكام قرارات مجلس الأمن بهذا الخصوص؟ وهل أبلغت لجنة العقوبات حتى توافق على هذه الطلبات؟ وقبلها، كم تبلغ قيمة الأموال المسحوبة من مصرف يوروكلير؟ وما هي المجالات التي أنفقت فيها ؟

صحيح أن بيان المؤسسة الصادر يوم الأحد الماضي أكد أن «الأصول المالية المجمدة محاطة بأقصى درجات الرعاية والأمان»، إلا أن هذا الرد تأخر كثيرا ، فالقضية أثارتها «الوسط» في20 مارس الماضي، عندما كشف سفير ليبيا السابق لدى الاتحاد الأوروبي وبلجيكا ولوكسمبرغ مراد محمد حميمة عن سحب 300 مليون يورو من الأرصدة الليبية المجمدة في بلجيكا في الفترة من 30 يونيو 2012 وحتى نهاية ديسمبر من العام نفسه.

ثم تجددت القضية حين كشفت مجلة «لوفيف لكسبرس» البلجيكية، عن زيارة وفد يمثل مجلس الأمن الدولي بلجيكا في مايو الماضي، وباشر تحقيقا رسميا لمعرفة مصير الأموال الليبية المجمدة في البلاد، منذ العام 2011، لتتفاعل القضية في الداخل البلجيكي وتصل إلى حد تخصيص جلسة في البرلمان يعترف فيها وزير الخزانة البلجيكي جوهان فان اوفرتفيلدت، بأن سلفه ستيفن فاناكير أجاز تحرير فوائد الأموال الليبية المجمدة.

الاستثمار ترد ولا تفصح
ومع ذلك لم يوضح بيان المؤسسة كم تبلغ قيمة تلك الأموال التي استلمتها من بنك يورو كلير كفوائد وأرباح؟ ليس هذا وحسب، بل قالت إن استلام تلك الأموال كان في تاريخ سابق على تعيين مجلس الإدارة الجديد، أي قبل أكتوبر 2017. وبالتالي لم تذكر المؤسسة المجالات التي أنفقت فيها تلك الأموال كما ينص قرار مجلس الأمن 2009 بهذا الخصوص.

وهو الأمر الذي يفسر ما جاء في بيان المؤسسة من أن مجلس إدارتها « يقوم حاليا بما يلزم من إجراءات للتحقيق في مصير الأموال السابق تحويلها إلي حساباتها بمصرف يوروكلير ...، وسوف تحيل تقريرا بالخصوص إلى الأمم المتحدة والسلطات ذات العلاقة». وبعبارة موجزة، فإن الأسئلة المثارة ظلت بلا إجابة عنها، أي أن الأمر مازال في حاجة إلى تحقيق وتدقيق.

الرئيس السابق لمؤسسة الاستثمار محسن دريجة، من جانبه أكد أن «فوائد وعوائد المؤسسة أصبحت حرة منذ إعلان التحرير العام 2011»، وفصل أكثر قائلا: «620 مليون دولار من الأرباح والعوائد دخلت حسابات المؤسسة والمحفظة طويلة المدى في العام 2012»، مشيرا إلى «تسليم هذا المبلغ بمحضر تسليم واستلام رسمي للإدارة التالية».

وأضاف «أن هناك أرباحًا وعوائد أخرى تتعدى ثلاثة مليارات دولار ذهبت لحسابات المؤسسة والمحفظة بين العامين 2013 و2017»، ثم قال إن «ما يشغل العالم هل هذه الأموال لاتزال موجودة أم تم التصرف فيها، كما تصرفت محفظة ليبيا أفريقيا في أكثر من 300 مليون دولار العام 2013؟».

لكن مؤسسة الاستثمار نفت «وجود أي حالة من حالات سوء التصرف في أموال المؤسسة المودعة في حسابات مصرفية في بلجيكا، مشيرة إلى أن «الأصول المالية المجمدة محاطة بأقصى درجات الرعاية والأمان».

وهو المعنى نفسه الذي أكده السبت، مصدر مالي مسؤول في تصريحات إلى «الوسط»، عندما قال إن «فوائد الأموال الليبية المجمدة في بلجيكا موجودة في حسابات المؤسسة ولم يتم التصرف فيها ... وفي حالة التصرف فيها فمن السهولة رصد هذه السحوبات ومعرفة مصدر التحويلات وقانونيتها».

