صحف عربية: ماذا وراء الهجوم على طرابلس؟ ومن يحكم العاصمة؟

الهدف وراء هجوم المسلح على ضواحي العاصمة طرابلس، وإعلان وزير الداخلية بحكومة الوفاق عبدالسلام عاشور، التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار، بالإضافة إلى التنافس الدولي في ليبيا وحرب الوكالة، إلى جانب صدامات سكان من بن قردان جنوب تونس، وقوات النظام، لليلة الثانية على التوالي قرب المعبر الحدودي مع ليبيا، كانت أبرز المواضيع المحلية التي سلطت عليها الضوء الصحف العربية الصادرة اليوم الخميس.

مقاليد الحكم بطرابلس
في جريدة «العرب» اللندنية نشر الكاتب الصحفي التونسي الحبيب الأسود، مقالاً تناول فيه هجوم طرابلس، الذي اعتبره حلقة في مسلسل طويل من العنف كان منتظرًا منذ ثمانية أعوام، نظرًا لطبيعة الحالة الليبية التي كانت منفردة في محيطها أثناء أحداث 2011. كما اعتبر أن الهدف لم يكن مجرد إطاحة القذافي أو استبعاده من السلطة، وإنما الإطاحة بمؤسسات الدولة بسبب تكويناتها العقائدية، تمامًا كما حدث في العراق، وعكس ما حدث في تونس ومصر حيث كانت تكفي إطاحة بن علي أو مبارك لتنحلّ المشكلة، ولتبقى الدولة قائمة بجميع مؤسساتها التي لا تمثل خطرًا على مصالح العواصم الغربية.

ورأى أن الفراغ الذي تركه إسقاط مؤسسات الدولة الليبية، أعطى المجال فسيحًا للميليشيات الخارجة عن القانون، ويكفي أن ننظر إلى الوضع في طرابلس، العاصمة التي أصبحت رهينة الميليشيات، حيث يسيطر أمراء الحرب على القرار الحكومي والمصرفي، وهو ما أشارت إليه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، عندما طلبت الأسبوع الماضي من حكومة الوفاق الوطني، ممارسة دور فاعل لكف يد الميليشيات التي تعمل إسميًا تحت إشرافها، عن مهاجمة المؤسسات العامة والتدخل بشؤونها.

وقبل ذلك، كشفت دراسة للمعهد الألماني للشؤون الدولية والأمن الدولي أن ميليشيات مسلحة في طرابلس سيطرت على مفاصل السلطة منذ دخول المجلس الرئاسي المقترح في مارس 2016 وعلى الرغم من أن ولاء تلك الميليشيات لحكومة الوفاق، إلا أنها تسيطر بالفعل على الحكومة وقراراتها.

على القوى الخارجية المؤثرة أن تقتنع بألا حل لطرابلس إلا بدخول الجيش الوطني إليها، وتفكيك تلك الميليشيات الخارجة عن القانون. وأظهرت الدراسة أن استعانة المجلس الرئاسي بميليشيات مختلفة الانتماءات لحمايته في العاصمة طرابلس شكلت حجر الأساس لفشل الاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات، وأن الميليشيات التي تتحكم في العاصمة طرابلس اتجهت إلى الاعتمادات المستندية الصادرة عن المصرف المركزي؛ لكي تسيطر على سوق العملة في طرابلس، فقامت وما زالت بالاستحواذ على الاعتمادات المصرفية بسعر الدولار الرسمي بحجة استيراد البضائع لتقوم بتوريد بضائع أقل مما اتفق عليه أو عدم توريد أي بضائع ومن ثم تحتفظ بالعملة الأجنبية لتضخها في السوق السوداء لتكون سببًا في انهيار الدينار أمام العملات الأجنبية وبالتالي تجني الملايين من الدولارات لصالحها.

ومن يعرف تفاصيل ما يجري في العاصمة الليبية يدرك أن قيادات هذه الميليشيات تمارس كل أشكال الابتزاز للمؤسسات الحكومية، وللمصرف المركزي، وتتحكم في الاعتمادات المالية، وفي الصفقات التجارية، ومفاصل الاقتصاد وأسعار العملة، وفي حركة الطيران، والنقل البحري، وفي الإعلام والثقافة والامتحانات التعليمية، وفي مختلف الأجهزة الأمنية والسجون وغيرها، وحتى في القرار السياسي.

