صحف عربية: الأهداف الحقيقية لمؤتمر باليرمو

تابعت الصحف العربية، الصادرة اليوم الخميس، نتائج وخلفيات مؤتمر باليرمو حول ليبيا، وكيف تفاعلت معه الدول الأوروبية خصوصًا فرنسا وإيطاليا، إلى جانب الدول الإقليمية.

خلفيات مؤتمر باليرمو
نشرت «الشرق الأوسط» السعودية مقال المندوب السابق لليبيا لدى الأمم المتحدة ووزير خارجيتها الأسبق عبدالرحمن شلقم، بعنوان «ليبيا في باليرمو... مباراة بلا أهداف». وقال في مستهل مقاله إن الصافرة الفرنسية التي انطلقت من باريس في مايو الماضي وتداعى لها المتصدرون للمشهد الليبي، والشهود من الجيران وخلَّان السياسة الدولية، أخرجت أوراقاً لم يتسلمها المقاولون السياسيون لتنفيذ سطورها على الأرض الليبية المتحركة. إيطاليا هي الضرَّة السياسية لفرنسا.

وتابع: «كانت ليبيا عبر التاريخ البيت الذي تقفان أمامه أو وراءه لتبادل العراك. التاريخ يثقل كاهل إيطاليا منذ عصور روما حيث كان الإمبراطور الروماني الليبي سبتيموس سيفيروس يحكم من صبراتة وامتد إلى أصقاع أوروبا وشمال أفريقيا بعدما اعتلى عرش روما. مع بزوغ عصر التمدد الاستعماري الأوروبي، وبعدما حققت إيطاليا وحدتها، أصبح الحلم الإمبراطوري القوة المحركة للقادة الإيطاليين من جولييتي إلى موسوليني وغرسياني وبالبو. الشاعر دانوزيو صاغ إلياذة التاريخ الروماني لتكون الحادي الحماسي للجنود الإيطاليين العابرين للمتوسط تجاه شاطئ روما الرابع - طرابلس - بلد الشمس الجميلة».

وأضاف: «ليبيا مثَّل التاريخ مسالك لحياتها بل أقدارها. كان مكره خيطاً نسج حلقات تكوينها. أما الجغرافيا، فكانت صفحاتها الممتدة عبر صحاريها والقلم المغمور في حبر البحر الأبيض المتوسط. ليبيا صفحات في كتاب قديم حي، كثيراً ما كانت الجغرافيا لعنتها قدر ما كانت نعمتها.

فرنسا احتلت بلدان شمال أفريقيا الواقعة غرب ليبيا، والبلدان الأفريقية جنوبها، وأثناء الحرب العالمية الثانية تقدمت جيوش فرنسا الحرة واحتلت الجنوب الليبي وطردت القوات الإيطالية المهزومة في الشرق والغرب». واسترسل: «اليوم تعود الدولتان إلى ليبيا ولكن كل منهما على عربة سياسية واقتصادية تتشابه فيهما الألوان وتختلف القدرات والأهداف»

ثم تساءل: «ماذا تريد إيطاليا من إطلاق صافرتها لتجميع المتصدرين للمشهد السياسي الليبي ومعهم إخوان الجوار وخلان القرار في باليرمو الصقلية الإيطالية؟ الحكومة الإيطالية الجديدة الشابة الشعبوية تريد أن يكون لها مكان في عربة القيادة السياسية الأوروبية التي تربعت فيها فرنسا وألمانيا. حزبا رابطة الشمال والنجوم الخمس اللذان يشكلان الحكومة يختلفان في كثير، لكنهما يتفقان على إعادة صياغة الدور الإيطالي داخل المجموعة الأوروبية والحد من تدخل الاتحاد في الشؤون المالية والسياسية في إيطاليا وغيرها من الدول الأوروبية».