وأوضح المصدر أن تلك الأرباح «جرى سحبها من حسابات بنك «يورو كلير» إلى حسابات المؤسسة الليبية للاستثمار»، معتبرًا أن هذا الإجراء لا يخالف قرار لجنة العقوبات بالأمم المتحدة»، وقال إن الإشكالية الحالية لا دخل لإدارة المؤسسة الليبية للاستثمار بها، وأن المؤسسة ليست طرفًا فيها باعتبار أن الحكومة البلجيكية هي من اتخذت القرار.

إذن ، ما الذي تنص عليه قرارات مجلس الأمن الدولي بخصوص تجميد الأموال الليبية، وما مدى صحة خضوع الفوائد والأرباح الناتجة عنها للحظر من عدمه، ولماذا تتباين تفسيرات الدول بهذا الخصوص؟

قرار رقم 1970 لسنة 2011
اتخذ مجلس الأمن هذا القرار في جلسته المنعقدة في 26 فبراير 2011، وجاء فيه بشأن تجميد الأصول في الفقرات 17 و19 ، و20، و21 ما يفيد بأن «تقوم جميع الدول الأعضاء دون إبطاء بتجميد جميع الأموال والأصول المالية والموارد الاقتصادية الأخرى الموجودة في أراضيها، والتي يملكها أو يتحكم فيها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، الكيانات أو الأفراد المذكورون في المرفق الثاني لهذا القرار أو الذين تحددهم اللجنة المنشأة عملاً بالفقرة 24»، ومن بين هذه الكيانات بالطبع المؤسسة الليبية للاستثمار.

لكن «الفقرة 19» من القرار وضعت استثناءات لهذا التجميد بشرط قيام الدولة المعنية بإخطار لجنة العقوبات الأممية بنيتها استخدام هذه الأموال أو الأصول المالية، وأن تقرر الدول الأعضاء أنها «ضرورية لتغطية النفقات الأساسية ...(حددت أمثلة على ذلك» أو لتغطية «النفقات الاستثنائية...»، مشترطة إخطار اللجنة والحصول على موافقتها.

قرار رقم 1973 لسنة 2011
وجاء في هذا القرار الذي صدر في جلسة مجلس الأمن يوم 17 مارس 2011، ثلاث فقرات تتعلق بتجميد الأصول الليبية في الخارج، هي 19 و20 و21 ، وهي تتضمن ما ورد بقرار المجلس السابق بشأن التجميد وضوابطه، إلا أنها جاءت بجديد تؤكد عليه، من ذلك:

ـ تفيد «الفقرة 19» بأن المجلس يقرر أن تكفل جميع الدول عدم إتاحة أي أموال أو أصول مالية أو موارد اقتصادية للسلطات الليبية أو لفائدتها، سواء بواسطة رعايا تلك الدول أو أي أفراد أو كيانات داخل أراضيها، وأشارت الفقرة إلى أنه «يوعز إلى اللجنة بأن تحدد تلك السلطات الليبية أو الأفراد أو الكيانات في غضون 30 يومًا من تاريخ اتخاذ القرار أو ما تراه مناسبًا بعد ذلك».

ـ وفي «الفقرة 20»، يؤكد المجلس «تصميمه على كفالة إتاحة الأصول التي يتم تجميدها عملاً بالفقرة 17 من القرار 1970 لسنة 2011 لشعب الجماهيرية العربية الليبية ولصالحهم في مرحلة لاحقة وفي أسرع وقت ممكن» (الفقرة 20).

ـ وفي «الفقرة 21»، يقرر المجلس أن «تطالب جميع الدول مواطنيها والأشخاص الخاضعين لولايتها والشركات المنشأة على أراضيها وأو الخاضعة لولايتها بممارسة اليقظة عند إجرائها معاملات مع الكيانات المنشأة ...(في ليبيا) لولايتها، وأي أفراد أو كيانات تعمل باسمها أو بتوجيه منها، والكيانات التي تملكها أو تسيطر عليها، إذا كان لدى الدول معلومات توفر أساسًا معقولاً للاعتقاد بأن تلك المعاملات يمكن أن تسهم في أعمال عنف وفي استخدام القوة ضد المدنيين».

