أدوية الأمراض المزمنة: نقص.. غلاء.. وعدم فعالية

على عكس المعتاد، بات الدواء سببا في ازدياد آلام المواطن الليبي، وتحول إلى سبب في إرهاق حالته النفسية وانحدار وضعه الصحي، بسبب نقصه وغلائه وعدم فعاليته.

فمنذ توقف جهاز الإمداد الطبي في السنوات الأخيرة عن توفير أدوية الأمراض المزمنة، لم تعد قطاعات كبيرة من المرضى قادرة على شراء الدواء بأسعار الصيدليات التجارية، الذي قد توفره أو لا توفره الشركات الخاصة.

ففي طرابلس، يسعى أحد المواطنين لعلاج زوجته المصابة بورم سرطاني منذ عامين، ويحسب التكاليف التي اضطروا لدفعها ثمن الدواء قائلا: «بداية كان سعر الجرعة 1000 دينار، ثم أصبح 8000 دينار، ووصلت إلى 10000 دينار. وكلفتنا 4 جرعات 17000 دينار»، موضحا أن الحالة تحتاج إلى 3 جرعات كيماوي كل 21 يوما.

الزوج الذي لا يتقاضى مرتبا من الدولة، كلفه علاج زوجته على نفقته الشخصية خلال تلك المدة، نحو 90 ألف دينار ليبي (65 ألف دولار)، اضطر، كما يقول، إلى بيع بعض ممتلكاته ليتمكن من توفير ثمن جرعات الكيماوي.

وأشار إلى أن «الدولة، التي أوفدتهم للأردن لغرض استكمال العلاج، تكفلت ببعض المصاريف»، متأسفا من أن «أدوية الأورام ليست متوافرة للمرضى، لا عن طريق القطاع الحكومي، ولا عن طريق القطاع الخاص»، وهو ما اضطرهم الذهاب للأردن، بحسب قوله.

سليمان عاشور، من مدينة الزاوية أجرت زوجته التي تعاني مرض القلب عملية قسطرة، فال: «علاجها يتطلب 5 أنواع من الأدوية، وتبلغ تكلفة الأصلي منها 500 دينار شهريا»، حسب قوله.

ويتابع: «مع قلة السيولة، صرنا نبحث عن أي نوع (دواء مقلد)، المهم أن يكون رخيصا»، موضحا إمكانية ترك كل شيء، يتعلق بمعيشة الإنسان، لكن من المستحيل ترك الدواء، مستغربا حال من لا يملك المال لشرائه.

ويؤكد سليمان ضرورة أن توفر الدولة الدواء تجاه المريض. وهو لا يحمل الحكومة اللوم في ظل الوضع الأمني القائم، مذكرا بسلبيات المواطن عندما كان سابقا يرمي الدواء بعد استهلاك جزء منه، ثم يتوجه للمركز الصحي ليأخذ غيره «زمان لما كان الدواء متوفر ياخذو ويلوحو فيه. فيه اللي يستهلكه مرة ويلوحه ويمشي ياخذ ثاني».

بينما يرى عاشور إحليلة أن الوضع الذي يعيشه المواطن، له علاقة بمرض السكري، ويرجو من الجهات الحكومية توفير الدواء لرفع المعاناة عن المريض، حيث يقول: «في بعض الأحيان تجد الدواء منتهي الصلاحية، وفي أحيان تبحث عنه ولا تجده».

ويشير إحليلة وهو مريض بالسكري، قائلا: «توفير دواء السكر مهم، لأن أغلب الناس مرضى بهذا النوع من المرض، والمواطن الكادح غير قادر على شراء الأدوية، في الوضع الحالي»، ويتأسف للحال الذي وصل إليه المواطن قائلا: «إن شاء الله يستطيع شراء غذائه».

ويقول عما يراه استغلال الصيدليات التجارية للمواطن: «لا توجد أسعار ثابتة في الصيدليات، وكل صيدلية تبيع الدواء بثمن، ويستغلون المواطن». ويعزي السبب في مسألة هذا الاختلاف «لعدم وجود رادع لهؤلاء (الصيدليات) ولعدم وجود من يتابعهم (الجهات الرقابية والضبطية)».

إلهام مختار، طبيبة صيدلانية عددت الأدوية التي توصف لحالات المرض المزمن، وأسعارها في الصيدليات التجارية، حسب كل تخصص. فلمرضى القلب «يوصف (أدالات، 30 حبة). ويوصى المريض أحيانا بحبتين في اليوم، فتنتهي العلبة في 15 يوما، مما يضطره لتوفير جرعة أخرى، تثقل كاهله، خصوصا وثمن أدوية هذا المرض تتراوح بين 60 و70 للأصلي».

ولنفس المرض، تذكر «أقراص (كوردارون)، الذي يفوق سعره 100 دينار للشركة الفرنسية، ومؤخرا وفرت شركة تونسية الدواء بـ34 دينارا»، كما تشير.

وعن أدوية حساسية الصدر والربو ضربت الطبية الصيدلانية حنان أرحومة ثلاثة أمثلة: «دواء (فوراديل) وثمنه 135 دينارا، و(سيريتايد) في حدود 120 دينارا ومافيزون بين 200 و400»، وعن الأخير تقول: «العلبة تحتوي (60 حبة) توصف مرتين في اليوم، أي كل شهر يلزم المريض بشراء علبة ثمنها 96 دينارا للدواء الأصلي، ومؤخرا تم توفيره بثمن 9 دنانير للشريط الواحد، وهو غير أصلي».

