«خفر السواحل الليبي» هل يكون كبش فداء للعجز الدولي أمام «قوارب الموت»؟

رغم إقرار السلطات الليبية بوقوع انتهاكات فردية ومحدودة بحق المهاجرين غير الشرعيين منذ العام 2011، لكن تلك الانتهاكات لم تعد مجرد سؤال تتداوله وسائل إعلام غربية، بل -وحسب مراقبين- تحولت إلى اتهام جاهز ومباشر توجهه منظمات إنقاذ ومسؤولون أوروبيون إلى ليبيا، وتتجاهل ما هو معلوم بالضرورة من جهود ليبية لإنقاذ ورعاية ضحايا «قوارب الموت» ممن تقذفهم مياه البحر الأبيض المتوسط.

ووسط جهود إنقاذ ليبية للمهاجرين يعرقلها نقص الإمكانات والانقسام السياسي والانفلات الأمني، لا تخفي السلطات الليبية وجود انتهاكات فردية بحق المهاجرين، لكن أسئلة تتزايد بشأن دوافع تلك المنظمات مدعومة بما تقول إنها أدلة دامغة على تورطها في عمليات تشويش على جهود حرس السواحل خلال عمليات الإنقاذ.

وتفاقمت قضية الهجرة غير الشرعية منذ اندلاع ثورة 17 فبراير 2011، إذ يستغل المهربون الفوضى التي تعم البلاد لنقل عشرات الآلاف من المهاجرين سنوياً باتجاه أوروبا، فيما يشكو الأوروبيون باستمرار من تفاقم الأزمة، رغم جهود تبذلها السلطات الليبية في هذا السياق.

اتهامات «سي إن إن»
في منتصف العام الماضي، نشرت شبكة «سي إن إن» الإخبارية الأميركية تقريراً زعم بوجود عمليات بيع للمهاجرين في سوق بليبيا، في المقابل فتح رئيس مكتب التحقيق بمكتب النائب العام، الصديق الصور، تحقيقاً بشأن هذه الاتهامات، وقال «إن هناك حالات اتجار بشر فعلاً لكن ليس في سوق، وإنما بيع للمهاجرين من مهرب إلى آخر، «لكن ليس على هيئة سوق سخرة».

وتقدر القوات البحرية التابعة لحكومة الوفاق أعداد الذين أنقذتهم بأكثر من 80 ألف مهاجر غير شرعي بإمكانات بسيطة وظروف صعبة، فعلى سبيل المثال جرى إنقاذ أكثر من 300 مهاجر غير شرعي قبالة زوارة على مدار 72 ساعة فقط، وتم تسليمهم إلى جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية لتلقي العناية اللازمة في هذه الحالات.

وتعتبر ليبيا محطة للمهاجرين غير الشرعيين من مختلف الجنسيات في طريقهم إلى أوروبا، وتعاني الجهات المختصة نقصاً كبيراً في الإمكانات لمحاربة مهربي وتجار البشر والمهاجرين غير الشرعيين.

المنظمة الإسبانية
بيد أن ورقة جديدة أضيفت إلى ملف المهاجرين غير الشرعيين، وقذفت به إلى منحى صدامي، حين عثرت منظمة «بروأكتيفيا أوبن آمرز» الإسبانية العاملة في مجال إنقاذ المهاجرين على امرأة ما زالت حية إضافة إلى جثتين على قارب مطاطي فرغ منه الهواء، قبالة السواحل الليبية.

المنظمة زعمت أن خفر السواحل ترك امرأة وطفلاً يموتان غرقاً، عند اعتراض القارب الذي كان يقل 158 مهاجراً على متنه قبالة المياه الليبية، وقالت المرأة الكاميرونية التي عُثر عليها حية إنّ اسمها جوزيفا وعمرها 40 عاماً.

