إيطاليا تحصن مؤتمر باليرمو بـ «الجوار الليبي»

تتجه الأنظار يوم الإثنين المقبل صوب مدينة باليرمو بجزيرة صقلية المقابلة للساحل الليبي، لمتابعة المؤتمر الدولي حول ليبيا، بعدما أنهت السلطات الإيطالية أوراق الحشد الدولي لإنجاح أهدافه التي ترتكز على بناء أرضية سياسية مشتركة لأطراف الصراع يُمكن البناء عليها للوصول إلى استقرار دائم في البلاد.

وكلما اقترب موعد «باليرمو» زادت التفاعلات السياسية والأمنية، وسط ترقب لما سينتهي إليه المؤتمر من توصيات، لاسيّما أنّ الأطراف الرئيسية الفاعلة في ليبيا أبدت تجاوبًا إبجابيًا مع المؤتمر، حيث استقبلت العاصمة الإيطالية روما على مدار الأسبوع الماضي الأطراف الرئيسة، عندما دخلت التحضيرات للمؤتمر مرحلة الحسم، بدأت بزيارة رئيس المجلس الرئاسي فائزالسراج، والمبعوث الأممي غسان سلامة، ثم المشير خليفة حفتر القائد العام للقوات المسلحة، قبل أن يطير رئيس مجلس النواب الثلاثاء، ويلحقه رئيس مجلس الدولة نهاية الأسبوع.

للاطلاع على العدد 155 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وعلى مدار الأسبوع الجاري وضعت إيطاليًا النقاط على الحروف الأخيرة للتحضير للمؤتمر عندما زار رئيس الحكومة الإيطالية، جوزيبي كونتي، الجزائر وقال إنه تحدث مع نظيره أحمد أويحيى «بشكل موسع عن ليبيا»، مجددًا التأكيد على أن «التعزيز المؤسساتي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية في ليبيا لا يمكنهما المضي قدمًا إلا عبر عملية حوار شامل ومصالحة تقودها الأمم المتحدة، تحترم تطلعات الشعب الليبي».

وأكد كونتي في مؤتمر صحفي مشترك مع أويحيى، مساء الإثنين، أنه «من الضروري مشاركة المجتمع الدولي والجزائر، المعنية بشكل كامل، في هذا المشروع وفي دعم عمل الأمم المتحدة في تحقيق الاستقرار في ليبيا»، متابعًا «أنا سعيد للغاية بأن الجزائر قبلت دعوتنا للمشاركة في هذا الحدث (..) أملي الشخصي في أن تقدم الجزائر مساهمة ملموسة».

بدوره أكد أويحيى حضور الجزائر في المؤتمر، إلا أنه نوه بأن رئيس الجمهورية عبدالعزيز بوتفليقة بحكم أن الدعوة وجهت إليه، سيختار من يمثلون بلاده في هذا الحدث.

لكنّ رئيس الحكومة الجزائري، تجنّب الدخول في صدام دبلوماسي مع فرنسا بحضور نظيره الإيطالي جوزيي كونتي حين رفض التعليق على مشاركة باريس من عدمها في مؤتمر باليرمو بصقلية، إذ لم يعلق أويحيى على مواقف دول أخرى من القضية الليبية، من ضمنها فرنسا وغموض مشاركتها في المؤتمر من عدمها.

رئيس الحكومة الجزائري أشار في المؤتمر الصحفي مع نظيره الإيطالي، إلى موقف بلاده الرسمي من الوضع في ليبيا الذي قال إن عملهم الدبلوماسي يرتكز على نقطتين هامتين، وهما احتواء الليبيين لقضيتهم وإقرار الأجوبة عن كل الأسئلة، فيما النقطة الثانية تتمثل حول دعم ليبيا جهود الأمم المتحدة.

وتعهد أحمد أويحيى، بعمل الوفد الجزائري على إنجاح مؤتمر باليرمو حول ليبيا، قائلاً إنه «سيعمل كل ما بوسعه لإنجاح الحل السلمي في ليبيا»، لافتًا إلى أنّ المسألة الليبية أخذت قسطًا كبيرًا في المحادثات، من أجل مساعدة الليبيين للوصول إلى حل سلمي للأزمة قريبًا.

