السراج: ليس لدي قبيلة ولا ميليشيا ولا أنتمي إلى تيار مؤدلج .. وهذه أسباب أزمات الدّاخل وحقيقة الضغوط الخارجيّة

قال رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، فائز السراج، إن الانتخابات هي الحل الممكن للخروج من الأزمة الليبية، ورأى إمكانية إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية هذا العام «إذا التزم مجلس النواب بالاستحقاق الانتخابي، وقام بإعداد قاعدة دستورية للانتخابات في تاريخ أقصاه 16 سبتمبر، حسبما تم الاتفاق عليه في مؤتمر باريس».

وفي مقابلة أجرتها معه جريدة و«بوابة الوسط» تحدث السرّاج عن أسباب استمرار الأزمات الدّاخليّة التي تعيشها البلاد وعلى رأسها انقطاع التيّار الكهربائي المستمر ونقص السيولة المالية والترتيبات الأمنية، وقال إنه تعامل بالسياسة لإخراج البلاد من أزمتها، ودافع عن نفسه قائلاً: « ليست لدي قبيلة ولا تشكيل مسلح ولا أنتمي أيديولوجيًّا لأي تيار. انتمائي الوحيد لليبيا». 

وأشار السراج إلى أن الأزمة الاقتصادية الخانقة لم تنبت فجأة بل لها «جذور وهناك مَن يسقيها»، واعتبر أزمة السيولة إحدى «تداعيات تصدير النفط وهبوط أسعاره، وسحب رجال الأعمال في وقت متقارب أكثر من 24 مليار دينار». وأكد أن توحيد المؤسسة العسكرية «من أبرز مقومات الاستقرار» و«ضرورة لتأمين الحدود ومواجهة التحديات»، مشيرًا إلى دور مصر بهذا الاتجاه.

وحول التنافس الفرنسي - الإيطالي على ليبيا وانعكاساته، علق السراج قائلاً: «لم يكن ليستمر الانقسام السياسي لو وجد المعرقلون للتوافق موقفًا دوليًّا موحدًا وحازمًا». وردًّا على سؤال حول تعرض ليبيا لضغوط أوروبية، خصوصًا إيطالية، خاصّة ما يتعلّق بملف معالجة الهجرة غير الشرعية، علق السراج قائلاً: نرحب بالتعاون لحل القضية بأبعادها المختلفة، لكنه جدد رفضه «التوطين بأي شكل كان... وأي خطط لإنشاء مراكز مهاجرين على أرضنا». وفيما يلي نص الحوار:

* بعد أكثر من سنتين على وصولكم إلى طرابلس.. كيف ترون المشهد الليبي؟
- لاشك أن الوضع ليس مثاليًّا، فالتحديات التي تواجه ليبيا، تحديات كبيرة سياسيًّا واقتصاديًّا وأمنيًّا وعسكريًّا واجتماعيًّا أيضًا، لقد وجدنا كمًّا هائلاً من المشاكل في انتظارنا عند تسلمنا المسؤولية، بعضها تراكم على مدى سنوات ما بعد الثورة، وبعض المشاكل موروث من النظام السابق. تدنٍ في مستوى الخدمات وتآكل البنية التحتية، وزادت حدة المشاكل مع التراجع الكبير لتصدير النفط وهبوط أسعاره، وأدى خروج شركات التنفيذ والصيانة والعمالة الأجنبية إلى وقف عديد المشاريع، وبرزت أزمات مالية وخدمية حادة، هذا على الصعيد الاقتصادي، أما عن الأمن فلا تسل. وصلنا ودخان المعارك ما زال في الجو، كما أن النعرات العقائدية والقبلية والمناطقية كانت عالية النبرة.

تسلمت وزملائي مهامنا نتيجة اتفاق سياسي استمرَّ الحوار حوله ما يقارب العامين، ووصلنا إلى العاصمة وسلاحنا الوحيد هو العقل والرؤية بعيدة النظر، وتصميم على الانتقال من مرحلة الثورة إلى بناء الدولة. بالنسبة لي ليست لدي قبيلة ولا تشكيل مسلح ولا أنتمي أيديولوجيًّا لأي تيار. انتمائي الوحيد لليبيا. 

