صحف عربية: اختفاء مظاهر الاقتتال في طرابلس.. وحرب الغنائم المشتعلة

أبرزت الصحف العربية الصادرة، اليوم الخميس، اختفاء مظاهر الاقتتال في العاصمة طرابلس، بعد معركة دائرة بين الميليشيات منذ أيام، والتي وصفت في بعض الصحف بحرب الغنائم، في وقت تساءل فيه أحد الكتاب عن المنقذ من تردي الأوضاع في ليبيا.

حرب الغنائم
في «العرب» اللندينة نشرت مقالاً بعنوان «حرب الغنائم مستمرة في طرابلس»، تناول فيها الكاتب التونسي الحبيب الأسود، قراءته مجريات الأحداث في العاصمة منذ أيام.

وقال إنه لا شيء في طرابلس يوحي بأن المعركة الدائرة منذ أيام بين الميليشيات قد تنتهي، أو بأن اتفاق الهدنة قد يصمد طويلاً، فعلى الرغم من كل الاجتهادات ومحاولات التوليف بين المتناقضات، يبقى الوضع الليبي على حاله، قابلاً للانفجار في كل لحظة، وتبقى العاصمة نقطة الاستقطاب الأولى لأطراف الصراع، كونها مركز القرار، لا السياسي والدبلوماسي فحسب، وإنما المالي والاقتصادي بالأساس، تأكيدًا على أن الحرب كانت في جانب أكبر منها منذ العام 2011 حرب غنائم في بلد غني بأرصدته واستثماراته وثرواته النفطية.

وأضاف: «هذه الغنائم التي تثير أطماع الداخل والخارج، صنعت طبقة من أمراء الحرب المحتكمين على مليارات الدولارات، والمسيطرين على مفاصل السلطة في طرابلس».
واعتبر أنه لا شيء يدور بمعزل عن إرادات أمراء الحرب، ففيما يخص الاعتمادات مثلاً، تعرضت لجنة خبراء منظمة الأمم المتحدة في شهر مارس الماضي لتهديدات ميليشياوية مباشرة بعد أن تم تسريب تقرير من 160 صفحة، يكشف عمليات فساد ونهب واسعة لأموال عامة.

واشار إلى أن صرف العملة في السوق الموازية تحول إلى مصدر ثروات طائلة للمسلحين الذين يستغلون نفوذهم للحصول على اعتمادات بالسعر الرسمي للدولار، ثم يعيدون طرح تلك المبالغ في السوق الموازية حيث يصل سعر الدولار إلى أكثر من 7 دينارات، وتستمر في تلك العملية الروتينية إلى ما لا نهاية.

وفيما يخص السيولة، نوه إلى أنه أصبح من العادي أن يقضي المواطن الليبي الغلبان يومًا كاملاً، وربما يقضي ليلةً أمام مصرف ليضمن موقعًا متقدمًا في طابور اليوم التالي، من أجل أن يقتطع من رصيده 200 دينار أي ما يساوي حوالي 30 دولارًا بسعر الصرف في السوق الموازية، وعندما تسأل عن السبب، سيجيبك المسؤولون والمتخصصون بأن أغلب الميسورين سحبوا أرصدتهم من المصارف منذ فترة طويلة، وباتوا يديرونها خارج الإطار المصرفي خوفًا من أن يتعرضوا هم، أو أفراد أسرهم، إلى الاختطاف أو القتل، فما تبين منذ سنوات أن الميليشيات باتت تمتلك عيونًا داخل البنوك، وتعرف أرصدة العملاء ومن خلالها تحدد من تراه ضحية مناسبة للابتزاز.

وبالنسبة لموضوع تهريب الوقود، دان مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط منتصف أغسطس الماضي ما تعرض له رئيس لجنة إدارة شركة البريقة لتسويق النفط، من تهديدات من قبل عدة ميليشيات مسلحة في العاصمة طرابلس.

