الكتب الممنوعة في ليبيا.. لعبة الضمير والقوانين المعطلة

صورة غلاف رواية الخبز الحافي. (الإنترنت)

رواية «الخبز الحافي» كانت ضمن الكتب التي مُنعت من دخول ليبيا في فترة سابقة، ما جعلني أبذل قصارى جهدي للحصول عليها، ولكن لم أجدها حتى عند الكتاب والأدباء الأكثر تحررا في بنغازي في فترة ما قبل ثورة فبراير 2011، إلى أن سافرت إلى مصر ومن هناك بدأت رحلة البحث عنها، وبالصدفة سمع صديقي الصحفي عبد الحليم الشاطر عن الأمر فإذ به يفاجئني بها، أخذتها وقررت أن اقرأها في ليبيا وليكن ما يكون خبأتها في حقيبة ثيابي وكنت أتوقع في أي لحظة حين وصلت للمطار أن يستدعيني الأمن لأني أدخلت كتبا ممنوعة ولكن ذلك لم يحدث.

وصلت بنغازي وقرأت الرواية على ترابها، ولكنها لم تكن بتلك القوة التي اضطرت معها السلطات الليبية لمنعها آنذاك! عندها فقط تساءلت لماذا هذا المنع؟ فكان يدخلنا القليل، القليل مما يحدث في العالم لا صحف لا مجلات لا كتب إلا تلك التي ترضى عنها المنظومة الأمنيّة للدولة.

بعد ثورة فبراير حدث انفتاح، والأمواج قذفت إلينا بكل شيء فلم تعد ليبيا تلك الدولة التي تتحصن خلف أسوار نظام جعلها تخاف من كل شيء حتى من رواية كـ«الخبز الحافي» كونها تدعو للثورة حتى ولو على الأخلاق، وبعد حالة الانفتاح تلك تعود الدولة لتعيد وضع خانة كتب ممنوعة من التداول مرة أخرى في قائمتها.

فما هي الكتب التي تقع هذا العنوان وكيف تتعامل معها الدولة؟ سؤال حملته وانتقلت به للبحث عن إجابة التقيت رابح البرعصي صاحب مكتبة لبيع الكتب المستعملة فقال: «طبعا بعد الثورة وحالة الانفتاح التي نعيشها لم يعد يوجد هناك شي ممنوع في حياتنا غير أن أخلاقنا هي التي تمنعنا من بيع هذه الكتب الممنوعة».

وحين سألته عن ما هي الكتب التي تندرج تحت اسم الممنوعة قال: «كتب التبشير بالمسيحية وكتب التشيع، والكتب التي تدعو إلى التكفير، إضافة إلى تلك التي تمس الأخلاق والعادات والتقاليد فأنا لا أبيع ولا أشتري مثل هذه الكتب».
وعن سؤالي «لو طلبه زبون منك؟»، قال: «أبدا لا أقوم بإحضاره له، لان أخلاقي وديني يمنعانني من ذلك ولا أظن أن الشباب في هذا الوقت يبحث عن الكتب بل أصبحوا يجدون كل شي في الانترنت».

فيما يقول سالم (صاحب كشك لبيع الصحف والمجلات) إنه لم يضطر يوما إلى بيع تلك الكتب الممنوعة مثل التي تحكي عن الدين المسيحي أو تلك التي تتحدث عن الشيعة والتي تمس الأخلاق والدين، ويضيف «لم يأت أي شخص يطلب منه هذه الكتب لأننا في مجتمع محافظ ويخاف الله».

ويحدثنا يوسف الوحيشي صاحب مكتبة برنيتشي العريقة ببنغازي قائلا: «رغم أننا نسعى مثلنا مثل أي تاجر للربح إلا أننا لا نقوم بجلب تلك الكتب التي نظنها ممنوعة أو تلك التي تذهب عقل الشباب أو التي لا يستفيد منها شيئا مثل كتب الدين المسيحي والتشيع وتلك التي تمس الأخلاق... أصلا الشباب تقريبا تخلوا عن القراءة حتى لو لم يبحث عن الكتب الممنوعة في المكتبات يجد ما يريده على الانترنت».