هذه المقدمة ضرورية للرؤية الصحيحة للمشهد اليوم. لقد تعاملنا بالسياسة لإخراج البلد من أزماته، مع الحرص الكامل وبقدر الإمكان على تجنب إراقة الدماء، وتجنب تدمير مزيد من منشآت الشعب وممتلكات المواطنين. نجحنا في حلحلة عديد الأزمات على المستويين الأمني والاقتصادي، وحشدنا التأييد الدولي العملي لمعركة شبابنا في سرت وغيرها. الإخفاق الذي أثر في مشوارنا وعرقل مشروعنا ولم نكن سببه كان في جبهة السياسة، مددنا اليد للجميع دون استثناء لتوسيع قاعدة المشاركة، لتتوحد الصفوف التي دون وحدتها لن نستطيع تحقيق تطلعات شعبنا، وللأسف البعض يعتقد بأن مصطلح السياسة مرادف للمساومات والمزايدة والمراوغة والمماحكات، وأصبحت لدينا أطراف تعمل بكل الطرق لإطالة أمد الأزمة، ففي نهاية الأزمة اختفاء لدورهم وضياع للمناصب والمكاسب، وهي وراء أبرز ما في المشهد اليوم من انقسام سياسي وانقسام قي المؤسسات، ووجود أجسام غير شرعية موازية للحكومة.

لقد طرحنا على الجميع في يونيو العام الماضي خارطة طريق تقود إلى تغيير الوضع سلميًّا دون إدخال البلاد في مواجهات، واقترحنا الانتخابات للفصل بين المتصارعين وهو الخيار الذي تبنته الأمم المتحدة، ووافقت عليه الأطراف الرئيسية قبل أن تبدأ عملية التنصل، التي نتابعها اليوم وتتخذ أشكالاً مختلفة، وتستغل تباين مواقف بعض الدول تجاه القضية الليبية لتستمر في موقفها المعرقل للمسار الديمقراطي.
هذا هو المشهد كما نراه وكما هو. لكننا لم نفقد الأمل ولم نتوقف عن العمل على تغيير هذا الواقع.

*المواطنون يشعرون بأن المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق، لم يفلحا منذ تسلمهما السلطة في مارس 2016 في معالجة الأزمات الأساسيّة التي يعانونها وتعانيها البلاد، وعلى رأسها السيولة المالية وانقطاع التيار الكهربائي، وأخيرًا ظهرت أزمة الخبز، إلى جانب الوضع الأمني، حيث لم تتوقف حالات القتل والسطو والخطف.. ما ردكم؟
- لفظ التعميم «الليبيون» لا يمكن حسمه في مثل هذه المسائل، فهناك مَن يدرك حجم المشكل وتعقيدها وقدر ما نبذله من جهود لحلها. ولا شك في وجود هذه الأزمات، وهي لم تنبت فجأة بل لها جذور، كما أن هناك مَن يسقيها، ولا شك أيضًا أننا حاولنا ونحاول إيجاد حلول لها، والأمر ليس سهلاً في غياب الموارد المالية اللازمة، لكننا نجحنا في حل بعضها والتخفيف من حدة البعض الآخر.

لنبدأ بالكهرباء: لنحدد الأسباب أولاً ثم نعرض ما اُتخذ من إجراءات حيالها. 
أولاً: لقد لحقت بشبكات الكهرباء أضرارٌ جسيمة بسبب ظروف الحرب وغياب الصيانة، نتيجة توقف الشركات الأجنبية المتخصصة عن تقديمها، إضافة إلى نقص في قطع الغيار. 

ثانيًا: الاعتداءات التي تتعرَّض لها المحطات وتشمل الاعتداء على العاملين، ونهب المعدات والأبراج.

ثالثًا: معدل استهلاك الفرد للكهرباء في ليبيا هو 5602 كيلو وات، بينما يصل في تونس لـ 1605 وفي مصر 2030 وفي الجزائر 1612 كيلو وات.

رابعًا: العجز في ليبيا يصل لـ1786 ميغاوات، وبما يتطلب في الوقت الحالي طرحًا للأحمال بكافة مناطق الاستهلاك، وهو ما لا يحدث، حيث تمتنع مناطق عن طرح الأحمال فيها.

خامسًا: الأزمة الاقتصادية الخانقة نتيجة مشاكل تراكمت منذ 2011 وما قبلها، ولقد عملت الحكومة طوال العام 2016 دون ميزانية، وحاولت تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين من خلال ما وفره المصرف المركزي من أموال كانت تكفي بالكاد المرتبات وأساسيات قليلة أخرى. 

