البرلمان يقفز على عقدة قانون الاستفتاء بـ «التوقيع»

إحدى جلسات مجلس النواب. (الإنترنت)

أقدم مجلس النواب هذا الأسبوع على خطوة لتحريك المسار المعطل بشأن الإطار الدستوري للانتخابات في البلاد، بعد أن أقر خلال جلسته التي عقدت الإثنين الماضي قانون الاستفتاء على مشروع الدستور وتعديل الإعلان الدستوري ليتوافق مع نصوص القانون، فيما اعتبره مراقبون حلا ورقيا يتجاوز عقدة الفشل التي لاحقت المجلس خلال عدة جلسات.
وكان جمع توقيعات النواب هو الحل لتجاوز مأزق عدم اكتمال النصاب اللازم للتصويت على القانون والبالغ 119 صوتا، وفي هذا السياق قال الناطق باسم مجلس النواب عبدالله بليحق، إن إقرار «التعديلات الخاصة بمشروع قانون الاستفتاء على الدستور الدائم للبلاد كان عن طريق توقيع أكثر من 135 عضوا من المجلس بالموافقة». لكن رئيس لجنة العدل والمصالحة الوطنية بمجلس النواب، الهادي الصغير، قال إن عدد التوقيعات بلغ 126 عضوا يحقق النصاب القانوني اللازم لإجراء التعديل الدستوري، مؤكدا أن «هذا العدد هو العدد النهائي بعد انسحاب بعض الموقعين».

وينظر مراقبون إلى أهمية التوقيع على هذا القرار، في ضوء تصريحات متزامنة صدرت عن رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فائز السراج خلال الاجتماع الوزاري المنعقد حول ليبيا على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، والتي عبر فيها عن «أسفه البالغ لموقف مجلس النواب الذي لم يف بوعده، ولم يلتزم باستحقاقاته في إقرار القاعدة الدستورية المطلوبة للانتخابات، كما لم يقم بواجباته فيما يخص الإصلاحات»، قائلا إن «هذا المجلس ما زال غائبا أو مغيبا عما يجري في البلاد».

العريبي وزياد ادغيم: إصدار قانون الاستفتاء يرتب إعادة تشكيل المفوضية العليا للانتخابات

وفي تفاصيل ما جرى التوقيع على القانون، الذي أحاله مجلس النواب إلى المفوضية العليا للانتخابات أمس الأربعاء، قال عضو اللجنة التشريعية بالمجلس صالح افحيمه، إن إقرار قانون الاستفتاء وتعديل الإعلان الدستوري جاء «وفقا لما تم الاتفاق عليه خلال الجلسة السابقة وبتوقيع الأعضاء»، موضحا أنه جرى «الاتفاق على التعديل في المادة الثلاثين (بالإعلان الدستوري) بحيث يتم تقسيم البلاد إلى ثلاث دوائر (برقة وفزان وطرابلس) وإضافة شرط أن يتم الحصول على 50%+1 من المقترعين لكل دائرة ثلثا المقترعين على كامل البلاد وبهذا التعديل تم تحصين المادة السادسة والقانون». عضو المجلس عبدالسلام نصية قال «إن الشعب الليبي سوف يقول كلمة الفصل في مشروع الدستور إما بنعم أو بلا قانون الاستفتاء وتعديل الإعلان الدستوري بعد هذا التصويت».

معارضة
ولم تمر هذه الخطوة دون معارضة داخل المجلس، إذ أعضاء مجلس النواب عن إقليم برقة، أن ما قام به بعض النواب بتجميعهم توقيعات لغرض تمرير قانون الاستفتاء ليتحصلوا على الغالبية الموصوفة، انتهاكا صارخا للقانون والدستور. وحذر نواب برقة في بيان من مغبة هذا التصرف والاستمرار بنهج التحايل والخداع من قبل بعض النواب ومغبة تحول ذلك إلى مزيد من التخبط والانقسام، محملين هؤلاء النواب المسؤولية كاملة جراء هذه التصرفات.

أعضاء بالمجلس اعتبروه مخالفا للنظام الداخلي للبرلمان والقانون

ووصف عضو مجلس النواب، سليمان سويكر، قرار المجلس حول تعديل الإعلان الدستوري بالتوقيعات، لتمرير قانون الاستفتاء، بأنه «إجراء مخالف للنظام الداخلي للبرلمان والقانون»، مشيرا إلى أن «قانون الاستفتاء لم يتم التصويت عليه داخل القاعة، مما يعد انتهاكا للنظام الداخلي للبرلمان»، وقال إنه «سيتوجه هو وبعض النواب للطعن في هذه القرارات المخالفة والتزوير الذي حدث في التوقيعات أيضا».

سويكر قال : «منذ شهر تقريبا كان هناك نقاش حول بعض مواد القانون التي تتعارض مع الإعلان الدستوري، وضرورة تحصينه بتعديل الإعلان الدستوري، وبالفعل قمنا نحن النواب بالتوقيع على تعديل الإعلان الدستوري على أن يتم عرضه علينا من اللجنة التشريعية للتصويت عليه، ثم تفاجأنا أمس باستغلال تلك التوقيعات دون عرض التعديل من اللجنة التشريعية أو مناقشته داخل القاعة، لذلك طالبنا بضرورة شطب أسمائنا من الورقة، لأن هذا إجراء مخالف للنظام الداخلي للبرلمان والقانون». وتابع: «لو كان يحق للمجلس إجراء تعديل دستوري بالتوقيعات كما تم أمس كنا استطعنا تضمين الاتفاق السياسي منذ ثلاث سنوات».

