«تشاتام هاوس»: البرنامج الاقتصادي في ليبيا ينبغي أن يصحبه إصلاح أكبر

المؤسسة الوطنية للنفط. (الإنترنت)

قال المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس)، إن برنامج الإصلاح الاقتصادي الجديد في ليبيا يتحتم أن يصاحبه إصلاحات أوسع نطاقًا في البلد، حتى لا يصبح مجرد حل مؤقت.

وكانت حكومة الوفاق الوطني قد اعتمدت في سبتمبر الماضي، برنامج الإصلاح الاقتصادي بتوافق بين رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فائز السراج ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، ومحافظ مصرف ليبيا المركزي الصديق الكبير.

وأضاف المعهد، في تقرير أول من أمس الإثنين، أنه دون إصلاحات هيكلية مصاحبة، فسيقدم برنامج الإصلاح الاقتصادي حلًا قصير الأجل فقط، مشيرًا إلى أن القتال الأخير في طرابلس يوضح الروابط  المعقدة بين السيطرة على توزيع إيرادات الدولة والصراع الدائر فيها، لذا ينبغي أن تتضمن أي تسوية سياسية مستدامة مكونات اقتصادية.

إصلاحات طال انتظارها

يتمثل أحد الأهداف الرئيسية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي في كبح استغلال موارد الدولة، على يد أولئك الذين يمكنهم الوصول إلى النقد الأجنبي بالسعر الرسمي (1.38 دينار ليبي لكل دولار)، ومن ثم يبيعونه بسعر السوق السوداء (5.3 دينارات للدولار) .

وقال معهد «تشاتام هاوس» إن هامش الربح من تلك العملية وفر فرصة لنطاق واسع من عمليات الاحتيال، لا سيما من خلال خطابات الاعتماد المستندية التي افُتتحت لاستيراد البضائع، مضيفًا أنه لتحجيم تلك العملية ستفرض رسوم على معاملات العملة الأجنبية، لتقليل هامش الربح حتى يكون السعر الرسمي المدفوع قريبًا من 4 دينارات للدولار.

وأوضح أن تلك العملية لا ترقى إلى أن تكون تخفيضًا للعملة الذي دعا له العديد من الاقتصاديين، مضيفًا أن جمع مبالغ كبيرة من الأموال في صورة «رسوم» قد يتيح الفرصة لتحويل المزيد من الأموال، وأن الأثر الفوري على الأسواق قد يتمثل في زيادة الأسعار في حال بدأت الأعمال التجارية في  تمرير الزيادة في التكلفة.

وفي ما يتعلق بالدعم على الأخص دعم الوقود، نص برنامج الإصلاح الاقتصادي على إعادة النظر في الدعم، مع زيادة المخصصات العائلية السنوية حينها بنحو 500 دولار سنويًا للتعويض عن أثر ذلك الاقتطاع في الدعم.

وذكر معهد «تشاتام هاوس»  أن تدفق المزيد من الدولارات إلى السوق سيؤدي على الأرجح إلى تقوية الدينار أمام الدولار، لكنه أشار إلى أنه عندما حدث ذلك في السابق فقد استمر لفترة وجيزة.

وقال: «في حين أن تلك الإصلاحات الاقتصادية قد تخفف بعض المشاكل الاقتصادية في ليبيا، فهي تفتقر إلى القدرة على حلها، وقد تزيد من تفاقم بعض المشاكل، في حال أدت التغيرات إلى زيادات في الأسعار»، لافتًا إلى أنه لا يجب التقليل من نفوذ أولئك الذين يسيطرون على السوق غير المشروعة عن طريق العنف والفساد.

فرصة لزيادة الشفافية

قال معهد «تشاتام هاوس» إن أخبار برنامج الإصلاح الاقتصادي غطت على تطور آخر مهم في ليبيا، وهو رسالة بعث بها رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق في العاشر من يوليو الماضي إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يطلب التدقيق في عائدات ونفقات ومعاملات كل من مصرف ليبيا المركزي في طرابلس ومنافسه في الشرق، واصفًا الخطوة بأنها «غير مسبوقة».

رغم الكشف عن تفاصيل عملية المراجعة التي طلبها السراج، رأى المعهد أنه وفقًا للمؤشرات الحالية فإنها ستكون مراجعة خفيفة ولن ترقى إلى أن تصبح عملية تدقيق شاملة تتطلب إثبات حسابات البنوك وعمليات الكشف المالي.

وأوضح أن عملية المراجعة يُنظر لها باعتبارها فرصة سياسية للترويج لإعادة توحيد المصرف المركزي المنقسم منذ العام 2014، لافتًا إلى أن مصرفا مركزيا موحدا من شأنه أن يجعل الإدارة الاقتصادية، وإعداد الموازنة والإصلاح المالي أكثر تأثيرًا على صعيد الإجراءات والتطبيق في أنحاء البلد، فضلًا عن كونه عنصرًا مهمًا في استعادة حوكمة فعالة.  

ورأى المعهد أن تلك الفرص السياسية لا ينبغي أن تحجب كليًا إمكانية إضفاء بعض الشفافية على نفقات الدولة، معتبرًا أن ذلك الأمر مهمًا في ضوء أن توزيع إيرادات الدولة في ليبيا هو من أكثر العمليات إبهامًا في العالم.

الإصلاحات ينبغي أن تعالج أزمة توزيع الموارد

قال معهد «تشاتام هاوس» إن إطار العمل المؤسسي في ليبيا الذي يمتاز بالمركزية المفرطة يعني أن السيطرة على مؤسسات الدولة في طرابلس هي سيطرة أيضًا على عملية توزيع موارد الدولة، وهو الأمر الذي بدا واضحًا من العنف الأخير في طرابلس والهلال النفطي.

واعتبر أن إدخال تغييرات على وسائل توليد الإيرادات في طرابلس لا يحل المشكلة الأساسية المتمثلة في المركزية، والتي هي محرك الصراع.

وفي حين أن بذل الجهود لتقليص الفرص المتاحة للذين يستفيدون من موارد الدولة الليبية وإعادة توحيد المؤسسات الليبية هي مساعي جديرة بالاهتمام، قال المعهد إنه ينبغي في الوقت نفسه أن تسعى الأمم المتحدة وشركاؤها الدوليون إلى ربط تلك الجهود بمقاربات قصيرة الأجل مع محاولات لدعم المزيد من الإصلاح الجوهري.

واختتم المعهد تقريره بالقول بإن «مثل هذا الإصلاح سياسي بطبيعته وبالتالي لا يمكن تحقيقه إلا كجزء من تسوية سياسية وليس في بعدها».