سادسًا: عدم استكمال محطة أوباري التي قاربت على الانتهاء، بسبب انسحاب الشركتين المنفذتين بعد عملية خظف فنيين من العاملين بالمشروع، وقبل أن أتحدث عن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة، ورغم حدة الأزمة حاليًّا يتوجب الإشادة بالجهود الجبارة لمنتسبي قطاع الكهرباء من مهندسين وعمال وإدارة، الذين يواجهون ما سبق ذكره من مشاكل بعزيمة وكفاءة ووطنية. لقد وضعنا صيغًا لحلول عاجلة وأخرى متوسط وطويلة المدى، وأعود وأقول إن الضائقة المالية تحُوْل دون التنفيذ السريع.

بدأنا منذ تسلمنا المسؤولية وبجهد ذاتي استكمال صيانة الشبكات، ومعالجة ضعف التيار الكهربائي ورفع الجهد في المنطقة الجنوبية، وتم تكليف وزارة الداخلية تأمين غرف التحكم، واتخذنا إجراءات فعالة لتوفير الوقود لتشغيل المحطات.  الآن تم حل مشكلة الغاز بالنسبة لمحطة الزويتينة، وهذا سينتج ما بين 200 و250 ميغاوات، وسيخفف ذلك من المعاناة في المنطقة الغربية.

نجحنا في التفاوض مع الشركات المنفذة لمشروع محطة أوباري على العودة، وستوفر المحطة 600 ميغاوات. أيضًا هناك إجراءات ستتخذ لمحاولة ترشيد استهلاك الكهرباء، وتوعية المواطن بأهمية هذا العامل، فاستهلاك ليبيا من الكهرباء ضعف ما تستهلكه تونس التي يبلغ عدد سكانها 11 مليون نسمة. كما وضعنا برامج لتحصيل الرسوم التي توقف كثير من المواطنيين عن دفعها، وهناك تسهيلات لعملية الدفع.

وفي ما يخص الخطط المتوسطة وطويلة المدى، وقعنا عقدين منذ أشهر مع شركة «سيمنز» الألمانية لإنشاء محطتين لتوليد الطاقة الكهربائية في كل من طرابلس ومصراتة، وتبلغ قوة محطة طرابلس 69 ميغاوات، وستكون محطة مصراته بقوة 640 ميغاوات. أيضًا أسند منذ أشهر لشركتي «ميتكا» اليونانية و«جنرال إلكتريك» الأميركية تنفيذ محطة طبرق الغازية بقيمة 500 مليون دينار، كما تفاوضنا مع ممثلين عن الشركات الكورية التي لديها عقود مع شركة الكهرباء وهناك موافقة مبدئية على عودتها

وأؤكد أنه من الضروري أن تتعاون جميع المناطق والبلديات، وتتبع تعليمات الشركة العامة للكهرباء فيما يخص توزيع الأحمال، دون ذلك فالمشكلة ستتفاقم، وقد يتسبب عدم التعاون في انهيار كامل للشبكة. 

ولابد من الإشارة إلى ما سبق وذكرته في تصريح سابق عن دور ديوان المحاسبة في المشكلة الحالية، التي لم تكن لتحدث لو تم تنفيذ مشاريع المحطات التي تقدمت بها الشركة العامة للكهرباء بصفة عاجلة منذ عام مضى، حيث تم إيقاف الإجراءات من قبل الديوان بحجة أن التمويل يأتي عن طريق صندوق الاستثمار الداخلي، وبدعوى أن التمويل يأتي من أموال الأجيال القادمة ولا يجب استعمالها، رغم عدم مخالفته نصوص ولوائح واختصاصات صندوق الاستثمار الداخلي، هذا التدخل السلبي من الديوان حرمنا من 1300 ميغاوات كانت ستجنبنا المعاناة الحالية. هذا الموقف لم يثننا عن البحث عن بدائل للتمويل، وسنعمل على تنفيذ هذه المشاريع الاستراتيجية عن طريق «صندوق الجهاد»، وعن طريق صرف مخصصات الشركة العامة من البند الثالث. 
الإجابة طويلة لكن السرد كان ضروريًّا ليعرف المواطن كامل الحقيقة، ويستوعب ما يواجهه قطاع الكهرباء من مصاعب خارجة عن إرادته، وما نواجهه من حملات ظالمة.