هذه نماذج قليلة مما يدور في العاصمة التي لا تزال تدار من قبل أمراء الحرب وزعماء الميليشيات، بعد أن فشل المجلس الرئاسي في تطبيق الترتيبات الأمنية التي تضمنها اتفاق الصخيرات الممضى في 17 ديسمبر العام 2015، وتنص على إخراج الميليشيات المسلحة من المدن الليبية ومن بينها طرابلس بعد سحب سلاحها الثقيل، وبعد فترة زمنية يتم سحب ما تبقى من سلاحها الخفيف، على أن تتم بعد ذلك ترتيبات دمج عناصرها في قوات الجيش أو الشرطة، أو في وظائف مدنية أخرى حسب الشروط المطلوبة للوظائف والمتوافرة لدى كل شخص، وهي الترتيبات ذاتها الواردة في النقطة السابعة من نص الاتفاق الممضى بين رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج والقائد العام للجيش المشير خليفة حفتر خلال لقائهما الباريسي في يوليو 2017، حيث أكدا على الالتزام ببذل الجهود المطلوبة كافة لنزع سلاح المقاتلين، وإعادة دمج المسلحين الراغبين في الانضمام إلى القوات النظامية الوطنية، وإعادة دمج الآخرين في الحياة المدنية الاعتيادية.

وانتهى إلى أنه حتى وإن جرت الانتخابات فإن ما ستأتي بهم صناديق الاقتراع سيجدون أنفسهم تحت رحمة هذه الميليشيات، وبالتالي فإن لا شيء في طرابلس يوحي بأن المعركة قد تنتهي، أو بأن اتفاق الهدنة المعلن عنه أول قد يصمد طويلاً، لأن الأمر يتعلق بمعطى مهم: فإما أن تكون هناك دولة مؤسسات وإما أن تكون هناك دولة ميليشيات.

من المنقذ؟
أما جريدة «الحياة» فنشرت مقال الكاتب محمد فرحات علي الذي تطرق فيه إلى جزئية المنقذ من الوضع المتردي الذي تعيشه ليبيا. ورأى الكاتب أن الأمر يتطلب وقتًا، خصوصًا مع عودة الولايات المتحدة إلى الساحة الليبية، وسعيها إلى أن تكون لها اليد الطولى في اتفاق أوروبي– أميركي– عربي على شكل السلطة الجديدة وعلاقاتها بالمحيطين الإقليمي والدولي.

ويقول في معرض مقاله إنه لا أحد يعرف متى تهدأ المعارك في العاصمة الليبية طرابلس ومتى تتجدد، وحكومة الوفاق لن تستطيع الحكم في مرحلة وفاق مستحيل فيبقى لها الاسم وحده في المحافل الدولية، وفي لقاءات مصالحة كذلك الذي استضافه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الإيليزيه.

ويضيف أن المعارك التي ترعب مَن تبقى مِن أهل طرابلس وتتركهم رهائن في بيوتهم، يخوضها ثوار مرحلة «الربيع العربي» التي تداخلت فيها صورتا الثائر والإرهابي. وهناك مراقبون يلاحظون أن ثوارًا انحرفوا نحو الإرهاب في حين يصعب أن تجد إرهابيًا ارتقى ليصبح ثائرًا.

وأشار إلى أن بنغازي والشرق حيث يسيطر عسكريًا جيش المشير خليفة حفتر مكتسبًا شرعية سياسية من البرلمان المنتخب. وهناك مناطق الجنوب حيث معظم منابع النفط وقبائل كبرى تميل سياسيًا إلى الشرعية في بنغازي وتحتمل ضغوط طرابلس في انتظار سلام ليبيا الذي يتحقق عبر وفاق شرقها وغربها وجنوبها.

ساحة حروب
واعتبر أن طرابلس وحدها اليوم ساحة حروب صغيرة مؤذية، بعدما كاد الجيش في الشرق يقضي على مواقع الإرهابيين واستطاع أهل الجنوب التحكم بخلافات داخلية يحاول الخارج تأجيجها. وحدها طرابلس، يقول مراقبون عرب إن المجموعات المسلحة المحسوبة على قطر وتركيا هي التي تفتعل فيها المشكلات أو أنها تطور الخلافات الصغيرة لتصبح حروبًا دموية، وغايتها منع الترتيبات الدولية لإخراج ليبيا من محنتها عبر إجراءات أبرزها انتخاب برلمان جديد. لم ينسَ هؤلاء، وغالبيتهم في أجواء «الإخوان المسلمين»، أن الانتخابات الأولى والوحيدة بعد سقوط القذافي، لم تعطهم مقاعد في البرلمان بقدر ما كانوا يأملون، وثبت للإقليم والعالم أن غالبية الشعب الليبي لا تريد حضورًا فاعلاً لهؤلاء في الدولة الوليدة.

هذا لا يعني أن طرابلس خالية من الثوار وأن حاملي السلاح فيها هم جميعًا من جماعات الإسلام السياسي أو الجهادي. هناك ثوار لكن عددهم يتضاءل بفعل الهجرة والصمت، فليس للثائر الحقيقي من يؤازره في الفوضى الليبية، بل حتى في الفوضى العربية الراهنة.
ربما يحتاج الأمر وقتًا لتضعف سيطرة «الإخوان» على طرابلس، لكن الأمر يحتاج وقتًا آخر ليكفّ الفرنسيون والإيطاليون عن الصراع للسيطرة على ليبيا، وتنتظر الدولتان تبلور الوضع الميداني بين القوى المتحكمة في العاصمة الليبية، لتعرف من يتبعها أو يتبع غيرها من هؤلاء.

أما الشعب الليبي نفسه فمعظمه ينتظر خارج الوطن، وحين يعود سيجد خريطة سياسية بل اجتماعية ليس أمامه سوى الدخول فيها. هذا الشعب الذي يمتلك ثروة وطنية تحسده عليها شعوب العالم، سوف يحتاج عشرات السنين ليحررها من مصالح أجنبية ستكون وحدها– للأسف– ضامنة سلامة ليبيا دولة ومجتمعًا.

اختفاء مظاهر الاقتتال في طرابلس
إلى ذلك اهتمت «الشرق الأوسط» بالهدنة المقترحة من البعثة الأممية للدعم في ليبيا، وكيف بدأت مظاهر الاقتتال المسلح تختفي تدريجيًا في العاصمة طرابلس، وساد الهدوء في المناطق التي شهدت اشتباكات عنيفة بين الميليشيات المتناحرة. وطبقاً لآخر إحصائية قدمتها السلطات الليبية، فقد لقي 62 شخصًا مصرعهم، وأصيب 169 آخرون، بينما لا يزال 12 في عداد المفقودين، حسب بيان حكومي، نقلاً عن طارق الهمشري، مسؤول إدارة شؤون الجرحى في العاصمة طرابلس.

ورغم وقف الاقتتال فقد استمر إغلاق مطار معيتيقة الدولي أمام حركة الطيران، لكن ميلاد معتوق، وزير المواصلات بحكومة السراج، أعلن أن استئناف حركة الملاحة الجوية بالمطار سيتم خلال يوم أو يومين على الأكثر.

ولم ترِد أي تقارير، عن تجدد القتال، حيث تراجع إطلاق النار منذ مساء أول من أمس، لكن لم يتضح إن كانت جميع الفصائل المتحاربة قد التزمت باتفاق وقف إطلاق النار، أو كيف سيجري تنفيذ الاتفاق، خصوصًا مع تجاهل بعض المسلحين دعوات لإلقاء أسلحتهم، سبق أن وجّهتها إليهم الحكومة التي تساندها الأمم المتحدة.

ومع ذلك، فقد اشتكت شركة البريقة لتسويق النفط، التابعة لحكومة السراج، من تعرضها لما وصفته بـ«تدخل خطير من قبل ميليشيا مسلحة في أعمالها»، مشيرة إلى أن المسؤولين والعاملين بمستودع الهاني، فوجئوا بتدخل مجموعة مسلحة تُعرف باسم «كتيبة باب تاجوراء»، واستولت عنوة على ما يقدر بنحو 840 أسطوانة غاز على الأقل، مما أجبر الشركة على إغلاق المستودع.

بدوره، رأى وزير الداخلية، عبدالسلام عاشور، أن الأوضاع الأمنية داخل العاصمة في تحسّن مستمر، وذلك بعد تفعيل البوابات والتمركزات الأمنية التابعة لمديريات الأمن والأجهزة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية.

وأكد لدى اجتماعه مع رئيس الغرفة الأمنية المشتركة لتأمين طرابلس الكبرى، بحضور رؤساء الأجهزة الأمنية والهيئات والإدارات ومديري الأمن بالمناطق التابعين لوزارة الداخلية، الدعم الكبير لمديرية أمن طرابلس، ومدها بالأعضاء والآليات للزيادة من رفع كفاءتها، ودفع جهودها لزيادة بسط الأمن داخل المدينة، وتفعيل الخطة الأمنية التي وضعتها الوزارة لنشر التمركزات والبوابات الأمنية.

كما أكد عاشور ابتعاد الشرطة عن التجاذبات السياسية، والقيام فقط بدورها الأصيل في حماية المواطن، والحفاظ على سلامته وسلامة الممتلكات العامة منها والخاصة.