إن مأساة ليبيا الأولى هي الثروة التي أصبحت متاحة لأمراء الحرب بعد تفكك مؤسسات الدولة، ولا شك في أن الوضع في طرابلس سيستمر في تأزمه طالما أن مقاليد الحكم بيد الميليشيات التي لا ترى مانعًا من خطف رئيس حكومة، كما حدث مع علي زيدان في 2013، أو في اقتحام مقر الحكومة كما حدث في مارس 2017، أو في السيطرة على وزارات، وصولاً إلى الضغط للإمضاء على تعيين وزراء وسفراء ومسؤولين، وتوقيع عقود تجارية ضخمة، وخدمة مصالح أطراف بعينها، مع التأكيد على الصراع على الغنيمة، انطلاقًا من نفوذ السلاح الذي يمنح السلطة والثروة لمن لا يستحقهما.

وخلص إلى نقطة واحدة حاول الكاتب منذ البداية التمهيد لها وهي: «أن على القوى الخارجية المؤثرة أن تقتنع بألا حل لطرابلس إلا بدخول الجيش الوطني إليها، وتفكيك تلك الميليشيات الخارجة عن القانون، وإلا فإن الوضع سيستمر في التأزم أكثر، وقد يصل إلى حالة من الفوضى العارمة، بعد أن ينتفض الليبيون انتفاضة الحسم بدوافع الفقر والقهر والجوع والاستبداد».

وقف إطلاق النار
إلى ذلك نشرت «الرياض» السعودية إعلان وزير الداخلية بحكومة الوفاق عبدالسلام عاشور، التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار في مناطق الاشتباك في الضاحية الجنوبية الشرقية لطرابلس. وقال عاشور في تصريح مقتضب الليلة الماضية: «إن الاتفاق ينص على تسليم تمركزات اللواء السابع مشاه لمديرية أمن طرابلس».

ولم يكشف وزير داخلية الوفاق في تصريحه عن أي تفاصيل إضافية حول بنود هذا الاتفاق. وفي السياق، أكد رئيس مشايخ وأعيان ترهونة صالح الفاندي لقناة «ليبيا الأحرار» الوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين أطراف القتال في طرابلس، وتسليم البوابات الأمنية لمديرية أمن طرابلس، وعودة القوات كافة إلى تمركزاتها السابقة. وجاء الاتفاق في أعقاب اشتباكات دامية أوقعت عددًا من القتلى والجرحى.

المشكلة الليبية تكرر نفسها
أما «الحياة» اللندنية فنشرت مقالة للكاتب محمد علي فرحات بعنوان «ليبيا في رعاية ترامب»، حيث تناول المشكلة الليبية التي اعتبر أنها تكرر نفسها ولا تسير في شكل خطّي سلبًا أو إيجابًا، بل إن كثيرين من الليبيين المقيمين استأنسوا بالوضع التفتيتي الراهن، وتدبروا حياتهم اليومية في عهدة قيادات قبلية أو زعماء ميليشيات، فالسلطة الليبية الواحدة صارت في ضمير الماضي، وعندما يتذكرها الناس يحضر القذافي ولجانه الثورية والقرارات المزاجية في السياسة والاجتماع والاقتصاد، مزاجية في ما يتعلق بحياة الليبيين وشؤون معاشهم وانفتاحهم على العالم أو انغلاقهم العدائي ضده. أما قرارات سلطة القذافي تجاه أوروبا والدول الكبرى فكانت محسوبة بدقة متناهية وتتميز بالذكاء المستند، عند الضرورة، إلى مكرمات تصل حتى إلى رؤوس كبيرة، مثل الإيطالي سيلفيو بيرلسكوني والفرنسي نيكولا ساركوزي.

شبّهت صديقة ليبية الأزمة في وطنها بأنها كائن مشوّه له خمسون يداً وعشرون عيناً وخمسة آلاف أذن، وأن المقيمين يحسون بأن الأرض تميد بهم كأنهم على فالق زلزال ينتظرون مصيرهم الغامض، وإذ يبحثون عن الوضوح ليطمئنوا لا يجدونه لدى قادة الميليشيات ومندوبيهم الرسميين، لذلك يتوجهون إلى قراءة السياسات الأوروبية تجاه بلدهم، خصوصًا سياسات روما وباريس، ويلتفتون أخيرًا إلى مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يدعم مصالح إيطاليا في ليبيا ويهمل مصالح فرنسا.

ليبيا، إذًا، مكان صراع إيطالي – فرنسي، والميليشيات القابضة على أنفاس الناس تخوض حروبًا بالوكالة، وإن تخيلت أو ادعت أنها سلطات متصارعة على النفوذ. المبعوث الدولي غسان سلامة الذي أحبه الليبيون، لكونه يتفهم أحوالهم المعقدة ويقارنها أحيانًا بأحوال وطنه لبنان أثناء حروبه الأهلية المديدة، يبدو في هذه الأيام صائمًا عن الكلام، هو الذي تحرك بحيوية أثناء لقاءات المصالحة التي عقدها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس، وجرى خلالها الاتفاق على إجراءات، أهمها الانتخابات التي ستجدد حيوية وشرعية البرلمان الليبي كممثل للشعب. لكن المصالحة في باريس لم تصل إلى ليبيا، أو أنها وصلت هزيلة عاجزة عن تغيير خريطة القوى المتنازعة وداعميها.