بالنسبة لمشكلة السيولة المصرفية وفور حدوثها اتخذنا قرارات للتخفيف من حدتها، بعد اجتماعات مكثفة مع ممثلي مصرف ليبيا المركزي في طرابلس والبيضاء، واللجنة المالية بمجلس النواب، ومسؤولي المصارف التجارية. من بينها رفع سقف النقد الأجنبي المخصص للحوالات الخارجية، ورفع سقف النقد الأجنبي المخصص لبطاقات الائتمان، وفتح اعتمادات مستندية بأكثر من مليار دولار، وفتح اعتمادات برسم التحصيل لاستيراد المواد الغذائية، إضافة لوصول أوراق نقدية جديدة. 

لقد ألححنا منذ بدء الأزمة على مصرف ليبيا المركزي بوضع سياسة نقدية لمعالجة الأزمة، وقدمنا مقترحات لم يؤخذ بها، فعديد الدول تمر بأزمات مماثلة تواجَه بإجراءات لحلها، أو التخفيف من وقعها من قبل مصارفها المركزية. عمومًا منذ أسابيع فقط تم الاتفاق على حزمة إصلاحات اقتصادية. ستساهم بقدر كبير في الحل، كنا نأمل أن يبدأ تنفيذها قبل نهاية الشهر. 

هذه الإجراءات رغم أهميتها ليست الحل الجذري الذي نود ونعمل على تحقيقه، ويشمل استعادة ثقة المواطن والمستثمر لتعود السيولة إلى النظام المصرفي، وهذا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتحقيق الاستقرار، كما يجب الإشارة إلى أن أزمة السيولة هي إحدى تداعيات تراجع تصدير النفط وهبوط أسعاره، وسحب رجال الأعمال في وقت متقارب أكثر من 24 مليار دينار.

* طلبتم في رسالة مفاجئة إلى مجلس الأمن، تحقيقًا دوليًّا يتعلق بأداء مصرف ليبيا المركزي، الذي ستكون على رأسه مراجعة أوجه صرف مال الدولة.. ألا تخشون في المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق من أن تطالكم نتائج التحقيق سلبًا؟
- لو كنا نخشى ما طالبنا بالمراجعة، فليس لدينا ما نخفيه، بل نحن مصرون على المراجعة وناشدنا الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول الكبرى الإسراع في تنفيذ مطلبنا خلال الاجتماع الذي عقدناه مؤخرًا في تونس مع ممثلي هذه الدول والمنظمات.

* إلى أي مدى تتفقون مع تقرير ديوان المحاسبة الأخير الذي كشف تورط أعضاء بالمجلس الرئاسي في إهدار المال العام؟
- لدينا ملاحظات على التقرير وطريقة إعداده والطريقة التي عُـرض بها، لكننا في الوقت نفسه لن ندافع عن مَن يثبت إهداره المال العام، وهذا الإثبات يتطلب تحقيقًا شفافًا يمر عبر قنوات قانونية معروفة وليس عن طريق الإعلام.

* هل نجحت الضغوط الخارجية في حل أزمة الموانئ النفطية.. أم أن التفاهمات الداخلية هي التي نجحت في حل الأزمة؟
- لقد فوجئنا بالأزمة وفوجئنا أكثر بعدم استيعاب مَن تسبب فيها أن تصرفه لن يحقق شيئًا سوى الإضرار بالليبيين. من جهتنا لم يحدث تفاهم، وأعتقد أن ما حدث لم يكن ضغوطًا بالمعنى المتعارف عليه، بل تصريحات كانت بمثابة طوق نجاة ليعود المتسبب عن خطئه.

* هل يشمل الاتفاق إعادة ترتيب المصرف المركزي وتوحيد مؤسستي النفط؟
- لا يوجد اتفاق، بل هو نداء أطلقناه قبل الأزمة ومازلنا نطلقه بضرورة توحيد المؤسسات السيادية، وفي مقدمتها مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط والمؤسسة العسكرية، فهذا الانقسام ومعه الانقسام السياسي هو سبب معاناة الليبيين، ونرى أن المراجعة التي طالبنا بها ستساهم في توحيد المصرف المركزي على أسس واضحة سليمة.

* هل ترون أن هناك إمكانية لإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية هذا العام؟
- الإمكانية موجودة إذا التزم مجلس النواب بالاستحقاق الانتخابي، وقام بإعداد قاعدة دستورية للانتخابات في تاريخ أقصاه 16 سبتمبر، حسبما تم الاتفاق عليه في مؤتمر باريس.