وفي تدوينة عبر له على صفحته بموقع «فيسبوك»، كشف رئيس الحكومة الجزائري أنّ بلاده تشارك في المؤتمر المزمع من خلال تبادل الآراء والمعلومات لإنجاحها، حسب قوله.

والمحطة الجزائرية تبدو مهمة بالنظر إلى أنّ الأخيرة تدعم الحل السياسي والحوار الشامل بين الأطراف الليبية، في ظل احترام الوحدة والسيادة والسلامة الترابية لليبيا، كما تشاطر إيطاليا الموقف، حيث ترى أن الحل يجب أن ينبع من الليبيين أنفسهم بعيدًا عن أي تدخل أجنبي.

ويركز البلدان أيضًا على ضرورة مرافقة جهود الأمم المتحدة من أجل تسريع وتيرة الخروج من الأزمة في ليبيا وأهمية التوصل بشكل عاجل إلى تسوية للأزمة الليبية التي سيكون لها بالتأكيد أثر إيجابي على منطقة الساحل الصحراوي.

وقبل زيارة الجزائر أمّن كونتي الموقف التونسي عندما زارها والتقى الرئيس الباجي قائد السبسي الجمعة الماضي، حيث دعاه لحضور المؤتمر، فيما أوضح السبسي أن تحقيق الاستقرار في ليبيا يعدّ عاملاً حيويًا لضمان أمن واستقرار منطقة شمال أفريقيا والبحر المتوسط.

مراقبون اعتبروا أن المساعي الإيطالية الحالية تشير إلى أنّ إيطاليا عملت على الاستفادة قدر الإمكان من أخطاء فرنسا في إدارة الملف الليبي، تحسبًا لمؤتمر باليرمو، من خلال تواصلها مع الجزائر وتونس ومصر، بينما تتمسك الدول المعنية بمقاربتها على الحوار الليبي الليبي، وتهيئة الظروف الأمنية بالتخلص من المجموعات المسلحة المنتشرة في البلاد.

وبدأ إقناع رئيس الحكومة الإيطالية جوزيبي كونتي للجزائريين بالمساعدة على إنجاح مؤتمر باليرمو سهلاً، بعدما اقتنص موافقة أحمد أويحيى رئيس الحكومة الجزائرية على المشاركة.

مصدر دبلوماسي أكد إلى «الوسط»، أن مساعي الجزائر ترتكز على مسألتي دعم جهود الأمم المتحدة في ليبيا، واحتواء الليبيين لقضيتهم وحدهم وإقرار الأجوبة عن كل الأسئلة دون فرض «وصاية» عليهم، في إشارة إلى مؤتمر باريس الذي فرض أجندة خاصة بتنظيم الانتخابات في ليبيا.

ومع تعهد أحمد أويحيى بعمل الوفد الجزائري على إنجاح مؤتمر باليرمو، فإنّ تونس لم تحدد شكل التمثيل الرسمي في المؤتمر الدولي بإيطاليا، في سياق الأزمة السياسية الراهنة في البلاد، بعدما دعا كونتي الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي لحضور المؤتمر، ألح على ضرورة توفير الأسباب التي تساهم في إيجاد تسوية سياسية شاملة ودائمة تضمن وحدة ليبيا واستقرارها.

ومن بين الأسباب الواجب توافرها، نزع سلاح المجموعات المسلحة، وتهيئة الأرضية الأمنية قبل المضي نحو الاستحقاق السياسي، لكنّ مراقبين يعيبون تجاهل اتفاق باريس في 29 مايو الماضي، لقضية «المليشيات» خصوصًا في طرابلس، حيث تتسبب في عرقلة التسوية السياسية.

ووفق الرؤية المغربية لتحقيق اختراق في الملف الليبي في مؤتمر باليرمو، يتوجب حسب وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة، أن تدخل تعديلات لم يشدد عليها اتفاق باريس، كأخذ بعين الاعتبار التطورات الميدانية التي حصلت منذ إقرار الاتفاق، مع ضرورة إيلاء المزيد من الاهتمام للبعد الأمني للأزمة على غرار البعد السياسي، قبل تحديد مواعيد كل الاستحقاقات الانتخابية المراد تنظيمها في ليبيا.