وحول أدوية السكري، تقول ملاك نصرات: «بدل أن يقوم القطاع الحكومي بتوفيره كل شهر، يوفره فقط مرة كل شهرين إلى ثلاثة أشهر».

تتابع نصرات، الموظفة في صيدلية السكر بمجمع العيادات بمدينة الزاوية، قائلة: «الجرعة التي نعمل على صرفها، عن طريق الكتيب مجانا للمرضى البالغ عددهم 2154، لا تكفي بعضهم، لأن هناك من يحتاج لأكثر من جرعة».

وتواصل: «هناك من لا تكفيه جرعة واحدة، ما يضعنا في مشاكل ليس لنا يد فيها مع أصحاب البطاقات، والذين يضطروا لشراء الجرعات التي تنقصهم من الصيدليات التجارية بسعر يفوق قدرتهم».

وتقول فاطمة محمد التي تعمل في صيدلية خاصة، بمدينة العجيلات (80 كلم غرب طرابلس): «أتتني وصفات طبية لمرضى ضغط الدم والقلب لكبار السن، قال أبناؤهم إنهم تعرضوا لجلطة، نظرا لعدم قدرتهم على توفير الدواء».

وتروي فاطمة قصة من داخل المجتمع الذي يعاني الناس فيه صعوبة الوصول لمرتباتهم أو توفير المال الكافي لشراء أدوية تكلفهم الكثير: «جاءني مريض، يحمل سلعة غذائية طلب مني إمكانية استبدالها بدواء ليس لديه ثمنه».

محمد الحراري قنديل، مدير الرعاية الصحية الأولية بإدارة الشؤون الصحية بالزاوية يعزي نقص الدواء وبشكل رئيسي إلى جهاز الإمداد الطبي لعدم استيراد وتوزيع الأدوية، مضيفا: «... والدولة تعتبر مقصرة في هذا الجانب، لأنه منذ العام 2015 لم تستورد أدوية خاصة بالأمراض المزمنة، خاصة لأمراض القلب والسكري والأعصاب».

ويشير قنديل إلى «عدم توافر أدوية الأعصاب في الصيدليات الخارجية (التجارية)، حيث إن ثقلها على المواطن كونها غالية الثمن، إضافة لعدم توفرها في كل الأماكن».

ويلاحظ مدير الرعاية الصحية وجود أدوية مستوردة، قائلا: «ذات فعالية سيئة جدا. من شركات متدنية». الأمر الذي يجعل المريض «يتناول علاجا بلا فائدة»، كما يقول، مطالبا الدولة بالسعي لتوفير أدوية الأمراض المزمنة لرفع المعاناة عن المرضى.

أنور المسعودي، طبيب أمراض السكري، من مدينة الزاوية، يتابع حالات أمراض السكري منذ 12 عاما، ويؤكد وجود «ازدياد مطرد لحالات مرضى السكري في ليبيا، خصوصا لدى الأطفال (مصابين بالنوع الأول)». ويقول المسعودي إن نقص الدواء لأي سبب، له خطورة على المريض.

كما يشير إلى خطورة منتهي الصلاحية منه وغير المحفوظ بشكل صحيح، حيث يوجد منها ما هو «مرفق بتاريخ صلاحية غير حقيقي. وخطورتها تكمن في فقدها الخصائص الكيميائية وفعاليتها الطبية».
ويرى المسعودي أن الحلول لا تأتي من أسفل، بل من أعلى بتفعيل الجهات الرقابية المسؤولة عن متابعة الدواء. ويرى ضرورة «تفعيل لجان تتبع وزارة الصحة يناط بها توفير الدواء»، مضيفا «هناك نسب كبيرة من المصابين بالأورام. من الضروري تشكيل لجان لعد وحصر الحالات بشكل دقيق، حتى يتم توفير الجرعات الإشعاعية والكيميائية لهم. علما بأن هذا المرض لا ينتظر العلاج ولابد من توفيره بشكل سريع».

مؤسسة القلب الواحد لأمراض السكر الاجتماعي تأسست في مدينة الزاوية لرفع المعاناة عن المواطن البسيط الكادح من ناحية غلاء أسعار الأدوية، والأدوية التي فقدت فعاليتها بسبب سوء الحفظ أو بانتهاء صلاحيتها. كما ذكر في أهدافها. يقول سالم أبو دربالة عضو مؤسس بالجمعية: «سنجري أكثر من استبيان داخل الصيدليات، يوضح أصحابها لنا طريقة استجلاب الأدوية، وأي الشركات يتعاملون معها، لمعرفة ما إذا يمكن استخدام هذه الأدوية أو التوقف عنها وعدم استيرادها مستقبلا».

ويرى أن الدواء من حق المواطن المصاب بالداء. لأن المرض ما هو إلا نتيجة لعوامل ساهمت فيها الدولة بالدرجة الأولى: «الانهيارات العصبية، التي تؤدي إلى تحويل المواطن السليم إلى مريض سكري. ويجب على الدولة تحمل ثمن هذه الأدوية وتكاليف العلاج. ولا ننسى أن لمريض السكري غذاء خاصا».

وعن مسؤولية الدولة يفصل المتحدث: «إما تدفع قيمة مالية للمريض، خارج برنامج وقيمة التضامن الاجتماعي. وتكون قيمة رسمية تدفع للمريض مباشرة أو تساهم الدولة في استجلاب الأدوية لكل مريض على حدة».

المزيد من بوابة الوسط