تهريب البشر من النيجر إلى ليبيا.. الأبعاد والنتائج من منظور أمني واقتصادي

عناصر من القوات الأمنية النيجرية ومن منظمة الهجرة الدولية في أغاديز (نيويورك تايمز)

قالت جريدة «نيويورك تايمز» الأميركية إن النيجر نجحت في خفض تدفقات الهجرة غير الشرعية إلى ليبيا بشكل ملحوظ خلال العامين الماضيين، بمساعدة من دعم مالي أوروبي ضخم، لكنها لفتت إلى أن جهود مكافحة أنشطة تهريب المهاجرين أتت بآثار سلبية على اقتصاد النيجر، وخلقت مخاوف أمنية نتيجة انتعاش أنشطة التهريب الأخرى.

ومنذ العام 2015، ركز جيش النيجر جهوده على تقليل عبور المهاجرين إلى ليبيا، ومكافحة أنشطة تهريب البشر في الصحراء بأقصى شمال البلاد، عند الحدود المتاخمة لجنوب ليبيا، حيث قد تصل درجات الحرارة في بعض الأحيان إلى مئة درجة مئوية. ورغم انتشار عناصر تنظيم «القاعدة» و«داعش» في المنطقة، إلا أن مكافحة مهربي البشر تظل الأولوية.

وتتكبد القوات، بحسب تحقيق للجريدة الأميركية، نُشر السبت، خسائر مالية وبشرية كبيرة، بسبب التسليح الجيد الذي يتمتع به بعض المهربين. وتحتاج كل مهمة لقوات النيجر، التي تستمر أسبوعين فقط، تغيير خمسين إطار سيارة واستبدال عناصر بشرية.

صعوبات اقتصادية
لكن نجاح النيجر، المدعومة ماليًا من أوروبا، في تقليل تدفقات المهاجرين إلى ليبيا، تزامن مع تراجع حاد في الأنشطة التجارية والاقتصادية بالمدن النيجرية القريبة من حدود ليبيا، إذ حرمت تلك المدن من مصدر تمويل مهم اعتمد عليه السكان في توفير احتياجاتهم الأساسية.

وأظهرت وثيقة للجيش النيجري أن المدن والقرى على طول مسارات التهريب باتت تعاني من صعوبات مالية واقتصادية، وانهيار للخدمات الرئيسة، وإغلاق عدد كبير من المحال التجارية، وكلها كانت تعتمد بالأساس على الأموال التي يدفعها المهاجرون.

أضف إلى ذلك ارتفاع معدلات البطالة، وتوجه كثير من الشباب للعمل في شبكات التهريب أو الانخراط في العصابات الإجرامية، بسبب توقف الأنشطة التجارية وندرة الوظائف المتاحة.

كما يفضل كثير من المهاجرين العائدين من ليبيا البقاء في النيجر على العودة إلى دولهم، مما يزيد المنافسة على الوظائف النادرة بالفعل. وقالت «نيويورك تايمز» إن حوالي ألفي سوداني عادوا من ليبيا قرروا البقاء والعمل في مدينة أغاديز، إلى جانب آخرين من إثيوبيا والصومال وإريتريا، حتى قبول طلبات لجوئهم في فرنسا.

وأشارت الجريدة الأميركية إلى مقترحات تبحثها دول أوروبية لتمويل مشاريع تهدف إلى توفير بدائل اقتصادية للمهربين في النيجر، وإدماجهم في أسواق العمل، لكن تلك المقترحات تظل في طور البحث والدراسة.

وقال وزير الخارجية النيجري السابق، إبراهيم يعقوب: «هناك كثير من الوعود بتوفير ملايين اليوروهات، لكن الواقع لم يتغير كثيرًا بالنسبة للمتورطين في تلك الصناعة». ويُذكر أن الاتحاد الأوروبي خصص تمويلًا ضخمًا للنيجر لمساعدتها في جهود مكافحة تهريب البشر، وأعلن، نهاية العام الماضي، تمويل بقيمة مليار يورو لها في شكل مساعدات تنموية حتى العام 2020.

مخاوف أمنية
وتحدثت «نيويورك تايمز» أيضًا عن زيادة المخاوف من اضطراب الوضع الأمني في المنطقة الحدودية بين النيجر وليبيا نتيجة لحملة الجيش النيجري ضد شبكات التهريب، وقالت إن إغلاق مسارات التهريب تسبب في انتعاش الأنشطة الإجرامية، وأنشطة تهريب المخدرات والبضائع، على حدود ليبيا الجنوبية.

كما تشعر السلطات النيجرية بالغضب بسبب الدعم المالي الذي تقدمه بعض دول أوروبا لمجموعات مسلحة في ليبيا والنيجر بهدف وقف تدفق المهاجرين إلى ليبيا، دون النظر إلى أولويات الأمن القومي النيجري.

ونقلت الجريدة عن مسؤولين بالنيجر، لم تذكر أسماءهم، أن «فرنسا قامت بدعم مجموعة مسلحة من قبائل التبو في جنوب ليبيا، العام الماضي، مقابل مساعدتها في وقف تدفق المهاجرين والقضاء على المهربين».

وأثار ذلك غضب جيش النيجر، إذ أوضح مسؤولون أن تلك المجموعة يقودها، بركه سيديمي، الذي تعتبره السلطات النيجرية تهديدًا للأمن القومي. ورفض ناطق باسم الجيش الفرنسي التعليق على الأمر، وقال إنه لا يملك أي معلومات حول هذا التعاون.

وتواجه إيطاليا اتهامات مماثلة بتمويل قادة مجموعات مسلحة في ليبيا مقابل تعاونهم في إبقاء قوارب الهجرة عند الشاطئ ومنعها من المغادرة، وهي اتهامات رددتها بعض الأصوات داخل أوروبا نفسها وانتقدتها منظمات إغاثة دولية.

مسارات بديلة
ومع تشديد الدوريات الأمنية على طرق التهريب المعتادة، لجأ المهربون في النيجر إلى تغيير المسارات التي يسلكونها واستخدام مسارات أطول بعيدة عن نقاط المياه، بعضها يمر في مناطق ملغومة، لتفادي دوريات الجيش، وفي بعض الأحيان يترك المهربون المهاجرين في الصحراء دون طعام أو شراب، مما أدى إلى ارتفاع حالات الوفيات بالصحراء نتيجة الجفاف في العامين الماضيين.

ولهذا، اضطرت منظمة الهجرة الدولية إلى تنظيم فرق إنقاذ أسبوعية في صحراء النيجر الشمالية، وقال مسؤول المنظمة في النيجر، آدم كاماسي، إن الفرق تنقذ حوالي 50 مهاجرًا بالأسبوع، وتنتشل عادة بين ثلاثة أو أربع جثث.

ويتم نقل المهاجرين إلى أقسام الشرطة أو إلى مقار منظمة الهجرة الدولية، حيث يتم تخييرهم بين إكمال الرحلة إلى ليبيا ومنها إلى أوروبا، أو العودة مجانًا إلى بلادهم. وساهمت تلك الجهود في تقليل أعداد المهاجرين المارين إلى ليبيا، من سبعة آلاف مهاجر أسبوعيًا، في 2015، إلى ألف مهاجر فقط أسبوعيًا، حسب تقديرات منظمة الهجرة.

كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط