ضواحي طرابلس تحت قذائف المجموعات المسلحة ومخاوف من انتقالها إلى وسط العاصمة

جاء انفجار الأوضاع الأمنية في طرابلس ليعيد المجموعات المسلحة إلى واجهة المشهد الأمني والسياسي المتردي، فكانت الاشتباكات الدامية التي وقعت بينها، منذ الأحد الماضي، وعمليات التحشيد العسكري الكبيرة مناسبة لتجديد الأسئلة حول واقع ومستقبل تلك المجموعات، وتبعيتها للمجلس الرئاسي،

في حين بقيت تلك الأحداث محط اهتمام بالغ من قبل الفاعلين الرئيسيين في المشهد الداخلي في صيغة تحركات وقرارات ومبادرات، فيما كان الغياب واضحًا لموقف مجلس النواب حيال هذا التطور الخطير محط تساؤل للمراقبين، بينما وجدت أصداء قلقة في المجتمع الدولي.

مؤشرات التوتر
القدر المتيقن من الحقيقة أن الاشتباكات لم تندلع بين عشية وضحايا، بل سبقتها مؤشرات توتر مبكرة تنذر بتصعيد، إذ شهدت المناطق الممتدة من منطقة قصر بن غشير باتجاه العاصمة طرابلس من ناحية الجنوب، قبل اندلاع الاشتباكات، توترًا ملحوظًا من قبل أهالي تلك المناطق، وجرى إقفال عدد من الطرق الرئيسية، وانتشرت البوابات الأمنية، خاصة في مناطق صلاح الدين وخلة الفرجان ووادي الربيع.

بيد أن التصعيد الفعلي كان الأحد الماضي، حين بدأ التوتر الأمني في ضواحي جنوب شرق العاصمة طرابلس، وسرعان ما تحول إلى اشتباكات عنيفة فجر الإثنين بين قوات تتبع كتيبة «ثوار طرابلس» ومعها قوات الدعم المركزي بأبوسليم اللتين تعملان تحت مظلة حكومة الوفاق، من ناحية، والقوات المعروفة باسم «الكانيات» نسبة إلى لقب آمرها، ما أسفر عن مقتل وإصابة العشرات، وإخلاء 21 عائلة عالقة من منطقة عين زارة.

وزاد القصف المتبادل بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة في مناطق صلاح الدين وخلّة الفرجان والطريق بين قصر بن غشير (ضواحي طرابلس الجنوبية)، واصطبغ المشهد بالدماء مع سقوط قذيفة عشوائية في أحد الأحياء أسفرت عن سقوط قتيل وأربعة جرحى.،

وحسب رواية قوات الأمن المركزي (أبوسليم)، على لسان الناطق باسمها، حاولت «ميليشيات الكانيات» «الزحف نحو العاصمة، متحالفة مع الجماعة المقاتلة، والسيطرة على عدد من مقار ومؤسسات الدولة ، لكن كتيبة ثوار طرابلس، التي يقودها هيثم التاجوري، ومجموعة من قوات جهاز الأمن المركزي بقيادة النقيب عبدالغني الككلي تصدوا لهم، وأجبروهم على التراجع باتجاه منطقة وادي الربيع». وفي هذه الأثناء، كان إعلان القوة الثامنة «كتيبة النواصي»، مقتل أربعة من ضباطها خلال الاشتباكات التي جرت بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة بالضواحي الجنوبية للعاصمة طرابلس.

هدوء لم يدم طويلا
واستعادت مدينة طرابلس أجواء الهدوء، الثلاثاء، بعد اجتماع عُـقد مع لجان المصالحة بالمنطقة الغربية في منطقة قصر بن غشير، مما قاد نحو انسحاب قوة الكانيات من بعض المواقع التي كانت تتمركز بها، في حين تمركزت قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية بحكومة الوفاق الوطني في تلك المواقع. وأخلى الهلال الأحمر الليبي فرع طرابلس 21 عائلة عالقة من منطقة عين زارة، ونقل جثتين وأشلاء بشرية تعود لقتلى الاشتباكات المسلحة. 

لكن أجواء الهدوء لم تدم طويلاً، إذ تعرضت أحياء صلاح الدين وخلة الفرجان في العاصمة طرابلس الثلاثاء «لقصف بالأسلحة الثقيلة من قبل ميليشيا الكاني»، حسب الناطق باسم قوات الأمن المركزي أبوسليم، مهند معمر، الذي أشار إلى «حالة نزوح غير معهودة في منطقة صلاح الدين بعد احتراق أربعة منازل بمنطقة صلاح الدين جراء قصف»، إحدى مناطق الاشتباكات خلال اليومين الماضيين.

ولا يزال سكان طرابلس يخشون انفجار الوضع في ضواحي المدينة وانتقالها إلى وسط العاصمة في أي لحظة أمام عمليات التحشيد العسكري الكبيرة التي تجري بين اللواء السابع وما يعرف محليًّا بـ«الكانيات» من جهة، ضد كتيبتي ثوار طرابلس والنواصي من جهة أخرى.

