أستاذ الهندسة البيئية: بنغازي على أعتاب كارثة بيئية

باتت بنغازي مهددة بكارثة بيئة بسبب أكوام القمامة المنتشرة في كل مكان خصوصا في منطقة البحيرات السبع، التي تحولت إلى مصب لمياه الصرف الصحي التي تحمله السيارات من المنازل المجاورة.

وسط هذا الكم من المشكلات، يطول الحديث عن التعامل مع المخلفات ومياه الصرف الصحي، ومن ثم حاورت «الوسط» أستاذ الهندسة البيئية والصحة العامة بكلية الهندسة جامعة بنغازي الأستاذ الدكتور فرج المبروك ليحدثنا عن أهم المشكلات البيئية التي تتعرض لها مدينة بنغازي.

المبروك عبر عن أسفه من أن هذه المشكلات لم تجد حلولا من المسؤولين سواء قبل ثورة 17 فبراير أو بعدها، وقال: «...مشكلة المخلفات هي مصدر معاناة كل الليبيين، ومنها المخلفات الصلبة (بقايا استهلاك السكان للمواد الغذائية، والمخلفات الطبية)، وهنا أود الإشارة إلى أن المخلفات تختلف عن النفايات، فالمخلفات يمكن إعادة تدويرها وإعادة استخدامها مرة أخرى، أما النفاية لا يمكن استغلالها، ويجري ردمها في الأرض أو التخلص منها بطرق أخرى».

وإلى نص الحوار:

• كم تبلغ كميات المخلفات الصلبة في بنغازي؟

- 1200 طن يوميا وتتراوح بين مواد عضوية بلاستيك وزجاج وغيرها، وهي مهمة بحيث يمكن الاستفادة منها في إعادة التدوير، واستخدامها في السماد العضوي المهم في تحسين التربة.

• هل توجد مصانع مختصة بهذا الموضوع؟
- يوجد لدينا مصنع سماد عضوي في منطقة القوارشة لكن تقنيته معقدة ومتوقف منذ فترة، إذ لم يخضع للصيانة، واقترحنا على المسئولين تقنية جديدة، وبسيطة يمكن الاستفادة منها، لكن للأسف المخلفات الصلبة لم نستفيد منها بتاتا، وكلها تذهب لمرمى المكب في منطقة قنفودة. وهنا أود الإشارة إلى أن المكب لا تتوفر به اشتراطات أساسية، إذ إنه موجود على شاطئ البحر، و في اتجاه الرياح السائدة، ويقع خلفه مشروع سكني كبير، وكل هذه الروائح سوف تتجه نحو السكان، ومن المفترض أن يكون موقع المكب في الهواري أو القوارشة، وحسب مواصفات معينة.

وهنا أود أقول إن التخلص من المخلفات لابد أن يكون الاختيار الأخير، إذ يوجد دول تعيد تدوير المخلفات لإنتاج الطاقة أو إعادة الاستخدام مثل هولندا والنمسا وسويسرا.

• ألم تقدم مثل هذه المشاريع للجهات المسؤولة؟
- عندما كنت مسؤولا عن الهيئة العامة للبيئة خاطبت الجهات المسئولة مثل عميد بلدية بنغازي، وخاطبنا شركات عالمية لمتابعة أعمال النظافة والاستفادة من المخلفات في بنغازي. وقدمت هذه الشركات عروض، وأذكر أن من بين هذه العرض واحد من هذه العروض بلغت قيمته 18 مليون يورو يوميا، ويكون مناصفة بين الجانبين الليبي والأجنبي، ولكن للأسف جرى رفض هذا المشروع بسبب قانون يمنع تصدير الخردة والقمامة.

• إذا ما تعليقك على تصريح وزير الاقتصاد بأن هذه الخردة ثروة لا يمكن التفريط فيها؟
- نعم هي ثروة لكن علينا الاستفادة منها، على سبيل المثال شركة الخدمات العامة تتولى أعمال النظافة، وبها نحو 5 آلاف عامل يتقاضون مرتبات شهرية تبلغ 6 مليون دينار شهريا، والناتج صفر للأسف. واقترح حل هذه الشركة، وهناك نظام جديد الآن يتم التعامل به هو التعاقد مع شركة أجنبية متخصصة لمدة 10 أو 20 عاما لأعمال النظافة، منحهم العمولة المتفق عليها.

الدول لم تعد تنظف إنما تعتمد على هذا النظام وأصبحت تعتمد على القطاع الخاص، على سبيل المثال مدينة الإسكندرية في مصر استعانت بشركة فرنسية، كما أن التجربة التونسية ممتازة في التخلص من النفايات.
وما من عيب أن نستعين نحن أيضا بشركة لمدة 10 سنوات بشركة اجنبية أولا تدرب هؤلاء العمال.

• وماذا عن المخلفات الطبية؟
- هي مشكلة خطيرة جدا، لدينا الآن مخلفات طبية بسعة 250 شاحنة بالجرار تحمل مخلفات الأدوية والأدوات الطبية، وتُرمى مع المخلفات العادية وتزيد المشاكل، وتنقل العدوى للعمال، وتسبب تلوث الهواء.

• كيف يجري التخلص منها؟
- في ذات المكب، إذ يجري طمرها بالتراب، مع أنه من المفترض فرزها في المستشفى حسب توصيات منظمة الصحة العالمية، حيث يتم فرزها في أكياس حمراء وخضراء وزرقاء، و توضع الحقن في أكياس بلاستيكية معينة، ويتم حرقها في محارق لا تقل درجة حرارتها عن 400 درجة مئوية، لكن هذا غير موجود في ليبيا إذ يضعون المخلفات في أكياس سوداء.

