دور «أممي» متصاعد: هل ينتظر برنامج الإصلاح الاقتصادي وصول الخبير الدولي؟

ويليامز مع وزير المالية المفوض أسامة حماد. (أرشيفية: بوابة الوسط)

كثيرة هي اللقاءات والأحاديث والتصريحات التي تداولت برنامج الإصلاح الاقتصادي خلال الأيام القليلة الماضية، ورغم أن هذا الإطار الإصلاحي المنتظر ما يزال يراوح مكانه في دائرة المشاورات بين المجلس الرئاسي والمصرف المركزي، إلا أن المتغير الهام كان تصاعد دور البعثة الأممية في ملف الإصلاحات وترافق مع الإعلان عن قرب انضمام خبير اقتصادي دولي إلى البعثة، وهو ما اعتبره متابعون للشأن الليبي بداية لمرحلة جديدة في دور الأمم المتحدة بالملف الليبي، خصوصًا مع تصعيد لهجة التحذير الأممي للجهات التي تعرقل عمل المؤسسات السيادية، كمؤسستي النفط والاستثمار بما وجده من صدى محلي في صيغة تحذيرات لمعرقلي الإصلاحات.

ويسيطر الترقب على الاقتصاديين ورجال الأعمال قبل إطلاق الخطوات التنفيذية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي الذي يتضمن معالجة سعر صرف الدينار، والدعم على المحروقات، وزيادة مخصصات الأسر السنوية من الصرف الأجنبي، وغيرها من الإجراءات التي تستهدف تصحيح تشوهات الاقتصاد الليبي، وفق ما أعلن نائب رئيس المجلس الرئاسي فتحي المجبري وقتها.

بيان أممي حاد
وبعد يوم واحد من بيان شديد اللهجة صدر عن البعثة الأممية، كانت تصريحات رئيس المجلس الأعلى للدولة، خالد المشري، التي دعا فيها الاثنين الماضي إلى ضرورة تمرير الإصلاحات الاقتصادية، وقال إنها «لابد أن تمر، ومن يعرقلها لابد أن يزال»، والتي جاءت عقب بيان البعثة الأممية الذي عبر عن «الإدانة الشديدة لأعمال العنف والتخويف وعرقلة عمل المؤسسات السيادية الليبية من قبل رجال الميليشيات»، وذلك عقب لقاءات نائبة المبعوث الأممي ستيفاني ويليامز مع رئيس مؤسسة النفط ومحافظ البنك المركزي.

على أي حال، وحسب مراقبين، فإن ملف الإصلاح الاقتصادي أصبح تحت إشراف غير معلن للبعثة الأممية التي باتت تعمل حاليًّا على «تعجيل عملية الإصلاحات النقدية والمالية والاقتصادية الضرورية» وفق تصريحات أدلى بها المبعوث الأممي غسان سلامة، وفي السياق نفسه جاء لقاء سلامة مع نائب رئيس المجلس الرئاسي أحمد معيتيق الذي بحث «تنفيذ الخطوات السريعة الواجب اتخاذها بشكل عاجل، وتوحيد الجهود بين جميع الجهات المعنية بالشؤون المالية لضمان نجاح البرنامج».

اقرأ أيضًا: المشري: من يعرقل الإصلاحات لابد أن يزال

وبدا واضحًا أيضًا أن استعجال الإصلاحات أصبح هدفًا حيويًا للبعثة، إذ قال سلامة خلال جلسة مع صحفيين في بنغازي إلى أن «هناك 6 مقترحات من أصل 26 لها طابع الاستعجال نريد أن يتم تنفيذها بأسرع وقت، ونحن نعمل على تسهيل وتعجيل عملية تنفيذها». 

الخبير المنتظر
المفاجأة الأبرز كانت ما كشفته نائبة رئيس بعثة الأمم المتحدة للشؤون السياسية، ستيفاني ويليامز، من أن خبيرًا اقتصاديًّا دوليًّا سيلتحق للعمل بالبعثة الأممية في ليبيا قريبًا في موعد مقرر له مطلع الشهر المقبل، ومن ثم كان تأكيد سلامة أن البعثة تولي ملف الإصلاح المالي والاقتصادي أهمية قصوى.