في المقابل، نفي جهاز حرس السواحل لهذه الاتهامات التي اعتبرها مفبركة، وقال إن «عملية الإنقاذ بكل مهنية ووفقاً للمعايير الدولية في إنقاذ الأرواح في البحر»، داعياً إلى تحقيق دولي في هذا الصدد. كما دخلت الحكومة الإيطالية على خط ردود الفعل، حيث ذكرت على لسان مصدر بوزارة الداخلية، أن «رواية المنظمة غير الحكومية المتداولة في هذه الساعات هي خبر زائف».

رعاية المهاجرين
ورغم سخونة الحديث عن هذ الحادث، إلا أن الثابت ما يتلقاه المهاجرون من طعام وأغطية ومياه خلال عمليات الإنقاذ، ليتم إبلاغ جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية الذي يحدد مركز الإيواء الرسمي التي سيتم فيه إيواء المهاجرين غير الشرعيين.

كما يجري إبلاغ الهيئة الطبية الدولية والمنظمة الدولية للهجرة والمفوضية السامية والهلال الأحمر لتحضير أنفسهم والقدوم إلى نقطة إنزال المهاجرين، وعقب ذلك تحصر هذه الأجهزة المهاجرين وتصنفهم وأخذ بيانتهم وجنسياتهم، وأثناء الحصر يجري تقديم الوجبات الغذائية والرعاية الطبية وإسعاف الحالات الخطيرة أو نقلهم إلى المستشفيات.وعلى سبيل المثال، يقدم مستشفى جراحة الحروق والتجميل جميع خدمات الرعاية والإنقاذ رغم قصور الإمكانات.

للإطلاع على العدد 140 من جريدة «الوسط» انقر هذا الرابط

وما بين اتهام ورد، تبقي الأسئلة قائمة حول «تسجيلات فيديو في حوزة القوات البحرية وتثبت تورط منظمات إنقاذ مع شبكات المهربين، وأنها السبب الرئيس في تزايد الهجرة وضحايا المهاجرين غير الشرعيين في البحر»، وهي التسجيلات التي أعلن عنها الناطق باسم القوات البحرية العميد أيوب قاسم.واتهم قاسم «هذه المنظمات بالتشويش على عمل الحرس ويبدأ المهاجرون بالاتجاه نحوهم وكثيراً سجلنا حالات غرق بسبب وجود هذه المنظمات ولدينا عدة أشرطة فيديو تثبت ذلك».

كبش فداء
في هذه الأثناء، يعتقد مسؤولون ليبيون أن ما يحدث هو محاولة لتحويل ليبيا إلى «كبش فداء»، ويقولون «في الوسط الإقليمي الذي توجد فيها أزمة الهجرة تعد ليبيا النقطة الأضعف نتيجة الانقسام السياسي والتشتت والوضع الأمني الخطير».ومما يضع موقف تلك المنظمات أمام مزيد من الشكوك، وهو أن دبلوماسيين ومسؤولين أوروبيين يتفقدون أوضاع المهاجرين غير الشرعيين على الطبيعة.

فعلي سبيل المثال أجرى السفير الإيطالي لدى ليبيا جوزيبي بيروني، الأحد، زيارة تفقدية إلى مركز إيواء الهجرة غير الشرعية في عين زارة، للاطلاع على الخدمات التي توفرها منظمات إيطالية غير حكومية للمهاجرين غير الشرعيين الموجودين بالمركز.

وقبل هذه الزيارة بيومين، زار السفير الإيطالي مركز إيواء المهاجرين غير الشرعيين بطريق المطار في العاصمة طرابلس، أشاد بـ«الالتزام المتفاني لليبيين والعمل الشغوف للمنظمات غير الحكومية الإيطالية» على الرغم من الصعوبات المستمرة.

ومع هذه الشفافية الليبية في التعاطي مع ملف المهاجرين غير الشرعيين، وما قد يقع من انتهاكات بحقهم، يبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كان هناك دوافع سياسية من وراء هذه الاتهامات.

المزيد من بوابة الوسط