وأردف: «الحكومة الشابة الشعبوية ترى أن فاعليتها خارج حدودها تصب الوقود المفقود في عربة تحركها السياسي وأن منطقة المتوسط هي المجال الذي تستطيع الحركة فيه. الهجرة غير القانونية ثقل حقيقي على كاهل إيطاليا مالياً واجتماعياً وحتى نفسياً، وليبيا هي البوابة التي يتدفق منها المهاجرون العابرون للبحر المتوسط. شكل موضوع الهجرة أحد بنود العلاقة بين ليبيا وإيطاليا منذ سنوات طويلة، تم توقيع كثير من الاتفاقيات والبروتوكولات لمواجهة هذه الظاهرة التي أقلقت الطرفين.

بعد ثورة فبراير تداعت الدولة الليبية وظهرت مجموعات ليبية ودولية اتخذت من تلك الظاهرة (الهجرة غير القانونية) مصدرًا للمال. المصالح الاقتصادية الإيطالية في ليبيا لا تشكل أهمية كبيرة بالحسابات المالية. لها وجود في مجال النفط والغاز وكذلك بعض المشروعات الصناعية المتوسطة، لكن الهواجس الأمنية لا تغيب عن أصحاب القرار في روما، فالهجرة بالإضافة إلى ثقلها المالي والاجتماعي لها بعد أمني يتعلق بالإرهاب وتجارة المخدرات وغيرها».

وحول فرنسا قال: «أما فرنسا فلها حسابات أكثر تعقيدًا وأوسع امتدادًا. الدول التي تحد ليبيا من الجنوب وهي النيجر وتشاد بها قواعد عسكرية فرنسية، وتعاني من حركات التمرد المسلح العرقي والآيديولوجي. مالي، بوركينا فاسو وكذلك الكاميرون دول تعني كثيرًا لفرنسا، هي مجال سياسي وعسكري وثقافي. الاستقرار في ليبيا يشكل ضمانة لهذه الدول، فرنسا دولة عظمى، عضو دائم بمجلس الأمن، دولة نووية، تمتلك حاملات طائرات، تصنع الطائرات المقاتلة الحديثة، وهي الجناح السياسي الذي يقود أوروبا ومعها الجناح الاقتصادي الألماني. التنافس بين عربتي إيطاليا وفرنسا غير متكافئ داخل القارة الأوروبية وخارجها».

ماذا أضاف لقاء باليرمو للمشهد الليبي؟
حضرت الأطراف الليبية التي شاركت في لقاء مايو الماضي بباريس وعدد من زعماء دول الجوار بالإضافة إلى قادة آخرين. اللافت المهم هو حضور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الروسي ميدفيديف. مشهد ليبي تكرر مع بعض الإضافات. التنافر الظاهر بين الأطراف الليبية، فلم يلتقِ المشير خليفة حفتر مع خالد المشري رئيس المجلس الأعلى للدولة، ولم يشارك في الاجتماعات النوعية التي عقدت بالتوازي مع الاجتماع على مستوى القمة. لم يصدر الاجتماع وثيقة عاملة للمرحلة القادمة، كل ما صدر هو ما أعلنه غسان سلامة رئيس بعثة الأمم المتحدة، الذي كرر فيه ما سبق أن أعلنه في إحاطته أمام مجلس الأمن وهو الملتقى الليبي الجامع مطلع العام القادم وإجراء الانتخابات البرلمانية في ربيعه.

السؤال: هل ستتم هاتان الخطوتان في ظل حكومتين ليبيتين وجهازين إداريين وغياب قوة أمنية وعسكرية واحدة على المستوى الوطني؟ السؤال الأهم هو، عضوية هذا الملتقى الجامع ومعايير اختيار المشاركين فيه وعددهم، وجدول أعماله، والمخرجات المنتظرة منه، من سينفذها؟ ولو تساءلنا عن الانتخابات البرلمانية، هل سيصدر قانون الانتخابات، ومتى؟ وهل يستطيع المرشحون التحرك بحرية وفي ظروف أمنية ملائمة في كل مناطق الوطن للقيام بحملاتهم الانتخابية وتقديم برامجهم أمام دوائرهم بحرية دون تهديد أووعيد.؟ إقبال الناس على الاستحقاق الانتخابي في ظروف مالية ضاغطة وتوتر أمني واصطفافات تتعدد محركاتها قد تقود إلى ردود فعل مربكة. لا جدال في أن الانتخابات هي الطريق الوحيد الذي يختار الشعب عبره من يصدح بصوته، ويصنع التشريع القادر على انتشال الوطن من كبوته المرعبة، ولذلك لا مندوحة من توفير الضمانات العملية لنجاح هذا الاستحقاق المصيري.