نحن نؤكد ضرورة إجراء الانتخابات بشكل متزامن في موعدها، لكن تجربتنا مع مجلس النواب لا تدعو للتفاؤل، لذا يتوجب التفكير في حلول «خارج الصندوق»، أي إيجاد بديل لإجراءات مجلس النواب. في كل الأحوال نحن مستمرون في توفير كل ما تحتاجه المفوضية العليا للانتخابات، والعمل على ضمان سلامة المسار الانتخابي. وكما أشرت سابقًا فإننا نرى أن الانتخابات هي الحل الممكن للخروج من الأزمة الليبية. 

* هل تشعرون بأن هناك صراعًا على الدور بين فرنسا وإيطاليا على ليبيا.. وما انعكاسات هذا الصراع على الوضع في ليبيا؟
- لاشك في وجود تباين في المواقف بين الدولتين ولا يقتصر الأمر على إيطاليا وفرنسا. هناك دول أخرى تتخذ مواقف متعارضة تجاه الوضع في ليبيا، وأقول بصراحة إن الانقسام السياسي لم يكن ليستمر لو وجد المعرقلون للتوافق موقفًا دوليًّا موحدًا وحازمًا، حيث يعتمد المعرقلون على تناقض تلك المواقف، وهناك كما تعلمون دول تنحاز لهذا الطرف أو ذاك.

* هل تواجهون ضغوطًا أوروبية، خاصة إيطالية، بشأن معالجة ملف الهجرة غير الشرعية؟
- إيطاليا قدمت مشكورة مساعدات لخفر السواحل في مجالي التدريب والصيانة وتوفير قطع الغيار للقطع البحرية الليبية، وهناك تنسيق أمني لمواجهة شبكات التهريب والإتجار بالبشر، وقضية الهجرة غير الشرعية هي شغلها الشاغل، ونحن نرحب بالتعاون لحل هذه القضية بأبعادها المختلفة، وفي الوقت نفسه نرفض التوطين بأي شكل كان، كما نرفض أي خطط لإنشاء مراكز مهاجرين على أرضنا، ولن نرضخ لأية ضغوط أو إغراءات مالية. نحن نعمل وفق نهج واضح يخدم مصلحة البلد وليس لدينا ما نخفيه.

* يتهمكم كثيرون بتقديم تنازلات «سيادية» للحكومة الإيطالية، بينها السماح بإقامة مراكز تجمع للمهاجرين على الأراضي الليبية، وتواجد عسكري إيطالي على الأرض، في غات ومناطق أخرى.. ما ردكم، وألا تحرجكم تصريحات بعض المسؤولين الإيطاليين التي تزيد من مخاوف الليبيين في هذا السياق؟
- نحن لا نهتم بما يروجه البعض زورًا وبهتانًا في محاولة لتشويه موقفنا، فالحقائق على الأرض تكذِّب هذه المزاعم، فكما قلت في إجابة السؤال السابق إننا نرفض إنشاء مثل هذه المراكز، وأعلنا ذلك على الملأ، ولا تعنينا تصريحات المسؤولين الإيطاليين أو غيرهم، وهي موجهة بالأساس للرأي العام في بلدانهم.

أما حكاية غات التي نُشرِت في بعض مواقع التواصل الاجتماعي ورددتها بعض القنوات، فهي تتعلق بزيارة وفد من السفارة الإيطالية مدينة غات، التي تمت وفق برنامج اتفقنا بشأنه مع الحكومة الإيطالية وغيرها من الحكومات؛ للاهتمام بالتنمية المكانية في عدد من مناطق ليبيا من بينها غات، ومساعدتنا في هذا الظرف على دعم مقتضيات العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة، وفقًا للسياسات التي تتبناها حكومة الوفاق الوطني.

* هناك مَن يتهمكم بغض الطرف عن تحركات إبراهيم الجضران باتجاه «الهلال النفطي».. كيف تردون على ذلك.. وهل الجضران مطلوب من قبل النائب العام؟
- موقفنا كان واضحًا وتضمنه بيان بإدانة هذا التحرك، ولقد أكدنا مرارًا أن مناطق النفط لا يجب أن تكون ساحة للصراع، ونرفض تمامًا العبث بثروة الليبيين ومصدر رزقهم الوحيد من أي جهة كانت، كما استنكرنا قفل الموانئ النفطية وما تسببه من خسائر تمس كل الليبيين.

* هل تشعرون بأن الولايات المتحدة أصبحت أكثر اهتمامًا بالملف الليبي؟
- الاهتمام الملحوظ يأتي في إطار العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، التي اتضحت في محاربة الإرهاب، وهذه العلاقة تشمل العمل على دعم الاستقرار في ليبيا.

