«ستراتفور»: التنافس الإيطالي الفرنسي في ليبيا يجعل الانتخابات والتسوية غير مرجحة

قال مركز الأبحاث الاستراتيجية والأمنية الأميركي «ستراتفور» إن استمرار التباين في سياسات كل من إيطاليا وفرنسا إزاء ليبيا، على الرغم من أن كلتاهما تسعيان لإحلال الاستقرار في البلد، يجعل تنظيم انتخابات في البلد أمرًا غير مرجح.

وأضاف المركز، في تقرير يوم الأربعاء، أنه رغم التماثل بين أهداف إيطاليا وفرنسا، فالبلدين لا يمكنهما الاتفاق على تلك الطريقة لتحقيق تلك الأهداف، إذ تدعم كل منهما أطرافًا متنافسة في الصراع الليبي، ولديهما آراءً مختلفة كليًا في ما يتعلق بما يجب أن يحدث في المرحلة المقبلة.

وأشار التقرير إلى أن باريس أقنعت الفصائل المختلفة في ليبيا بتنظيم انتخابات في ديسمبر المقبل وذلك بعد لقاء استضافته ضم تلك الأطراف، وعلى النقيض فروما لا ترغب في إجراء أي انتخابات هذا العام وتخطط إلى عقد مؤتمر بشأن ليبيا في أكتوبر المقبل.

وأرجع التقرير الاختلاف في موقفي فرنسا وإيطاليا إلى تباين أهداف ومصالح كلا البلدين في ليبيا، وقال إنه «ما دامت باريس وروما تقدمان مسارات متباينة للوساطة في ليبيا، فاحتمالات النجاح (في تحقيق ذلك «تبدو قاتمة».

التاريخ يعيد نفسه
لفت مركز «ستراتفور» إلى أن التنافس بين القوى الأوروبية على الأخص إيطاليا وفرنسا في شمال أفريقيا يعود عهده إلى القرن التاسع عشر، مضيفًا أنه خلافًا لبريطانيا وفرنسا فقد ظهرت إيطاليا كقوة استعمارية في وقت متأخر، ولم تقدم على غزو القارة الأفريقية إلا بعد توحيدها في العام 1871.

وأضاف أن روما اعتبرت الأراضي العثمانية بما في ذلك ليبيا وبرقة جزءًا من نطاق نفوذها، وفي سبيل السيطرة على تلك المناطق وقعت عدة معاهدات في الفترة بين 1900 و1902 اعترفت فيها بسيطرة فرنسا على المغرب نظير تعهد باريس بأنها لن تحاول الاستيلاء على الأراضي الليبية.

واستمرت سيطرة إيطاليا على الأراضي الليبية حتى اندلعت الحرب العالمية الثانية، وفي أعقابها جرى تقسيم الأراضي الليبية لتخضع لسيطرة فرنسية وبريطانية، إلى أن أدت موجة القضاء على الاستعمار في أفريقيا في الخمسينيات والستينات إلى تقليص النفوذ الفرنسي والبريطاني، لكن باريس احتفظت بعلاقات عميقة بالأراضي التي استعمرتها سابقًا وتواصل لعب دور بارز هناك، خاصة في غرب أفريقيا.

في حين حظيت إيطاليا بنجاح ضئيل في محاولاتها إلى تجديد نفوذها في ليبيا عندما أصحبت البلد منبوذة في ظل حكم معمر القذافي. لكن عندما بدأ القذافي الانفتاح على الغرب في العام 2003، بدأ رئيس الوزراء الإيطالي آنذاك سيلفيو برلسكوني في التودد إلى القذافي، وفق لتقرير «ستراتفور».