باليرمو الإيطالية لم تكن مجرد مكان التقى به الجمعان الليبي والأجنبي، لكنها كانت جولة سياسية لها خلفيات وامتدادات عبر البحر الأبيض المتوسط، والصحراء الكبرى بل وصلت إلى عمق الشمال، أقصد روسيا هذه المرة التي شاركت برئيس وزرائها المخضرم ميدفيديف. تعددت قدرات اللاعبين ومستوياتهم، منهم من نزل إلى الملعب ومنهم من غادره غاضباً ولم نعرف لون البطاقة التي رفعت في وجهه وما هي المخالفة. كانت المباراة بين أكثر من فريق وسط الملعب الإيطالي وبلا حكم وبلا أهداف.

نتائج المؤتمر الإيطالي
إلى ذلك اعتبر الكاتب التونسي الحبيب الأسود في مقالة نشرها في جريدة «العرب» أن حل الأزمة الليبية لا يزال بعيدًا، ونتائج مؤتمر باليرمو لن تكون أفضل من نتائج مؤتمر باريس، فالوعود لا تكفي والتصريحات لا تبني الأوطان، والمشاورات غير مجدية طالما هناك محاولات للالتفاف على أصل القضية.

وقال إنه في ظل حالة النفاق الدولي، يفكر الجميع في مصالحه في ليبيا، ولا أحد يفكر في مصلحة الشعب الليبي، وسعي إيطاليا لعقد مؤتمر باليرمو كان بدافع التنافس مع فرنسا التي سبق أن عقدت لقاء في يوليو 2017 بين خليفة حفتر القائد العام للجيش الليبي، وفايز السراج رئيس المجلس الرئاسي، ثم جمعت بينهما وبقية الأطراف الداخلية وممثلي دول الجوار والدول ذات الصلة في مايو 2018، ولكن دون جدوى، وحتى الانتخابات التي قيل آنذاك إنها ستنتظم في ديسمبر المقبل، تبيّن أنها مجرد سراب.

وأضاف أنه في 17 ديسمبر 2018 ستحل الذكرى الثالثة لاتفاق الصخيرات الذي فرض على الليبيين حكومة تم اختيارها من قبل قوى خارجية لتقود البلاد لمدة 18 شهرًا، وكان من المفروض أن تكفل إعادة بناء الثقة بين الفرقاء وتطبيق الإجراءات الأمنية ومن ثمة العملية الدستورية، ولكن لا شيء قد حصل سوى تكريس الانقلاب الإخواني الذي نفذته منظومة فجر ليبيا بعد انتخابات يونيو 2014 عبر نفخ الروح في المؤتمر الوطني العام المنتهية شرعيته، وتجديد هيكلته فيما سمّي بمجلس الدولة الاستشاري، واستمرار سيطرة الميليشيات على طرابلس وأغلب مدن الساحل الغربي ضمن ترتيبات وهمية، سعى من خلالها المجلس الرئاسي إلى الإبقاء على سلطته المشكوك في شرعيتها نظرًا لتجاوز الأجل المتفق عليه في الصخيرات، وكذلك لرفض حكوماته المتعاقبة وعدم حصولها على ثقة مجلس النواب، الذي بات هو الآخر جزءًا من المشكلة بدل أن يكون جزءًا من الحل.