• هل اطلعت على هذه الأوضاع بنفسك؟
- بصراحة فيما يخص المخلفات الصلبة والطبية الوضع كارثي، وقد زرت مستشفيات مثل 1200 ومستشفى الأطفال، وتتعامل التشاركيات المسئولة عن النظافة معها كأنها مخلفات عادية، حتى في بعض المستشفيات الخطيرة جدا مثل مستشفى الصدرية.

• هل تواصلتم مع المسؤولين؟
- قدمت ورقة إلى وزير الحكم المحلي بالحكومة الموقتة خلال اجتماع في البيضاء حول آليات إدارة المخلفات الصلبة بشكل عام، والاستفادة منها.

• وماذا كان رد الوزير؟
- برر عدم إمكانية التنفيذ بقلة الإمكانيات، والانقسام السياسي الحادث في البلاد، فموضوع المخلفات الصلبة يحتاج إلى وقفة جادة من المسؤولين.
كما أن الخلل في التبعية الإدارية الذي تعيشه الدولة حاليا يلعب دورا في تفاقم الوضع البيئي السيئ في بنغازي، على سبيل المثال وزارة الحكم المحلي تدير شركة الخدمات العامة، وعميد البلدية يقول إنه لا علاقة له بالشركة لأنها تتبع وزارة الحكم المحلي.

• هناك تحذيرات بالغة من أزمة نتيجة مياه الصرف الصحي.. ما حقيقة هذه التحذيرات؟
- الآن لدينا اختلاط مياه الصرف الصحي مع مياه الشرب في كثير من أحياء بنغازي، كما أن المدينة تعاني من ارتفاع منسوب المياه في بعض المناطق مثل الداقاوستا و شارع دبي وغيرها، حيث يشكو سكان هذه المناطق من ارتفاع منسوب المياه في القبو.

• ومتى بدأت هذه المشكلة؟
منذ عهد النظام السابق، فحسب المخطط الخاص بها لم ينفذ أكثر من 40% من خطوط الصرف الصحي التي كان من المفترض أن تنتهي عام 2014 بنغازي، لكن نظرا للمشاكل التي حدثت في العهد السابق من الابتزاز والفساد، و غيره لم تنفذ هذه الشبكة في مناطق مثل الوحيشي، وحي العروبة، وشارع سوريا، وغيرها، نعم استعانوا بشركة كورية منذ 15 عاما، وتوقفت بعد أن بدأت في المشروع، و ضاعت أمواله.

• ماذا عن تلوث الشواطئ البحيرات؟
- محطة القوارشة لابد ان تعمل بسبع مراحل، لكن لم ينفذ منها إلا مرحلتين فقط، توقفتا عن العمل أيضا، وأصبح تصريف مياه الصرف الصحي في البحر أو بحيرة 23 يوليو.
الآن أصبحت شواطئا ملوثة بالكامل، وأجرينا دراسة من منطقة دريانة إلى منطقة قمينس، وجدنا إن هناك أماكن كثيرة يمنع فيها حتى السباحة لوجود بكتيريا وغيرها، مما يتطلب الاستعانة بشركات متخصصة في نظام المعالجة.
أما بحيرة 23 يوليو، فقد أصبحت ملوثة، وتنبعث روائح كريهة من الحديقة المجاورة لها مثل غاز هيدروكبرتيتك السام وغيرها من الغازات الأخرى نتيجة استنفاد الأكسجين بهذه البحيرة ببفعل مياه الصرف الصحي التي تتجاوز 60 ألف مترا مكعبا تصب يوميا في البحيرة، وانتهت بها مظاهر الحياة وتحولت إلى بحيرة مجاري، وقدمنا اقتراحات في السابق لكن للأسف لا حياة لمن تنادي.

• هل من بارقة أمل نحو تنظيفها وعودتها إلى الحياة مجددا؟
- نعم هناك أمل، تقدمت الحكومة اليابانية بعرض لتنظيف البحيرة، ولكن مع الأسف تم اجهاض هذا المشروع، وفي العام 2009 بدأت شركة كندية في تعميق البحيرات وتنظيفها، وكان هناك مشروع لربط البحيرات الشمالية مع بحيرة 23 يوليو، وحفر قنوات لتجديد المياه، لكن توقف المشروع ورحلت الشركة بعد اندلاع ثورة 17 فبراير.
ونتمنى أن يعود تنفيذ هذا المشروع لآن البحيرة مهمة جدا لمدينة بنغازي فبنغازي تسمى مدينة البحيرات السبع، وعند التقاط صورة بالقوقل سوف تلاحظين بحيرة بودزيرة، وعين زيانة.

• هل تعاونت مع الحكومة في تقديم حلول؟
- خلال الفترة الماضية جاءتنا شركة أميركية تريد أن استخراج الطاقة من القمامة، وقد توجهت إلى شركة الخدمات العامة، وشرحت الموضوع، لكن المسؤول لم يفهم جيدا لأنه غير متخصص في البيئة، وقال لي سوف اتصل بك ولكن إلى الآن لم أتلقى منه أي اتصال وهناك خطأ فادح وهو القيام بمنطقة صناعية في مدخل المدينة من جهة الشرق منطقة «الرابش»، والتي من المفترض أن تقام فنادق بها فهي منطقة سياحية جميلة.

• كلمة إلى المسؤولين؟
- نحن حريصون جدا على البيئة ونتمنى من الجهات المسؤولة أن تهتم بموضوع البيئة فنحن نوجه حتى طلاب الماجستير إلى اختيار مواضيع تهتم بالبيئة والمحافظة عليها.
نتواصل مع شركات أجنبية تريد الاستثمار في القمامة ولكن للأسف ليس لدينا ضمانة لدعوتها للعمل هنا، ونتمنى تنشيط دور القطاع الخاص في هذا المجال.

المزيد من بوابة الوسط