أما عضو مجلس النواب، مصباح دومة، فقال إنه «إذا كانت القوانين والقرارات عن طريق التصويت في مجلس النواب، وإعطاء الثقة للحكومة بالاقتراع السري مسموح به، فمن باب أولى أن يحذو التعديل الدستوري الحذو نفسه، وأن يحضر الأعضاء الموقعون إلى جلسة رسمية والتصويت لكي لا يكون هناك تشويش على التعديل، ومخالفة للائحة الداخلية الصادرة بقانون رقم 4 لسنة 2014 الفصل الثاني (التصويت) من المادة 138 إلى 142.

وتابع: «نحن مع أن يقول الشعب الليبي كلمته في مشروع الدستور، غير أنه من المفترض وجود خطة كاملة تتضمن دسترة الاتفاق السياسي»، مشيرا إلى «ما اتفق عليه مجلسا النواب والدولة التي كلف بها رئيس لجنة الحوار في الجلسة الاستثنائية المنعقدة يوم الخميس بتاريخ 13 سبتمبر 2018، التي مرر فيها قانون الاستفتاء والتوافق على إجراء تعديل دستوري شامل، غير ذلك فإن التعديل الدستوري بهذه الطريقة قفز على المراحل، فلا تستطيع القيام بالاستفتاء دون وجود سلطة تنفيذية ومؤسسات مدنية وأمنية وعسكرية موحدة، تحمي صناديق الاستفتاء من العبث كما حصل في انتخاب بعض البلديات».

وأضاف «من باب أولى القيام بالاستفتاء على استمرارية المجلس وفق الإعلان الدستوري، وإلغاء التمديد الساري المفعول الآن ما دام رفع العائق الذي مدد على أساسه مجلس النواب ولايته»، مؤكدا أن «المرحلة الانتقالية الحالية يجب أن نضع لها نهاية بخطة متكاملة، تسلم من خلالها السلطة إلى جسم منتخب وفق دستور دائم، وفي وجود مؤسسات موحدة للحفاظ على وحدة البلد المعرضة للتفتت في ظل الانقسام السياسي القائم».

أما عضوا مجلس النواب عيسى العريبي وزياد دغيم، فقد ناقشا القانون من زاوية أخرى، إذ رأى النائبان أن إصدار قانون الاستفتاء «يرتب إعادة تشكيل المفوضية العليا للانتخابات، وفق نص الإعلان الدستوري وعلي المفوضية احترام القضاء، وصحيح القانون وندعوها إلى الحياد».

ورفض النائبان إحالة مسودة الدستور إلي المفوضية العليا لوجود حكم قضائي صادر بصيغة تنفيذية يمنع إحالتها، وطالبا كل الأجسام السياسية الحالية بالخروج الفوري والسريع من المشهد السياسي بدون استثناء، وذلك «عبر انتخابات برلمانية جديدة لمرحلة انتقالية رابعة».
لم يتوقف الأمر عند بوابة مجلس النواب، إذ أعرب أعضاء في لهيئة التأسيسية لصياغة الدستور عن قلقهم من الشكل اللذي مرر به مجلس النواب قانون الاستفتاء وقالت إعتماد المسلاتي عضو هيئة الدستور: إن «الهيئة التأسيسة كانت قد أنهت عملها في إعداد المسودة المقترحة لمشروع الدستور منذ أكثر من سنة مضت وظل مجلس النواب يتلكأ ويماطل منذ ذاك الوقت في محاولة لتعطيله بسبب رفض أعضائه لبعض نصوص ومواد المشروع الذي وزع على النخب السياسية في أرجاء البلاد لإبداء الملاحظات حوله». المسلاتي أضافت إن «أعضاء مجلس النواب خرجوا عليهم بقانون لا تعلم مدى قانونيته ، متسائلة عن جواز إصدار قانون لتعديل الدستور بدلا عن الاعتماد على نص الإعلان الدستوري غير القابل للتعديل أساسا ولكنه غير مرضي عنه من قبلهم، حسب قولها.

وأمام هذه الاعتراضات، قال عضو مجلس النواب علي السعيد إنه جرى التأكيد على «تحصين قانون الاستفتاء بعد التأكد من عدد النواب الموقعين على هذا التحصين والوصول للنصاب المطلوب لذلك أيضا أعلن رئيس المجلس الأول من أكتوبر المقبل كموعد لإعادة هيكلية لجان البرلمان»، لكن ووسط هذا الجدل يبقي التساؤل قائما حول ما إذا كانت تلك الخطوة حلا مبتكرا للأزمة، يلقى اعتراضات لكنه سيحمل حلا شافيا، أم أنها عقدة جديدة تضاف إلى عقد المشهد الليبي، وتمدد عمر المأساة التي يعيشها المواطن الليبي إلى أجل آخر.

المزيد من بوابة الوسط