في ذكرى «يوم الشهيد»: عمر المختار .. الملحمة والرمز

«لو كان عندنا 10 مثل عمر المختار لاكتفينا بهم..» بتلك الكلمات الجامعة المانعة عبر الشيخ محمد المهدي السنوسي أحد زعماء السنوسية عن إعجابه المبكر بشخصية شيخ الشهداء عمر المختار، الذي تحيي البلاد اليوم الذكرى الـ87 يوم الشهيد تخليدًا لقصة كفاح هذا المناضل القادم من جوف الصحراء، والذي أبى إلا أن يختتم تاريخ البطولة والكرامة على مقصلة الاحتلال الإيطالي ببلدة سلوق جنوب مدينة بنغازي في مثل هذا اليوم من 1931.

ولد عمر المختار الذي يعود نسبه إلى بيت فرحات من قبيلة المنفة القاطنة في منطقة البطنان شرق ليبيا في 20 أغسطس 1858، بمنطقة جنزور شرق مدينة طبرق.

ولم يعايش عمر المختار والده طويلاً فقد توفي وهو طفل صغير، فكفله الشيخ حسين الغرياني شيخ الزاوية السنوسية في جنزور، وألحقه بمدرسة القرآن الكريم بالزاوية السنوسية «الكُتَّاب»، ثم أرسله إلى الجغبوب لينضم إلى طلبة العلم ليصبح تلميذًا في الطريقة السنوسية ذات البعد الصوفي.

العلوم الشرعية
تلقى المختار العلوم الشرعية المتنوعة، كالفقه والحديث والتفسير في معهد الجغبوب على مدى ثمانية أعوام، وكان من أشهر شيوخه الذين تتلمذ على أيديهم: السيد الزروالي المغربي، والسيّد الجوّاني، والعلّامة فالح بن محمد بن عبدالله الظاهري المدني وغيرهم كثير.

وشهد له شيوخه بالنباهة ورجاحة العقل ومتانة الخلق وحب الدعوة، وكان يقوم بما عليه من واجبات عملية أسوة بزملائه الذين يؤدون أعمالاً مماثلة في ساعات معينة إلى جانب طلب العلم، وكان مخلصًا في عمله متفانيًا في أداء ما عليه، ولم يعرف عنه زملاؤه أنه أجَّل عمل يومه إلى غده.

خلال سنوات دراسته في جغبوب، اكتسب المختار سمعة حسنة وقوية عند شيوخ الحركة السنوسية، وبلغت تلك السمعة من القوة أن قرَّر الشيخ محمد المهدي السنوسي أحد زعماء السنوسية اصطحاب عمر المختار معه سنة 1895 برحلته من الجغبوب إلى الكفرة في جنوب شرق الصحراء الليبية.

تلميذ السنوسية
وبعد هذه الرحلة اصطحبه السنوسي مرة أخرى في رحلة من الكفرة إلى منطقة قرو في غرب السودان، وعيَّنه هناك شيخًا لزاوية عين كلك، وقد مكث عمر المختار بالسودان سنواتٍ طويلة نائبًا عن المهدي السنوسي، حتى بلغ من إعجاب السنوسي به أن أصبح يقول: «لو كان عندنا عشرة مثل عمر المختار لاكتفينا بهم».

عيَّنه المهدي السنوسي في سنة 1897 شيخًا لبلدة زاوية القصور (بمنطقة الجبل الأخضر جنوب مدينة المرج)، وأبلى عمر المختار بلاء حسنًا في هذا المنصب رغم أن البلدة التي كُلِّف بإدارتها كانت تقطنها قبيلة العبيد التي اشتهرت بشدة البأس وصعوبة الانقياد.

وقد أدَّت علاقته الوثيقة بالسنوسيين إلى اكتسابه لقب «سيدي عمر» الذي لم يكن يحظى به إلا شيوخ السنوسية المعروفين، في زاوية القصور التي أحسن إدارتها حتى إن العثمانيين هنَّأوه على تمكِّنه من جلب الهدوء والاستقرار إليها بعد أن أعياهم ذلك.

في العام 1911 أعلنت إيطاليا الحرب على الدولة العثمانية، وبدأت إنزال قوَّاتها بمدينة بنغازي في 19 أكتوبر، وفي تلك الأثناء كان عمر المختار في مدينة الكفرة بقلب الصحراء في زيارة إلى السنوسيين، وعلم بخبر نزول الإيطاليين عندما كان عائدًا من هناك في طريق بواحة جالو.

مفترق تاريخي
مثلت تلك اللحظة مفترقًا تاريخيًا في حياة المختار، إذ لم يتردد في العودة إلى زاوية القصور لتجنيد أهلها من قبيلة العبيد لمقاومة الإيطاليين، وظل يقود المعارك ضد الطليان تحت إمرة أحمد الشريف السنوسي، الذي سلم القيادة للأمير محمد إدريس السنوسي الذي أصبح قائد المقاومة الليبية، وعين عمر المختار نائبًا له.

سافر عمر المختار في شهر مارس من العام 1923 إلى مصر بصحبة علي باشا العبيدي، وخالد الحمري، وإبراهيم المصراتي ليعرض على الأمير محمد إدريس نتيجة عمله، ويتلقى منه التوجيهات اللازمة.

واتفق مع الأمير إدريس أثناء وجوده بمصر على تفاصيل الخطة التي يجب أن يتبعها المجاهدون في قتالهم الطليان على أساس تشكيل المعسكرات واختيار القيادة الصالحة لهذه الأدوار، وأن تظل القيادة العسكرية لعمر المختار.

وزوده الأمير بكتاب يتضمن هذا المعنى، وجرى الاتفاق على بقاء الأمير في مصر ليقود العمل السياسي، ويهتم بأمر المهاجرين ويضغط على الحكومتين المصرية والبريطانية بالسماح للمجاهدين بالالتجاء إلى مصر، ويشرف على إمداد المجاهدين بكل المساعدات الممكنة من مصر، ويرسل الإرشادات والتعليمات اللازمة إلى عمر المختار.

الإعدام
استمر عمر المختار في قيادة المقاومة الليبية حتى وقع في الأسر في 11 سبتمبر من العام ،1931 حيث توجه بصحبة عدد صغير من رفاقه، لزيارة ضريح الصحابي رويفع بن ثابت بمدينة البيضاء. وما أن شاهدتهم وحدة استطلاع إيطالية، أبلغت حامية قرية أسلنطة التي أبرقت إلى قيادة الجبل باللاسلكي قواتها لمطاردتهم.

وإثر اشتباك في أحد الوديان قرب عين اللفو، جرح حصان عمر المختار فسقط إلى الأرض، وفي 15 سبتمبر 1931 جرت محاكمة عمر المختار، وكانت محاكمة صورية شكلاً وموضوعًا، إذ أعد الطليان المشنقة وانتهوا من ترتيبات الإعدام قبل بدء المحاكمة، ليصدر الحكم على المختار الذي جرى إعدامه في 16 سبتمبر 1931 ببلدة سلوق جنوب مدينة بنغازي ليسطر بعدها قصة كفاح ونضال تتناقلها الأجيال.

المزيد من بوابة الوسط