«جريدة الوسط»: مؤتمر باليرمو.. حضر الجميع وغاب الحل

كتب مؤتمر باليرمو فصلاً جديداً مما يمكن وصفه بـ«المماطلة السياسية» التي صاحبت الأزمة الليبية خلال السنوات الماضية، باعتباره واحدةً من المنصات الدولية التي جمعت أطراف الخلاف والفاعلين الدوليين، وانتهى إلى جملة من «الاستنتاجات» التي لم يسمها المجتمعون «بياناً ختامياً»، كما لم تتضمن بنوداً واضحة أو تفاصيل للإجراءات السياسية والأمنية التي جاءت في سياق التأكيد وتجديد الموقف سواء من المشاركين أو الأطراف المحلية دون تسمية قرارات أو توصيات.

مستويات التمثيل
لكن المؤتمر الذي اتسم باختلاف مستويات التمثيل بدءاً بالسفير إلى رئيس الدولة، وهو ما اعتبره البعض دافعاً لعدم خروج اتفاق واضح البنود ملزم للأطراف الليبية، بالنظر إلى أن بعض المشاركين غير مخول لهم التوقيع على اتفاق أو رؤية، خاصة أن تلك الخطوة تحتاج تمثيلاً دبلوماسياً متساوياً، فضلاً عن تباين مواقف المشاركين أنفسهم وما صاحبها من انسحاب لوفد تركيا؛ اعتراضاً على عدم إشراكه في القمة المصغرة.

الغموض لازم التحضيرات التي استبقت المؤتمر، لا سيما ما يتعلق بحضور القائد العام للقوات المسلحة الليبية المشير خليفة حفتر، بالإضافة إلى ظهور مشاركين دوليين في الساعات الأخيرة من بينهم الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي.

ثلاثة مبادئ
بيد أن الاستنتاجات التي انتهى إليها المؤتمر تنحصر في ثلاثة مبادئ تتمثل في السعي لعقد الانتخابات العامة في ربيع 2019، وإطلاق حملة وطنية لإنقاذ الجنوب، وتدشين لجنة تحضير لمؤتمر للمصالحة الوطنية الشامل.

غير أن تلك الاستنتاجات تثير كثيراً من الأسئلة أكثر منها إجابات، لا سيما مع مباركة المشاركين جهود المبعوث الأممي غسان سلامة دون تحديد اختصاصات تلك الجهود لا سيما مع غموض آخر صاحب خطته للحل السياسي، لا سيما عندما ألقى بجملة من العراقيل أمام تلك الخطة خلال إحاطته أمام مجلس الأمن مطلع الأسبوع، يضاف إلى ما سبق تزمين الملتقى الوطني المزمع عقده في الأسابيع الأولى من 2019 دون أن يجرى الحديث عن معاييره أو أعضائه، كما لم يجر تحديد صيغة للانتخابات بخلاف السعى لإجرائها في ربيع 2019، كما لم يفك المناقشون الجدل بشأنها، لا سيما مع اختلاف في الداخل الليبي حول ترتيب إجرائها.. هل البرلمانية أولاً أم الرئاسية؟

غير أن مؤتمر باليرمو ظهر باختلافات عما سبقه من منصات دولية، لا سيما مؤتمر باريس، تتمثل في تسمية، لأول مرة، دور لمصر في توحيد المؤسسة العسكرية، بالإضافة إلى البعد الاقتصادي والتنموي وإدارة المؤسسة المصرفية والإجراءات الاقتصادية الأخيرة، وآليات مواجهة الفساد ومراجعة حسابات المصرف المركزي.

إجراء انتخابات
وعلى مستوى التفاصيل، أعلن فائز السراج في كلمته دعمه إجراء انتخابات متزامنة لاختيار رئيس للدولة والجسم التشريعي الجديد في الربيع المقبل، وضرورة إتمام الاستحقاقات الدستورية بالخصوص، كما رحب بعقد المؤتمر الوطني الجامع في الأسابيع الأولى من العام الجديد، حسبما ورد في إفادة المبعوث الأممي غسان سلامة أمام مجلس الأمن الدولي.

وفي خضم النتائج طالب المشاركون، في ختام اجتماعهم، مجلس النواب بإصدار قانون استفتاء؛ بهدف إتمام العملية الدستورية كإنجازمركزي لسيادة الدولة الليبية.

