«واشنطن بوست»: اشتباكات طرابلس كشفت فشل الجهود الغربية و«ضعف» حكومة الوفاق

عناصر من قوات موالية لحكومة الوفاق الوطني في أحد نقاط التفتيش جنوب طرابلس (واشنطن بوست)

قالت جريدة «واشنطن بوست» الأميركية إن صعود المجموعات المسلحة، التي أشعلت خلال الأسابيع الماضية أسوأ موجة عنف شهدتها ليبيا خلال أربع سنوات، كشف ضعف الجهود الغربية لإرساء الاستقرار في ليبيا، وفتح نافذة لتنظيم «داعش» للتواجد من جديد في شمال أفريقيا.

ورغم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في طرابلس، الأسبوع الماضي، ذكرت الجريدة في تقرير نشرته اليوم الثلاثاء أن قليلاً من المراقبين يتوقعون انتهاء أعمال العنف في طرابلس، مع استمرار المجموعات المسلحة في السعي خلف طموحها الاقتصادي واستمرار الخصوم بينها.

ورأت الجريدة الأميركية أن «جولة الاشتباكات الأخيرة في طرابلس هي الدليل الأكثر وضوحًا على تداعي الاستراتيجية التي تبنتها الأمم المتحدة والقوى الغربية في ليبيا عقب الإطاحة بمعمر القذافي العام 2011، التي اعتمدت على إنشاء حكومة الوفاق الوطني لإحلال الاستقرار والسلام»، وقالت إن «حكومة الوفاق، منذ وصولها العاصمة طرابلس، اعتمدت بشكل كبير على مجموعات مسلحة لبسط سيطرتها بالدولة، كما أن كثيرًا من الليبيين اعتبروا الحكومة مجرد سلطة مفروضة من القوى الخارجية».

ونتيجة لذلك، قالت «واشنطن بوست» إن «تلك المجموعات المسلحة باتت تتنافس على العاصمة، ودخل كثير منهم في تحالفات مع آخرين لتشكيل مجموعات أكبر وأكثر قوة، هدفها فرض نفوذها سياسيًّا، والسيطرة على الأراضي، والفوز بنصيب من الثروات المالية وأهمها الاحتياطات النفطية، التي تعد الأكبر في أفريقيا».

اقرأ أيضًا: «جريدة الوسط»: حرب العاصمة صناعة محلية أم لها خيوط خارجية؟

الجولة الأعنف منذ 2014
وفي هذا الشأن، قال الباحث في مركز «كارنيغي» للسلام الدولي، فريدريك ويري: «ما شهدته طرابلس مؤخرًا هو التصعيد الأكبر الذي نراه منذ صيف العام 2014»، وقال إن «ذلك يعد ضربة قوية لخطة العمل الأممية المعلنة، وتقوِّض فرص الانتقال إلى حكومة جديدة بعد حكومة الوفاق القائمة»، فيما قال الباحث في المعهد الألماني للدراسات الدولية والأمنية، وولفرا لاخر، إن «المجموعات المسلحة تطورت إلى شبكات إجرامية منخرطة في التجارة والسياسة والإدارة».

وقال لاخر إن «نهب موارد الدولة أصبح سمة مميزة للاقتصاد السياسي في ليبيا، ويصب لصالح فئة صغيرة، مقارنة بالوضع قبل العام 2011. الأطراف التي جرى إقصاؤها من هذا الترتيب تعمل على بناء تحالفات جديدة لعكس ميزان القوى في طرابلس بالقوة».

وبدورها قالت الباحثة ماري فيتزجيرالد: «الاشتباكات الأخيرة تسلط الضوء على ضعف حكومة الوفاق الوطني، وحقيقة أنها (أي الحكومة) تعتمد على المجموعات المسلحة أكثر مما تعتمد عليها الأخيرة. فكلمة فائز السراج ليس لها تأثير».

بينما أرجع محللون، نقلت عنهم الجريدة، دون ذكر أسمائهم، دوافع اشتباكات طرابلس الأخيرة إلى «مشاعر استياء وغيرة نمت لدى بعض المجموعات المسلحة»، وقالوا: «الصفحات الشخصية لقادة المجموعات المسلحة الموالية لحكومة الوفاق على فيسبوك زخرت بصور ومنشورات تعكس نمط الحياة السخي والرغيد لهؤلاء، من سيارات فارهة وعطلات باهظة الثمن، في الوقت الذي يعاني فيه غالبية الليبيين أوضاعًا اقتصادية صعبة».

اقرأ أيضًا: سلامة: من الصعب الالتزام بموعد الانتخابات في 10 ديسمبر المقبل

فرص إجراء الانتخابات
وعلى صعيد آخر، حذرت «واشنطن بوست» من أن اشتباكات طرابلس تقوِّض آمال إجراء انتخابات وطنية نهاية العام الجاري، بموجب إعلان باريس، وهي خطوة تعتبرها الأمم المتحدة ضرورة لتحقيق الاستقرار السياسي.

ويبدو أن الدعم الدولي خلف إجراء انتخابات هذا العام أخذ في التراجع نتيجة اشتباكات طرابلس، وبدا هذا واضحًا في التصريحات الأخيرة للمبعوث الأممي غسان سلامة، التي أقر فيها بصعوبة الالتزام بالموعد المحدد للانتخابات في العاشر من ديسمبر، بسبب أعمال العنف والتأخر في العملية الانتخابية.

وقال سلامة، في مقابلة مع «فرانس برس» مساء السبت: «ما زال هناك عمل هائل يجب القيام به. قد لا نتمكن من الالتزام بموعد العاشر من ديسمبر»، معتبرًا أن «أي اقتراع لا يمكن أن يجرى قبل ثلاثة أو أربعة أشهر».

لكن كثيرًا من المحللين يرون صعوبة تحقيق ذلك في المستقبل القريب، ورأوا أن «الأمم المتحدة لم تفعل الكثير لإخراج المجموعات المسلحة خارج طرابلس، وإبعادها عن أدوار الحكومة خلال العامين الماضيين. وبدلاً عن ذلك، اعتمدت على المجموعات المسلحة لتوفير الأمن في العاصمة والوزارات والسفارات ومنشآت الأمم المتحدة».

اقرأ أيضًا: رصد عناصر من «داعش» شرق سرت

نافذة جديدة لـ«داعش»
وعلى صعيد آخر، تحدث تقرير «واشنطن بوست» عن الهجوم الذي شنه مقاتلو تنظيم «داعش» على المؤسسة الوطنية للنفط، في خضم الاشتباكات المسلحة التي دارت بالعاصمة، وقال إن هذا مؤشر قوي على نية التنظيم العودة من جديد في ليبيا واستغلال فراغ السلطة الموجود.

وقال الباحث فريدريك ويري: «الوضع الحالي يوفر البيئة المثالية لظهور داعش. ويوفر لهم المساحة المطلوبة للتحرك بحرية أكبر. فتركيز الفصائل الليبية على قتال بعضها البعض بدلاً عن احتواء خطر داعش يعد مكسبًا للتنظيم، ويمكنه من تنسيق مزيد الهجمات وتجنيد مقاتلين جدد».

وتابع أن «اشتبكات طرابلس تصب أيضًا لصالح قائد الجيش المشير خليفة حفتر، وتعزز نظريته القائلة إن ليبيا بحاجة إلى نظام حكم عسكري لإرساء الاستقرار».