* ما مدى تعويلكم على الدور الأفريقي والعربي في حل الأزمة الليبية؟
- نحن نقدر الدور الأفريقي والدور العربي، ونثمن دعم الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية حكومة الوفاق الوطني، وكلاهما يؤكد أنه لا بديل عن الاتفاق السياسي كأرضية لأي مسار توافقي في ليبيا، كما يدعمان مبادرة المبعوث الأممي، ودورهما في ليبيا مكمل لدور الأمم المتحدة ولا يتعارض معه. 

* إلى أين وصل الحوار بشأن توحيد المؤسسة العسكرية.. وما مساهمة حكومة الوفاق في إعادة بناء القوات المسلحة؟
- أبرز مقومات الاستقرار هو توحيد المؤسسة العسكرية، وتبذل مصر الشقيقة جهودًا مشكورة في هذا الاتجاه، وشكلت لجنة على أعلى مستوى لرعاية الحوار، وقد كلفت بصفتي قائدًا أعلى للجيش عددًا من القيادات العسكرية للمشاركة في اجتماعات القاهرة لتوحيد المؤسسة العسكرية في ليبيا، التي دارت حول المسائل الفنية والعسكرية المتعلقة بتوحيد هذه المؤسسة، وحققت الاجتماعات تقدمًا حول الهيكل التنظيمي للمؤسسة، إلا أن التطورات العسكرية التي وقعت مؤخرًا جمدت عمل اللجنة بصفة نأمل أن تكون موقتة. إن توحيد المؤسسة العسكرية ضرورة لتأمين الحدود ومواجهة التحديات التي تواجه البلاد، وما نسعى إليه هو بناء هذه المؤسسة على عقيدة الولاء للوطن، والمحافظة على استقلاله وسيادته ووحدة أراضيه، وصون كرامة وحقوق جميع مواطنيه، وأن لا تتدخل في الشأن السياسي.

* ماذا بشأن إنجاز الترتيبات الأمنية؟
- لجنة الترتيبات الأمنية اتخذت إجراءات لضمان أمن العاصمة وعدد آخر من المدن، وهناك آلية ضمن الترتيبات الأمنية لجمع الأسلحة وتخزينها وتأمينها، وبرامج لإعادة إدماج المقاتلين في أجهزة وزارة الداخلية والقوات المسلحة، وبرامج لمَن يود العمل المدني وإجراءات لإنهاء كافة مظاهر التسلح الخارجة عن القانون. هناك إنجازات في عملية الادماج لكن العمل يسير ببطء لعوامل متعددة يطول شرحها، ولحرصنا الشديد على حقن الدماء، لكننا بدأنا خطوات في الاتجاه الصحيح.

* هل لديكم بهذه المناسبة ما توجهونه إلى الليبيين بشأن الأزمة التي تعيشها البلاد؟
- أقول لقد أضعنا الكثير جدًّا خلال السنوات الماضية. استنزفنا جهدًا ومالاً ووقتًا دون طائل، وخسرنا المئات من شبابنا في صراعات لا مبرر حقيقيًّا لها، وعلينا تعويض ما فاتنا وبسرعة. شعبنا عاني الكثير ويحتاج إلى أن ينعم بالأمن والاستقرار والرخاء، ويتحقق ذلك بلم الشمل وتوحد الليبيين، وأن يتقي المعرقلون للتوافق والمسار الديمقراطي الله في وطنهم. إن في ليبيا مساحة ودورًا للجميع سياسيًّا واقتصاديًّا وفي كل المجالات، وما علينا سوى الارتفاع فعلاً إلى مستوى المسؤولية تجاه الوطن الذي نتغنى به، ونعمل في ذات الوقت على تفتيته. لا وقت نضيعه. يجب أن تنتهي معاركنا بمختلف أشكالها السياسية والعسكرية والأيديولوجية، لنخوض معًا معركة البناء، لتتحول بلادنا إلى ورشة عمل وفق مخططات مدروسة، وبرنامج زمني لا ينتهي إلا وقد استكملنا بناء المستشفيات والمصحات والطرق ومشاريع الإسكان ووسائل الاتصالات، وطوَّرنا المدارس والجامعات وأن يصبح انقطاع الكهرباء من الذكريات التي لا نود تذكرها. كل ذلك في ظل دولة ديمقراطية، مدنية، تعددية، تحترم الاختلاف والتنوع الثقافي. دولة المؤسسات والقانون.

المزيد من بوابة الوسط