«جريدة الوسط»: حرب العاصمة صناعة محلية أم لها خيوط خارجية؟

اشتباكات طرابلس. (أرشيفية: الإنترنت)

استعادت العاصمة طرابلس مظاهر الهدوء، بعد أكثر من ثلاثة أسابيع من الهلع والتوتر عاشها سكان معظم أحيائها خاصة الجنوبية منها، جرّاء دوي انفجارات القذائف الصاروخيّة التي كانوا يسمعونها حتى ساعات الفجر الأولى، وبدأت الحياة تعود تدريجياً إلى حالتها الطبيعية مع انسحاب قوات ما يسمى بـ«اللواء السابع» و«لواء الصمود» الذي يقوده الضابط السابق صلاح بادي.

وبدأت عدة جهات إعادة الحياة إلى طبيعتها، إذ شرعت مديرية أمن طرابلس في حملة لإزالة آثار الاشتباكات وفتح الطرقات العامة، وإزالة العوائق، فيما شوهدت بالفعل عمليّات إزالة السواتر الترابية في عدد من الطرق الرئيسة، وتمت إزالة العديد من السواتر الترابية وفتح طرقات مغلقة في بعض مناطق الاشتباك بنواحي صلاح الدين، وخلّة الفرجان وطريق المطار. وجرى فتح الطرق وإزالة العوائق في كل من: طريق الشط ومنطقة عرادة الرابطتين بين منطقتي سوق الجمعة وتاجوراء شرق العاصمة.

ورحَّب المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني يوم الأربعاء، بالتهدئة وعودة الهدوء إلى مناطق الاشتباكات بضواحي العاصمة طرابلس، مثمناً في بيان له «المواقف الوطنية من كل الأطراف، على الاستجابة للأهداف السامية لوقف إطلاق النار، وحقن دماء الأبرياء وتغليب مصلحة الوطن فوق أي اعتبار آخر».

التهدئة تضمنت تثبيت وقف إطلاق النار حسب اتفاق الزاوية، والتأكيد على ضرورة الالتزام بعدم التعرض للممتلكات العامة والخاصة

وأكد المجلس أنه «ماضٍ قدماً في تنفيذ الترتيبات الأمنية وفقاً لما اتخذه من قراراتٍ وإجراءاتٍ في هذا الشأن»، داعياً «جميع الأطراف للمشاركة الفعَّالة في إنجاح هذه الترتيبات بشكل مهني ومنظم»، وفقاً للمكتب الإعلامي لرئاسة الوزراء.

جاء ذلك عقب الإعلان عن اتفاق بين ما يسمى باللواء السابع وكتائب طرابلس، سعى لإنجازه شيوخ وأعيان المصالحة من طرابلس الكبرى وترهونة.

وصدّق وزير الداخلية المفوض عميد عبدالسلام عاشور الأربعاء على هذا الاتفاق الذي وقّع بين ممثلين عن مدينة طرابلس وممثلين عن مدينة ترهونة، باعتباره راعياً له، والذي تضمن تثبيت وقف إطلاق النار حسب اتفاق الزاوية، والتأكيد على ضرورة الالتزام بعدم التعرض للممتلكات العامة والخاصة, والالتزام بنشر خطاب التهدئة والإصلاح ونبذ صفحات التواصل المحرضة على الفتنة، على أن يتولى وزير الداخلية تشكيل قوة مشتركة من وزارة الداخلية وبمشاركة ضباط وضباط صف ذوي خبرة أمنية من المنطقة الغربية, وتوكل لهذه القوة المشتركة مهام تأمين جنوب طرابلس (صلاح الدين إلى قصر بن غشير) والمؤسسات المتواجدة بها, وذلك بالتنسيق مع آمر المنطقة العسكرية طرابلس.

وخلَّفت حرب العاصمة منذ اندلاعها في 26 من أغسطس الماضي حوالي 120 قتيلاً و500 جريح ونزوح خمسة آلاف عائلة، وفق إحصاءات متطابقة، مما صحّ أن يسميه سكان العاصمة بـ«سبتمبر أسود»، وجعل كثيراً من الليبيين يتساءلون، من يتحمل وزر هذه النتائج المأساويّة؟ وهل سيفلت المسؤولون عنها من العقاب مرة أخرى؟ وفي سياق الإجابة أكد مبعوث الأمم المتحدة ورئيس بعثتها للدعم في ليبيا، غسان سلامة ضرورة «التصدي لمسألة إفلات المجموعات المسلحة من العقاب»، وقال إنه «تجب معاقبة جميع مرتكبي الانتهاكات الجسيمة وفرض العقوبات، وتقديم الجناة للمحاكم الوطنية أو المحكمة الجنائية الدولية»، واعتبر سلامة في كلمته إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لإحاطته بالوضع في ليبيا يوم الأربعاء، أن «فرض عقوبات على ستة من المتاجرين بالبشر» يمثل «باكورة الخطوات المستحسنة لضعضعة ثقة مرتكبي الجرائم على ما تقترفه أيديهم».

وربما من أهم النتائج التي فرضتها الحرب الأخيرة، كانت إعطاء الترتيبات الأمنية في العاصمة الأولوية، والتعجيل بتحويل ما اتفق عليه بشأنها إلى عمل فوري على الأرض، وهو أيضاً ما ركّز عليه المبعوث سلامة في كلمته أمام مجلس حقوق الإنسان، بحثّه «السلطات الليبية على مراجعة الترتيبات الأمنية في طرابلس لتغيير الوضع الراهن غير المحتمل وغير القابل للاستمرار»، مشدداً على أن «الأمن لا يمكن أن يظل في قبضة المجموعات المسلحة»، ولم ينس سلامة التذكير بأن بعثته «تجمع الأدلة وتعد قوائم لتقديمها إلى مجلس الأمن لفرض عقوبات على مقوضي السلم والأمن في العاصمة الليبية».

كما يتساءل كثير من أبناء مدينة طرابلس ومتابعون الشأن الليبي، ما إذا كان الصراع على العاصمة قد انتهى، أم أن أمامه جولاتٍ أخرى في ظل استمرار الوضع على الأرض كما هو عليه الآن، بوجود المجموعات المسلحة وتوافر السلاح خارج شرعية الدولة، مع استمرار الفراغ الأمني الذي سببه غياب قوات نظامية من جيش وشرطة يمكن أن تعهد إليها مهمة حماية العاصمة وضمان إنهاء الأعمال العدائية المسلحة من قبل مختلف الأطراف.

وتبقى الإجابة غير مكتملة حتى الآن ترافقها الحيرة على السؤال المركب: لماذا كانت الحرب وكيف انتهت، وماذا حققت لمن أرادوا خوضها، وهل كانت صناعة محليّة بحتة، أم لها خيوطها وخطوطها الممتدة إلى الخارج، وقبل ذلك هل ستكون آخر الحروب؟

المزيد من بوابة الوسط