وعليه فإنه بموجب قراري مجلس الأمن رقم 1970 ورقم 1973 فإن تجميد الأصول الليبية في الخارج كامل ويسري على حسابات الكيانات والأشخاص.

قرار رقم 2009 لسنة 2011
لكن في جلسة مجلس الأمن يوم 16 سبتمبر 2011، استثنى القرار 2009 في «الفقرة 14»، مؤسسة النفط الوطنية الليبية وشركة زويتينة للنفط من تجميد الأصول والتدابير الأخرى المفروضة في قراري المجلس رقم 1970 ورقم 1973.

كما قرر المجلس تعديل التدابير المفروضة في قراريه السابقين (في فبراير ومارس 2011) فيما يتعلق بمصرف ليبيا المركزي والمصرف العربي الليبي الخارجي والمؤسسة الليبية للاستثمار، ومحفظة الاستثمارات الأفريقية الليبية، (حدد ذلك الاستثناء نصًا في الفقرة 15 والبندين أ وب).
غير أن شروط تطبيق هذا التعديل المهم نصت عليه «الفقرة 16»، التي تقول «بعدم سريان التدابير المفروضة على الأموال أو الأصول المالية أو الموارد الاقتصادية الِأخرى ...»، وذلك شريطة ما يأتي:

(أ‌) أن تقدم الدولة المعنية إخطارًا إلى لجنة العقوبات الأممية بعزمها الإذن بالحصول على أموال أو أصول مالية أو موارد اقتصادية أخرى، لغرض أو أكثر من الأغراض الآتية:
1ـ الاحتياجات الإنسانية.
2 ـ الوقود والكهرباء والمياه لاستخدامها في الأغراض المدنية حصرًا.
3ـ استئناف ليبيا لإنتاج المواد الهيدروكربونية وبيعها.
4 ـ إنشاء مؤسسات حكومية مدنية أو هياكل عامة مدنية أو تشغيلها أو تعزيزها.
5ـ تسهيل استئناف عمليات القطاع المصرفي، بما في ذلك دعم التجارة الدولية مع ليبيا أو تيسيرها.
(ب‌) أن تخطر دولة عضو اللجنة بأن تلك الأموال أو الأصول أو الموارد الاقتصادية الأخرى غير متاحة للأفراد الخاضعين للحظر أو لفائدتهم.
(ج) أن تتشاور الدولة العضو مسبقًا مع السلطات الليبية بشأن استخدام تلك الأموال أو الأصول المالية أو الموارد الاقتصادية الأخرى.

وبعبارة موجزة، فإن التعديل ينص على أن الاستثناء يتطلب أن تتشاور الدولة التي بها الأموال المجمدة مع السلطات الليبية بشأن استخدام تلك الأموال، وأن يجري تقديم طلب إلى لجنة العقوبات الأممية يوضح الغرض أو الأغراض التي ستنفق فيها هذه الأموال.

فهل تلقت لجنة العقوبات طلبًا باستثناء الفوائد والأرباح الناجمة عن تلك الأموال المجمدة في بلجيكا، وهل حددت الأغراض التي ستنفق فيها، وكيف كان رد اللجنة بهذا الخصوص؟.

الواضح أن لحماس الحكومة البلجيكية نحو استثناء الفوائد من التجميد، دافع آخر كشف عنه محامٍ بلجيكي يدعى لوران أرناوتس، إذ قال إن عدة شركات بلجيكية تمكنت من الاستفادة من فوائد الأموال الليبية المجمدة لسداد ديون مستحقة لها لدى ليبيا. حسب ما أكد لمحطة «آر- تي -ال» الأحد الماضي.
بل واستند ارناوتس، وهو محامي الأمير لوران شقيق ملك بلجيكا، إلى تصريحات وزير الخارجية الحالي ديديه ريندرس، عندما كان وزيرا للمالية، التي قال حينها إن بلجيكا ستدير 14 مليار يورو من الأموال المجمدة الليبية، و«الأولوية هي ضمان الدفع للشركات البلجيكية التي كانت لديها عقود مع السلطات الليبية السابقة».

وأخيرا، يبقى السؤال الأهم، هل تشاورت الحكومة البلجيكية مع السلطات الليبية في كل ماجرى؟ سؤال إلى الداخل الليبي قبل الخارج في بلجيكا وغيرها.

للاطلاع على العدد 156 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

المزيد من بوابة الوسط