ونص البيان الذي جرى توزيعه تحت عنوان «استنتاجات»، على ضرورة التحقق من توافر كافة الشروط التقنية والتشريعية والسياسية والأمنية المطلوبة، مع دعم متزايد من المجتمع الدولي من الآن فصاعداً لإجراء الانتخابات، فيما تعهدت الوفود الليبية بـ«احترام نتائج الانتخابات لدى إجرائها، في حين تخضع الأطراف التي تحاول نسف أو عرقلة العملية الانتخابية للمساءلة».

إنقاذ الجنوب
كما أعلن رئيس المجلس الرئاسي إطلاق الحملة الوطنية لإنقاذ الجنوب الليبي، وإشرافه على هذه الحملة التي ستشمل ثلاثة محاور هي الأمن والخدمات والوضع الاجتماعي، داعياً جميع الأطراف للتجاوب مع هذه الحملة، قائلاً: «ليكن الجنوب عنواناً لتوحيد المواقف، ومنطلقاً لتوحيد مؤسسات الدولة جميعها».

عقد الانتخابات العامة في ربيع 2019 وإطلاق حملة وطنية لإنقاذ الجنوب وتدشين لجنة تحضير لمؤتمر للمصالحة الوطنية الشامل

وقال السراج إنه سيعلن خلال أيام أسماء أعضاء لجنة تحضير لمؤتمر للمصالحة الوطنية الشاملة تكون نواة لمشروع وطني شامل، مطالباً بأن يكون داخل ليبيا، وذلك ليناقش الليبيون سبل الحل والخروج من الانسداد السياسي الحالي.

وتضمنت النتائج أيضاً التأكيد على أن «الوضع السياسي والأمني الحالي غير قابل للاستدامة، وأنه لا مجال لحل عسكري في ليبيا، فالحل السلمي وحده قابل للاستدامة»، وهو إعادة تدوير لمخرجات الاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات، الذي قالوا إنه «يبقى الإطار الوحيد المتاح لإنجاز مسار شامل ومستدام من أجل تحقيق الاستقرار في ليبيا».

تسمية دور لمصر
غير أن النقطة الأكثر بروزاً أيضاً في الاستنتاجات تسمية دور لمصر لأول مرة من خلال «دعم الحوار بقيادة مصر في بناء مؤسسات عسكرية موحدة تتمتع بالمهنية والمساءلة تحت السلطة المدنية».

المبعوث الأممي أطلق تصريحات في حوار مع جريدة «الأهرام» المصرية قبل ساعات من المؤتمر، قال فيه إن ملف توحيد الجيش الليبي يواجه مشكلة أنه بعيد عن «قوات المشير خليفة حفتر»، معتبراً أن ما يجرى أن ثمة «مجموعات من الضباط العسكريين يمثلون ذواتهم، وكثير منهم يلتزم منزله، خاصة الموجودين في غرب البلاد»، مضيفاً أنه «لا يزال هناك غموض في مواقف بعض القوى الدولية حول حفتر وأن ثمة ما يقلقهم من طموحاته».

الترتيبات الأمنية
إزاء ما سبق كان للأحداث الأمنية في العاصمة حضور لافت، حيث شجب المشاركون اللجوء للعنف في طرابلس، وحثوا جميع الأطراف على «متابعة التطبيق الكامل والسريع للاتفاقات الأمنية الجديدة في طرابلس، القائمة على إعادة نشر القوات المسلحة والأمنية النظامية؛ لتحل محل الجماعات المسلحة».

وكرر المشاركون استعداد المجتمع الدولي لـ«اتخاذ عقوبات موجهة، إزاء من ينتهك وقف إطلاق النار في طرابلس»، و«اتخاذ مبادرات من أجل بناء قدرات المؤسسات الأمنية في ليبيا، بما في ذلك مركز العمليات المشترك وذلك أيضاً من خلال أنشطة تدريب قوات الأمن والشرطة النظامية».

بالانتقال إلى ملف الجنوب كان الحضور الأبرز التعهد بإطلاق حملة وطنية لإنقاذ الجنوب، في خضم التعبير عن القلق إزاء الأوضاع الأمنية والإنسانية في جنوب البلاد، حين تطرقوا إلى «أهمية الالتزام من أجل تسهيل عودة النازحين.