وتحت وقع القصف، كان السؤال مطروحًا حول تبعية مجموعة اللواء السابع و«الكانيات» للمجلس الرئاسي من عدمه، إذ نفى رئيس الأركان المكلف اللواء عبدالرحمن الطويل، الإثنين، تبعية اللواء السابع لرئاسة الأركان، وقال: «إن رئاسة الأركان لا تعلم مَن الذي أعطى اللواء السابع التعليمات بالدخول إلى طرابلس». وفي موقف متناغم مع رئاسة الأركان جاء موقف الحرس الرئاسي، إذ قال في بيان إن اللواء السابع حُلّ بقرار القائد الأعلى رقم 79 بتاريخ 2 أبريل 2018.

مبادرات محلية 
وعلى صعيد المواقف الداخلية، جاء تحرك المجلس الرئاسي سريعًا صبيحة يوم الاشتباكات، إذ أصدر أوامره «للمنطقة العسكرية طرابلس ووزارة الداخلية والقوى الأمنية بمواجهة العصابات». بل وأتى حديث البيان الرئاسي عن العقوبات الدولية في معرض الحديث عن الاشتباكات بالقول: «كما سيتم اعتبار كل مَن يتورط في هذا الهجوم الغادر على العاصمة خارجًا عن القانون، وستطاله يد العدالة والعقوبات الدولية حسب قرارات مجلس الأمن الدولي بالخصوص». كما عقد رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، صباح اليوم الثلاثاء، اجتماعًا مع وزير الداخلية عبدالسلام عاشور، وعدد من القيادات العسكرية والأمنية، وأقر السراج عددًا من الخطط والبرامج الأمنية التي طرحت خلال الاجتماع.

أما المجلس الأعلى للدولة، فقد قدم مبادرة تتضمن أربعة إجراءات لوقف الاشتباكات، أولها اللجوء إلى الطرق القانونية السليمة في حل جميع الإشكاليات، بعد الوقف الفوري لإطلاق النار. كما طالب بالبدء الفوري في تنفيذ الترتيبات الأمنية المنصوص عليها في المادة 34 والملحق السادس من الاتفاق السياسي، بالإضافة إلى هيكلة المؤسسة العسكرية طبقًا للأعراف والقوانين العسكرية، وأخيرًا تكليف وزير جديد لوزارة الدفاع.

في هذه الأثناء، سجلت بعض التجمعات السياسية والبرلمانية تنوعًا في التعبير عن مواقفها وطرح مقترحاتها للخروج من الأزمة، وحمل التجمع السياسي لنواب مصراتة، المسؤولية عن هذه الأحداث لكل من المجلس الرئاسي ومجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة لعدم تنفيذ مخرجات الاتفاق السياسي، مما أدى إلى انسداد الأفق السياسي وإطلاق العنان لكافة الأجسام التنفيذية دون رقيب أو حسيب،

في حين دعت كتلة «نواب برقة» بمجلس النواب، إلى «نقل مقر الحكومة والأجسام التابعة لها من طرابلس إلى أي مدينة ليبية أخرى لا تسيطر عليها الميليشيات والجماعات المسلحة». لكن عضو مجلس النواب، الصالحين عبدالنبي الغيثي، اعتبر أن هذه الاشتباكات «تصفية حسابات» بين مجموعات مسلحة، داعيًا قيادة الجيش التابعة لمجلس النواب إلى التدخل لحماية المدنيين في العاصمة.

مطالب دولية
أما المواقف الدولية، فقد خرجت لتحذر بوضوح من تزايد المجموعات المسلحة بما ينذر بحرب أهلية، وأصدرت بعثة الأمم المتحدة للدعم بيانين تحذيريين، إذ حذر أحدهما «من أن تزايد المجموعات المسلحة والأعمال العدائية والخطاب العدائي» من شأنه أن «ينذر بخطر حدوث مواجهة عسكرية واسعة النطاق» في العاصمة طرابلس، فيما حذر بيان آخر من العبث بأمن طرابلس وسكانها، محملة مَن يقوم بذلك مسؤولية أي ضرر في صفوف المدنيين، ودعت إلى حقن الدماء وإتاحة الفرصة للوسطاء. 

في الوقت نفسه، كان التصعيد العسكري في طرابلس والحاجة إلى استعادة الهدوء وحماية المدنيين موضع مباحثات المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة، مع سفير روسيا لدى ليبيا إيفان مولوتكوف الثلاثاء الماضي. كما دعا الاتحاد الأوروبي إلى وقف فوري لـ«الأعمال العدائية»، وقالت، على لسان ناطقة باسمه، «لا يوجد حل عسكري للأزمة في ليبيا ، بل إن الحل سياسي»، واكتفت السفارة الأميركية بتقديم تعازيها لأسر الضحايا، في حين دعا السفير البريطاني فرانك بيكر «جميع الأطراف لوقف العمليات العسكرية، وحماية المدنيين، وضمان احترام القوانين الدولية لحقوق الإنسان وضبط النفس والتحاور لتهدئة الأوضاع الأمنية».