للاطلاع على العدد 140 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وأضاف قائلا «هناك طلب على كتب من نوع معين من قبل النساء، وما زاد في الآونة الأخيرة هو كتب السحر والشعوذة وليست تلك التي تحتوي على الرقية بل تلك القادمة من المغرب وعلى الرغم من ذلك أنا لا أحضرها لبيعها فانا تمنعني أخلاقي من فعل ذلك».
فيما تقول الكاتبة والطالبة بكلية الاعلام بنغازي نجلاء المسلاتي، عن قانون منع بعض الكتب من التداول: «من مدة قبل مهرجان المناظرات اقترحت هذا الموضوع .. مع أو ضد قانون يمنع تداول بعض الكتب»، وتضيف: «أنا عن نفسي ضد أي قوانين من هذا النوع... قناعتي أن الكتب تستهلك من القراء والقارئ يقرر ما يقرأ وما يترك، أشعر بأنها إهانة لعقلي وجود قانون يحدد لي الممنوع في هذا الشيء».

فيما يقول حافظ الدويلي (مواطن): «أنا ضد منع الكتاب من التداول، لأنه بذلك تصبح المطالعة والثقافة مقننة وتسير في اتجاهات يريدها مسؤولو الدولة». أما الشاعر والصحفي فارس برطوع فيرى: «إذا كانت هذه الكتب لا تعود بفائدة فكرية ولا تقدم أي إضافة أو تأتي بجديد فمن الأجدر منعها، ولكن عن طريق وضع ضوابط ووفق معايير يضعها ذوو تخصص وخبرة».

من جانبها، أوضحت إدارة المطبوعات والمصنفات الفنية التابعة لوزارة الثقافة والمجتمع المدني ببنغازي: «صدر قانون المطبوعات في العام 1973، وكان القانون يحمل الضوابط وهو سليم وينظم أمور الصحفيين وأمور الكتب من دخولها ومن التي ستنشر وتلك التي لا تنشر، ولكن بعد صدور كتب القذافي أُهمل القانون، وبدأت الآراء الشخصية هي التي تسير البلاد وبصراحة منعوا كثيرا من الأفكار الجيدة من النشر».

وعن الكتب التي تقع ضمن إطار الممنوع، قالت الإدارة: «كتب التبشير بالمسيحية، التشيع وتلك التي تدعو إلى التكفير والكتب التي تمس الأخلاق والآداب العامة، علما بأننا تركنا القانون ولا نعمل به الآن، وإنما نقوم بهذا العمل كأشخاص حريصين على بلادنا، علما بأن القانون لا يخولنا كإدارة مطبوعات أن نعمل كمأموري ضبط قضائي ولكن هذه الصلاحية أعطيت لرجال الجمارك بالمطار وعندما تصل الكتب إلى المطار ممكن بالمعرفة يتم إخراجها للسوق».

وعن علاقة الإدارة بأصحاب المكتبات في بنغازي أوضحت: «نحن نعطي أي مكتبة رخصة مزاولة عمل، وعندما يريد أحدهم إحضار كتب من خارج ليبيا يبعث لنا قائمة بها، وإذا وجدنا أن هناك كتبا ممنوعة نقول له إن هذا الكتاب متحفظ عليه وإذا كان إنسانا محافظا ويحترم تقاليد بلاده لا يدخله للسوق ولكن إذا أحضره ودخل إلى المطار فلا سلطة لنا عليه، وهناك مكتبات وأكشاك لبيع الكتب أقيمت بدون ترخيص هدفها الكسب بأي شكل من الأشكال ربما تحضر ما تريده من كتب وتبيعها للمواطن الذي يعيش الانفتاح ويبحث عن المعلومة ولكن في كثير من الأحيان قد تضره تلك الكتب وهو لا يعلم».

للاطلاع على العدد 140 من جريدة «الوسط» اضغط هنا