ويقول الخبير الاقتصادي والمالي سليمان الشحومي «يبدو أن مسألة الإصلاحات الاقتصادية التي احتارت بين الحكومة والمصرف المركزي ستتحول إلى مشروع تشرف عليه الأمم المتحدة وبمشاركة مؤسساتها الاقتصادية البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بالرأي والمشورة». وأضاف «يبدو أيضًا أن عمليات مراجعة حسابات المركزي في كل من البيضاء وطرابلس بإشراف الأمم المتحدة ستبدأ قريبًا وفقًا لتصريحات المبعوث الأممي د. غسان سلامة»، ولم يستبعد أن «يكون توحيد البنك المركزي أهم الأولويات قبل تنفيذ مشروع الإصلاحات الاقتصادية».

على صعيد التفاصيل الفنية، لا تزال مسألة سعر الصرف مثار جدل بين المراقبين، في ظل التخوف من تأثيرات سلبية للسوق السوداء وتجار العملة، على مسارات صرف النقد الأجنبي، في وقت تحاول فيه المؤسسات الاقتصادية الوصول إلى المستوى الأدني ليستقر عنده السعر خلال الفترة المقبلة.

ورغم عدم التطرق في اجتماع تونس الاقتصادي في مايو الماضي إلى مسألة تحديد سعر للصرف، إلا أن مراقبين تحدثوا مؤخرًا عن إمكانية أن يتم اعتماد سعرين للدولار، الأول تجاري والثاني للاعتمادات المستندية، لكنّ «المركزي» نفى في وقت سابق أن يكون أصدر قرارًا بشأن تعديل سعر صرف الدولار بالمصارف التجارية.

السيناريو الأقرب
مدير مكتب محافظ المصرف المركزي عبد اللطيف التونسي اعتبر أن سيناريو فرض رسوم على مبيعات النقد الأجنبي هو الخيار الأقرب لتعديل سعر الصرف، في إطار الإصلاحات الاقتصادية المرتقبةـ وأشار في تصريحات تلفزيونية، إلى وجود 3 خيارات رئيسية يمكن استخدام إحداهما هي: «تعديل القيمة التعادلية للدينار مقابل وحدة حقوق السحب الخاصة»، أو «فرض رسوم على مبيعات النقد الأجنبي»، وأخيرًا تطبيق (سعر الصرف الخاص المعلن) الذي تم تجربته سابقًا خلال الفترة من 1999 حتى 2001، والتي عٌرفت بـ«سياسة سعر الصرف الخاص المعلن».

اقرأ أيضًا: سلامة: الإصلاحات الاقتصادية تتضمن 36 مقترحا

لكنّ المسؤول بـ«المركزي» عاد ليشير إلى أن الخيار الأقرب للتطبيق هو فرض رسوم على مبيعات النقد الأجنبي، لافتًا إلى أن السيناريو الأول المتعلق بتعديل القيمة التعادلية يحتاج إلى وضع برنامج إصلاح اقتصادي على المديين القصير والمتوسط، بالإضافة إلى جملة من الإصلاحات في وقت واحد أهمها إصلاح المالية العامة ومعالجة دعم المحروقات.

وأوضح أن هذا الخيار يحتاج أيضًا إلى إصدار قرار من مجلس إدارة المصرف المركزي، وهو غير متوفر حاليًا بالنظر إلى انقسام مجلس الإدارة ولا يعطي القانون الحق لمحافظ المصرف لاتخاذ قرار منفرد، لافتًا إلى أن السيناريو الأول يتطلب أيضًا «وجود حكومة راكبة واستقرار الأوضاع الأمنية والسياسية»، فضلًا عن «توفر احتياطي كافٍ من النقد الأجنبي والمرتبطة أساسًا باستقرار معدلات إنتاج النفط وتصديره». 

أجهزة غير متناسقة
في المقابل، تحدث محافظ المصرف المركزي الأسبق والخبير المالي رجب المسلاتي، عن هذه التطورات من زاوية أخرى، إذ رأى أن «الأجهزة الاقتصادية غير متناسقة أومتعاونة»، مشيرًا إلى أن «ملكية المصرف المركزي لبعض المصارف التجارية تتعارض مع واجباته التنظيمىة والرقابية»، وقال «الرقابة علي النقد والرقابة علي المصارف وظيفتان مختلفتان».

وما بين التفاصيل الفنية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي الذي طال الحديث عنه، وبين الدور الأممي المتصاعد في هذا الملف بقي التساؤل قائمًا حول ما إذا كان هذا البرنامج يبقى يرواح مكانه إلى حين وصول الخبير الدولي إلى مقر البعثة الأممية، وحينها قد يتولى العديد من الملفات ومن بينها ملف متابعة البرنامج ...