وفي غضون عامين، افتتحت روما خط أنابيب الدفق الأخضر لنقل الغاز الطبيعي من ليبيا إلى إيطاليا، ثم في العام 2008، أبرم برلسكوني والقذافي صفقة بقيمة 5 مليارات دولار وافقت إيطاليا بموجبها على دفع تعويضات إلى ليبيا عن الأحداث التي وقعت أثناء فترة الاستعمار، بينما وافق القذافي بموجب الاتفاق على المساعدة في كبح تدفق المهاجرين الأفارقة الذين يغادرون من ليبيا في محاولاتهم الوصول إلى أوروبا عبر إيطاليا.

إلا أن المركز قال إن «سقوط القذافي قلب المشهد». فمع بداية الحرب الأهلية في ليبيا في العام 2011 انحفرت إيطاليا عن مسارها وتولت فرنسا مسؤولية السياسة الأوروبية إزاء ليبيا، وقادت تدخل حلف «الناتو» الذي أدى في نهاية المطاف إلى إطاحة القذافي في أكتوبر من العام نفسه، في الوقت الذي أثارت فيه حنق روما، التي تدخل فرنسا بمثابة اغتصاب لنفوذ إيطاليا وحافزًا لانزلاق البلاد في الفوضى.

وجاء في التقرير أنه على الرغم من انشغال فرنسا وإيطاليا بعد ذلك بالمشاكل الداخلية، فقد عادتا في العامين الماضيين إلى التعاون مرة أخرى مع جارتهما الجنوبية ليبيا، موضحًا أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يسعى من خلف تلك العودة إلى تنشيط علاقاته بأفريقيا، وتأدية دور أكبر في الشرق الأوسط، بينما تأمل روما في إيجاد حل لمشكلة الهجرة التي أضحت موضوعًا سياسيًا مصيريا، وأدت إلى صعود أحزاب اليمين المتطرف.

وقال مركز «ستراتفور» إن «التنافس بين القوى المتوسطية يظل محتدمًا لأن كلًا من إيطاليا وفرنسا لا ترغبان في التخلي عن نفوذهما أو أهدافهما، وبعضها لا يكون دائمًا متوافقًا بشكل متبادل».

فرنسا تبحث عن زعيم ...
قال المركز إن الرؤى الحالية لفرنسا بشأن ليبيا واضحة؛ فهي تعتبر الحكومات المتنافسة في البلد بمثابة أحدى أكبر العوامل المساهمة في عدم الاستقرار الإقليمي، مضيفًا أن «الصراع جعل من البلد ملاذًا لجماعات التهريب وأخرى إرهابية، الأمر الذي تسبب في الفوضى في المغرب ومنطقة الساحل عن طريق إغراق المنطقة بالأسلحة والإسهام في صعود تنظيم «داعش» في الصحراء الكبري».

وأضاف أن «ليبيا تمثل تهديدات أمنية خطيرة لجيرانها الذين تشترك معهم في حدود يسهل اختراقها مثل تونس وتشاد والنيجر وكلهم حلفاء مقربون لفرنسا»، وقال: «في حين أن عدم الاستقرار في ليبيا بالتأكيد ليس المحرك الوحيد للعنف والإرهاب في هذه المناطق، فهو عامل مساهم رئيسي».

وتابع أنه بناء على ما سبق، فهدف باريس الأولى هو حل مشكلة انعدام الأمن «التي تعتقد أنها تتفاقم بسبب وجود حكومات متنافسة وقوات عسكرية منقسمة».

وترى فرنسا أن وجود جيش قوي تحت توجيهات قائد الجيش الوطني المشير خليفة حفتر قد يجعل أجزاءً كثيرة من البلد تحت السيطرة، وفي مسعاها لتحقيق ذلك، «أقامت باريس علاقات وثيقة مع حفتر وإن كان ذلك بتكلفة، حيث أن موقف حفتر المتشدد والمعادي للإسلاميين مثير للجدل في بلد محافظ إلى حد كبير حيث كان أداء الأحزاب الدينية جيدًا في الماضي»، وفقًا لتقرير «ستراتفور».

وقال التقرير «إن باريس في نهاية المطاف لا ترغب في قبول تسوية جرى التفاوض عليها لا توحد ميليشيات ليبيا تحت قيادة زعيم لديه أهداف واضحة لمكافحة الإرهاب»، مشيرًا إلى أن فرنسا بدفعها لإجراء انتخابات في وقت قريب تراهن على قوة حفتر أملًا في أنه سيؤدي دورًا قياديًا على الصعيد الأمني.

مصالح إيطاليا تقودها إلى غرب ليبيا
قال مركز «ستراتفور» إن إيطاليا في أعماق رغباتها لطالما رفضت حفتر في استراتيجيتها إزاء ليبيا، معتبرة أن علاقاته الوثيقة مع فرنسا هي بمثابة تأكيد طبيعي على نفوذ باريس.

علاوة على ذلك، «فاحتياجات روما الملحة في كبح تدفقات المهاجرين، وتأمين إمدادات الغاز والحفاظ على علاقات اقتصادية مع طرابلس ومصراتة تجبرها على إقامة علاقات أوثق مع غرب ليبيا حيث لا يحظى حفتر بشعبية بسبب انتشار الأحزاب الإسلامية وذكريات القتال العنيف بين حفتر والميليشيات في تلك المدن في 2014 و2015»، وفق المركز.

ولفت إلى أن تركيز إيطاليا ينصب على القضايا الاقتصادية وتلك الخاصة بالهجرة عندما يتعلق الأمر بليبيا، إذ تحظى روما بروابط اقتصادية عميقة مع طرابلس ومصراتة كما أن لديها مصالح تتعلق بالطاقة عبر شركة «إيني» الإيطالية التي تعمل في أنحاء ليبيا. أما فيما على صعيد قضية الهجرة، فغرب ليبيا هو نقطة انطلاق أغلب المهاجرين الأفارقة في رحلتهم عبر البحر المتوسط إلى إيطاليا.

ولأن كل الاحتياجات الضرورية لروما تقريبًا تتعلق بغرب ليبيا، فلم يكن أمام المسؤولين الإيطاليين العديد من الاختيارات سوى الحفاظ على روابط وثيقة مع طرابلس ومصراتة، وإلى حد ما تبنّى مقاربة براغماتية تجاه نظرائهم المحليين نظراً إلى أن الإسلاميين المتشدّدين -الذين يعتبرهم حفتر إرهابيين- موجودون في بعض ميليشيات هذه المدن، وفقًا للتقرير.

وقال المركز إنه نتيجة لما سبق «ترتبط الاستراتيجية الحالية لروما بشكل وثيق بالميليشيات في طرابلس ومصراتة، فضلًا عن حكومة الوفاق الوطني»، مضيفًا أن إيطاليا تعارض الانتخابات المبكرة لأنها تهدد بدفع طرابلس ومحيطها إلى دوامة من العنف الأمر الذي قد يقوَّض كل الاحتياجات الضرورية لإيطاليا.

تأجج الموقف
قال مركز «ستراتفور» إن ما يزيد من التداعيات السلبية للسياسات المتباينة لإيطاليا وفرنسا في ليبيا هو مجموعة من الخصومات والتحديات الداخلية التي تجعل التوصل إلى حل أمرًا مستحيلًا، خاصة على خلفية المنافسة الجيوسياسية الفرنسية-الإيطالية.

واختتم المركز تقرير بالقول إن إيطاليا وفرنسا تلعبان دورًا رئيسيًا في دفع ليبيا إلى تنظيم انتخابات، لكن بسبب طموحاتهما الجيوسياسية الخاصة، فمن المرجح أن تظل سياسة أوروبا إزاء ليبيا منقسمة، موضحًا أنه مع مواصلة فرنسا دعمها لحفتر والدفع لإجراء انتخابات في وقت لاحق من العام الجاري، واستمرار إيطاليا في دعم حلفائها في غرب ليبيا «تظل احتمالات إجراء اقتراع في ليبيا أو توحيدها غير محتملة كما كانت دائمًا».

المزيد من بوابة الوسط