ويعمل الوفد المغربي في المؤتمر على إقناع المجتمع الدولي بتنفيذ بنود معطلة من اتفاق الصخيرات (الموقعة في ديسمبر 2015)، خاصة البند 34 المتعلق بالترتيبات الأمنية، ما سيقدم خطوة ملموسة من أجل إعداد الأجواء الملائمة لتنظيم انتخابات.

ولن يتحقق ذلك إلا من خلال تعزيز الهياكل المكلفة بمراقبة وقف إطلاق النار، والعمل على ألا تبقى البنيات الأساسية للدولة، مثل المطار الذي لا يزال تحت سيطرة الميليشيات، ووضعها في يد الشرطة الوطنية، التي يتعين ضمان تكوينها، بما يجعل ولاءها لليبيا برمتها. واعتبر الوزير المغربي أنه «بدون هذه المسائل لن يفضي المسلسل السياسي إلى نتيجة».

القاهرة من جانبها ترفض أي دور للمجموعات المسلحة في مناطق النزاع، حيث أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في تصريحات في مقابلة مغلقة مع عدد من ممثلي الإعلام الأجنبي ورؤساء تحرير الصحف المحلية في منتجع شرم الشيخ أمس الثلاثاء، على هامش منتدى شباب العالم، أنه «لا يمكن قبول أي دور للميلشيات في دول النزاعات، كما أنه ليس من المقبول أن يكون لها أي دور في كفالة أمن هذه المنطقة»، معبرًا عن «دعم مصر للجيش الليبي باعتباره الجيش الوطني المخول بحفظ الأمن والنظام، لأن استمرار الوضع الحالي هناك يجذب العناصر الإرهابية في سورية إلى القدوم للمناطق الهشة، ويهدد دول الجوار مع ليبيا».

ويستبق المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة مؤتمر صقلية، لاستعراض تقدم الترتيبات الأمنية في طرابلس أمام مجلس الأمن الدولي، وما يجب اتخاذه من خطوات أممية على غرار فرض عقوبات على عدد من الميليشيات، التي تعبث بأمن العاصمة طرابلس وتهدد المؤسسات الرسمية.

لكن ما يؤثر على نجاح اجتماعات دولية حول ليبيا يتجاوز حاليًا الشأن الداخلي إلى الصراع الفرنسي–الإيطالي على الملف، ويفهم من دعوة وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان عدة شخصيات من مدينة مصراتة لزيارة فرنسا في الثامن من نوفمبر الجاري، أنها «تشويش» على المبادرة الإيطالية خاصة وأن حضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى باليرمو لم تتضح بعد، فيما أكدت رسالة الدعوة للشخصيات الليبية أنها تهدف «لإجراء محادثات رفيعة المستوى لمناقشة آفاق الخروج من الأزمة في ليبيا ونجاح العملية الانتخابية».

للاطلاع على العدد 155 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وفي الوقت الذي لم يتضح فيه حجم تمثيل الدول الأفريقية في المؤتمر، فإن القيادة العامة استبقت الحدث بزيارة لوفد رفيع المستوى من القوات المسلحة الليبية، الجمعة، إلى مقر الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا، وفقما أعلن المتحدث باسم القيادة العميد أحمد المسماري عبر صفحته على «فيسبوك».

وفد القيادة العامة اجتمع مع مفوض الأمن والسلم السفير إسماعيل الشرقي ومحمد الحسن لباش مستشار المفوض العام للاتحاد الأفريقي والدكتورة وحيدة العياري الممثلة الخاصة لرئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي لدى ليبيا، حيث تضمن الاجتماع إطلاع ممثلي الاتحاد الأفريقي على آخر مستجدات الوضع الأمني في كامل ليبيا، وكذلك رؤية القيادة العامة للمرحلة القادمة.

ووفق المسماري تسلّم الوفد «رسالة خطية» من القائد العام للقوات المسلحة الليبية المشير خليفة حفتر إلى المفوض العام للاتحاد الأفريقي، دون أنّ يكشف عن ماهيتها أو مضمونها.

المزيد من بوابة الوسط