الملف الاقتصادي
وبشأن الملف الاقتصادي ذكر المشاركون بالإصلاحات الاقتصادية المعتمدة مؤخراً من قبل حكومة الوفاق الوطني وحثوا على «متابعة تنفيذها بالتعاون مع بعثة الأمم المتحدة في ليبيا والمؤسسات المالية الدولية من أجل تأمين الموارد والاستثمارات التي تدعم الخدمات الأساسية لكافة المحافظات ولكل الشعب الليبي وتحسين الأوضاع المعيشية».

وانتقل النقاش إلى ما أُثير مؤخراً بشأن فساد بعدة قطاعات حكومية، حيث رحبوا بالجهود الجارية من أجل «تشجيع المساءلة داخل المؤسسات الاقتصادية، وضرورة تخطي كافة أشكال السطو والفساد والضبابية من أجل السماح لكل الشعب بالاستفادة من الموارد الليبية»، كما طالبوا كافة المنظمات الدولية بتزويد السلطات الليبية بالدعم التقني والخبرة المهنية من أجل تحقيق تلك الأهداف، فضلاً عن «بدء حوار معزز حول الشفافية المالية وتنفيذ الميزانية من أجل التجاوب مع المطلب الليبي بالمساءلة ومن أجل توزيع شفاف وعادل للموارد».

الدور الروسي
الحضور الروسي في المؤتمر كان واضحاً من خلال رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف، ونائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف، وهو ما اعتبرته جريدة «إل صولي 24» الإيطالية حضوراً لافتاً، باعتبار أن مؤتمر باليرمو «أبرز جوانب غير ثانوية، بدءاً من دور روسي قوي لملء الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة الأميركية، التي يبدو أنها لا تعير اهتماماً كبيراً بمصير دول الشمال الأفريقي».

ورغم غيابها رحبت الولايات المتحدة بنتائج باليرمو، ودعم واشنطن بقوة المبعوث الأممي غسان سلامة وخطة العمل الخاصة بالأمم المتحدة التي أُعيد تقويمها، التي قدمها إلى مجلس الأمن في 8 نوفمبر، التي تدعو إلى عقد مؤتمر وطني تقوده ليبيا في الأسابيع الأولى من العام 2019 لتبدأ العملية الانتخابية اللاحقة في ربيع العام 2019.

الجريدة الإيطالية قالت إن «روسيا، أصبحت الوسيط الذي لا يمكن تجاهله في الأزمة الليبية، وترتبط بعلاقات يمكن وصفها بأنها أكثر من ودية مع القائد العام للجيش الليبي المشير خليفة حفتر وتستعد للعب دور مهم أيضاً في ليبيا».

هل اقتنع المجتمع الدولي والأطراف الليبية بأن إعلان تعهدات يستوجب ضمان تنفيذها أم لم ينجح باليرمو في حلحلة أي ملف

وأرجعت الجريدة الاهتمام الروسي إلى المردود التجاري المحتمل لموسكو لهذا الدور عند بدء عملية إعادة البناء في ليبيا، بالإضافة إلى قطاع الطاقة، وهو ما يتسق مع تصريحات ميدفيديف بقوله إن بلاده مستعدة للمشاركة في إصلاح عجلة الاقتصاد وتحسين المجال الاجتماعي في ليبيا، بالإضافة إلى اعتباره أن «إصلاح الاقتصاد وإحياء المجال الاجتماعي، والمشروعات الواعدة التي يمكن ويجب تجديدها، هو أمر جوهري لتجديد الحياة العادية في ليبيا». إزاء ما سبق يمكن القول إن مؤتمر باليرمو جمع مستويات تمثيل دولية متباينة بجوار كافة الأطراف الليبية الرئيسية، بالإضافة إلى جمعه ممثلين عن المناطق والمجتمع المدني، بخلاف مؤتمر باريس، لكن الأخير كان أكثر دقة في الخروج بتوصيات واضحة وبنود عملية، وإن لم يكتب لأي منها النجاح حتى الآن، ما يثير التساؤل: هل اقتنع المجتمع الدولي والأطراف الليبية بأن إعلان تعهدات يستوجب أولاً ضمان تنفيذها، أم أن المنصة الدولية في باليرمو لم تنجح في حلحلة أية ملف بشأن الأزمة الليبية؟

المزيد من بوابة الوسط