سبع سنوات من الفوضى أعقبت سقوط معمر القذافي ونظامه العجيب، وليس واضحًا في تلك السنوات سوى محاولات يومية فاشلة لتوطين الإسلام السياسي في سياق حروب ميليشيات. لقد فوجئ «الإخوان المسلمون» بحجم تمثيلهم الضئيل في البرلمان وكانوا يفترضونه كبيرًا نتيجة حضور جماعاتهم المسلحة التي شارك بعضها في الثورة ثم تكاثرت بعد سقوط القذافي. ولجأ «الإخوان»، كما هو معروف، إلى إعاقة الاستقرار ومنع تكوين دولة ليبيا الجديدة، فدفعوا أعضاء البرلمان المنتخبين إلى الرحيل نحو الشرق، تاركين طرابلس رهينة «الإخوان»، ومسلحي الليل المجهولين.

يراهن المدنيون الليبيون على الخيبة من السلطات الصغيرة للمسلحين المتنازعين، مستندين إلى كون الصراعات بعيدة من شبهة التقسيم العرقي، أو حتى القبائلي، فالمكونات الليبية حاضرة في الجبهات الصغيرة كلها. لكن الرهان الأكبر هو على المتغيرات في الدول الأجنبية ذات التأثير، فدونالد ترامب ليس باراك أوباما، الذي فوّض «الإخوان المسلمين» بالربيع العربي في ليبيا وغيرها، وإيطاليا يمكنها الاكتفاء ببعض الإرث الاستعماري في شكل مصالح اقتصادية، أما فرنسا فعلى رغم مصالحها في الجنوب الليبي المتاخم لدول أفريقية فرنكوفونية، تبدو قابلة للتفاهم مع واشنطن لوضع حدود بين النفوذين الفرنسي والإيطالي ورعاية أميركية لهذه الحدود.

صدامات بين سكان من بن قردان
أما «الخليج» الإماراتية فتناولت الصدامات بين سكان من بن قردان جنوب تونس، وقوات النظام، لليلة الثانية على التوالي قرب المعبر الحدودي مع ليبيا، الذي أغلق قبل أكثر من شهر. وقال الناطق باسم وزارة الداخلية التونسية، سفيان الزعق، إنه خلال ليلتي الإثنين والثلاثاء، أشعل عشرات السكان إطارات ورموا حجارة على عناصر من قوات الأمن؛ احتجاجًا على هذا الإغلاق الذي يؤثر على أنشطتهم عبر الحدود.

وأضاف أن الشرطيين استخدموا الغاز المسيل للدموع، من أجل تفريق المحتجين الذين «هاجموا» مركز شرطة بن قردان الرئيس. وقد أصيب قائد المركز بجروح في الرأس، بسبب الحجارة، بحسب المصدر نفسه، الذي لم يشر إلى سقوط ضحايا بين المتظاهرين.
وأشار الزعق إلى أن المحتجين هم تجار صغار تأثر عملهم بإغلاق معبر رأس جدير الرئيس بين تونس وليبيا، منذ شهر ونصف شهر، محمِّلاً السلطات الليبية المحلية مسؤولية الإغلاق.

وقال مسؤول أمني ليبي من جهته إن القرار اتخذ من جانب حكومة الوفاق في طرابلس، لكنه حمّل المسؤولية لسكان بن قردان. وصرّح بأن هؤلاء السكان يحتجون على «قرار يمنعهم من نقل بضائع من ليبيا إلى تونس».
وأضاف: «يريدون أن نسمح لهم باستئناف أنشطتهم غير القانونية للتهريب»، لافتًا إلى أن الحدود أغلقت بعد «اعتداء على مسافرين ليبيين» في هذه المنطقة. وختم بأن المعبر سيفتح من جديد، ما إن تتلقى طرابلس «التزامًا تونسيًا بشأن حماية أمن الليبيين».

وقال حافظ بن ساسي، رئيس بلدية زوارة التي تسيطر سلطاتها على المعبر المغلق، إنه التقى قبل أسبوعين رئيس بلدية بن قردان، مشيرًا إلى «صعوبات تمنع استعادة نشاط رأس جدير». وتحدث عن اجتماع آخر في الأيام المقبلة.

المزيد من بوابة الوسط