وبينما يتم يوميًا نهب ثروات الشعب الليبي من قبل المافيات واللوبيات والميليشيات، لا يهتم العالم إلا بالنفط الذي يتم تصديره يوميًا دون أن يستفيد الليبيون من مداخيله.

وخلص إلى أن الحل لن يتحقق طالما هناك ليبيون يرهنون إراداتهم للخارجي، وسيتحقق عندما يجتمعون على هدف واحد، وعندما يتجاوزون المصالح الشخصية والحسابات العقائدية والحزبية والقبلية والجهوية، ويتخلون عن أحقاد الماضي، ويفككون الميليشيات ويغلقون سجونها، ويجمعون السلاح ويوحدون قواتهم المسلحة، ويعلنون المصالحة الشاملة في مؤتمر جامع، يقولون من خلاله؛ ها نحن قد قررنا مصيرنا بلغة الحوار لا بلغة السلاح وعندئذ سيضطر الجميع لدعمهم بدل التنافس على شق صفوفهم.
وللمجتمع الليبي من القوى الناعمة والرموز الاجتماعية والقيم الثقافية والحضارية، ما يجعله قادرًا على لملمة جراحه والخروج من النفق بدل انتظار الحلول الجاهزة التي قد تأتي من الخارج، ولن تأتي.

ترحيب الولايات المتحدة
في الاثناء تناولت «الحياة» ترحيب الخارجية الأميركية بنتائج «مؤتمر باليرمو» الدولي لبحث الأزمة الليبية. حيث جددت دعم واشنطن القوي للمبعوث الأممي لدى ليبيا غسان سلامة، فيما توقّع وزير الخارجية الإيطالي إنزو موافيرو ميلانيزي أن تشهد ليبيا انتخابات في الربيع المقبل.

في غضون ذلك، التقى رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فائز السراج، رئيس الوزراء الروسي دميتري ميدفيديف، في حضور نائب وزير الخارجية موفد الرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط ميخائيل بوغدانوف، ونائب رئيس المجلس الرئاسي عبد السلام كجمان ووزير الخارجية الليبي محمد سيالة.

وتناول اللقاء مستجدات الوضع السياسي في ليبيا، وأكد المجتمعون دعمهم ما ورد في إحاطة الموفد الدولي إلى ليبيا غسان سلامة أمام مجلس الأمن الدولي في شأن الانتخابات ورغبة روسيا في إيجاد حل شامل للأزمة الراهنة ودعم سيادة ليبيا. ووجه رئيس الوزراء الروسي في دعوة إلى السرّاج لزيارة موسكو.

وأفادت صحيفة «روسيسكايا غازيتا» بأن روسيا حضرت «مؤتمر باليرمو» بصفتها صديقًا قديمًا لليبيا يعتزم بذل ما في وسعه لحل الأزمة الليبية. وأشارت إلى أن ميدفيديف شرح رؤية بلاده لتحقيق المصالحة في ليبيا وإخراجها من أزمتها. ونقلت عن رئيس الوزراء الروسي قوله إن «إنهاء النزاع الليبي سلمًا أمر ممكن شريطة أن تبدي الأطراف المتنازعة الاستعداد لتقديم تنازلات».

وفي سياق انتقاده للمؤتمر، قال العقاب إن «مؤتمر باليرمو أكد غياب الإرادة الوطنية لتجنيب بلادنا وشعبنا الفوضى والمعاناة، وعدم ملكية الليبيين العملية السياسية». ورأى أن الكلفة الباهظة، التي ندفعها في ليبيا لا تعبّر إطلاقًا عن حقيقة الاختلافات بيننا، ذلك أن ليبيا ليست سوى ساحة لصراع عربي- عربي وأوروبي- أوروبي، عرف زوراً وبهتاناً باسم «الأزمة الليبية». واختتم تغريداته بالقول: «نحن تحت الوصاية سياسياً، والدعم الذي حظي به غسان سلامة جعله أكثر الأطراف شرعية على مائدة باليرمو».

المزيد من بوابة الوسط