طوفان «البذاءة» يهدد الأسر الليبية!

في إحدى غرف المركز النفسي لتعديل السلوك في بنغازي، صرخ أحد الأطفال متلفظاً بكلمات بذيئة وسط رفاقه، دون مبالاة أو التفاتة لنتائج ما يفعل، ووسط محاولات من الاستشاريين لتقويم سلوكه.

وتعد هذه الحالة مرآة عاكسة لشكاوى الكثير من الأسر من مشكلة تداول الألفاظ البذيئة على نطاق واسع ودون خجل على ألسنة الشباب والأطفال في الأماكن العامة ووصل الأمر إلى الجامعات.

وتقول مديرة المركز غادة العقوري «عند جلوسي مع أم الطفل قالت إن والده لا يكف عن استخدام تلك الألفاظ عند غضبه أو عند استخدام هاتفه الجوال، أو خلال حديثه مع رفاقه أمام أبنائه».

«في الماضي كان للقيم الأخلاقية وجودها وكانت أدوار الجد والجدة والعم والعمة وحتى الجار والتربية الدينية حاضرة في تقويم سلوك النشء»، حسب قول أستاذ التربية و علم النفس في جامعة بنغازي الدكتورة فاطمة الفلاح.

لكنها استطردت «الآن أفرزت العولمة تسيبًا وفهمًا خاطئًا للحرية، فالحرية تعني أن الإنسان حر لكنه مسؤول و لا يتعدى على حرية الغير».

المفارقة أن تداول تلك الألفاظ بات أمرًا مألوفًا ويرددها الابن أمام الآباء، فيما يتخذ الآباء ردَّ فعل سلبيًا، وتوضح فاطمة الفلاح «الطفل يسمع الكلمة، والبداية في الروضة حين يردد هذه الكلمة مع الرفاق وينقلها إلى البيت، والمفارقة أنهم يبدون فرحة، ليعتبرها الطفل كلمة مقبولة ويكررها أمام الأقارب».

وسائل التواصل الاجتماعي من بين أسباب انتشار الألفاظ البذيئة عند المراهقين

ويرى متخصصون في سلوكيات الأطفال أن وسائل التواصل الاجتماعي من بين أسباب انتشار الألفاظ البذيئة عند المراهقين. وتقول غادة العقوري «المراهق يستخدم اسمًا مستعارًا على (فيس بوك) أو (تويتر) أو (أنستجرام)، ويستخدم ألفاظًا بذيئة في تعليقاته بكل جرأة وطلاقة».

وتوضح «من ناحية سلوكية يتغير الشخص في سلوكه الظاهر اقتداءً بسلوكه الباطن»، مضيفة «عندما يتعود المراهق على استخدام تلك الألفاظ من وراء الكيبورد، تصبح سلوكًا إدمانيًا وتبدأ في هيئة سلوك ظاهر، أما الأطفال فهو تقليد للكبار، وذلك حسب البيئة الموجود فيها الطفل».

ويلقي خبراء علم النفس باللائمة على غياب دور الأسرة، لكن أستاذة التربية بجامعة بنغازي فاطمة الفلاح تقول «هذا الدور تأثر بعدة عوامل، منها الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي جعلت الآباء مشغولين بوظيفتين، وحتى الأمهات لم تعد ترى ابنها إلا نادرًا، ونسي معظم الآباء الدور المهم للأسرة من توجيه سلوكي وتربوي».

في الوقت نفسه، تلقي الأوضاع التي تعيشها البلاد منذ العام 2011 بظلالها على سلوك المراهقين والأطفال، وتوضح الفلاح «بلا شك هناك دور كبير للانقسام السياسي والانفلات الأمني في انتشار هذه الألفاظ».

وأضافت «لا ننكر دور الإعلام وما ينقله من ألفاظ خارجة في بعض الأعمال الفنية، كذلك دور التكنولوجيا الذي جعل كل طفل أو مراهق يملك هاتفًا وآيباد ويطلع على ما يشاء من مواد إعلامية تحمل مضامين سلبية من بينها الألفاظ الخارجة».

ويبرز سؤال الرادع القانوني تجاه هذا الانتشار للألفاظ، لكن المحامية فوزية الزوي تقول «تكاد تخلو مراكز الشرطة من محاضر السبِّ والقذف أو تشكو من تداول هذه الكلمات في الشارع، و من النادر ما تجد شخصًا فتح محضرًا في المركز من أجل شخص سبّـه».

الجرائم الماسة بالشرف تقتصر على المادة (438) السب كل من خدش شرف شخص أو اعتباره في حضوره يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز ستة أشهر، أو بغرامة لا تتجاوز 250 دينارا

ووفقًا للمحامية الزوي، فإن الجرائم الماسة بالشرف تقتصر على المادة (438) السبّ كل من خدش شرف شخص أو اعتباره في حضوره يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز ستة أشهر، أو بغرامة لا تتجاوز 250 دينارًا ، و المادة (439) التشهير يعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن سنة أو بغرامة لا تتجاوز 500 دينارًا كل من اعتدى على سمعة أحد بالتشهير به لدى عدة أشخاص.

ووسط هذا الغياب التشريعي، تقترح الفلاح تنفيذ برامج توعوية في الراديو و التلفزيون تعمل على توعية الأسر بضرورة الاهتمام بأطفالهم، ولا بد أن يكون هناك دور بارز للمدارس و المساجد و الجامعات، وتفعيل دور الأخصائي النفسي والاجتماعي في المدارس خاصة في هذا الوضع و الضغط النفسي الذي نمر بها.

المزيد من بوابة الوسط