روما مستعدة لـ «بدء الأنشطة الهادفة إلى تعزيز القدرات الداخلية لنظام الدفاع الليبي»

السراج يستقبل وزيرة الدفاع الإيطالية

حملت زيارة وزيرة الدفاع الإيطالية إليزابيتا ترينتا، إلى طرابلس، عدة رسائل وسيناريوهات بشأن طبيعة الاهتمام الدولي بالملف الليبي، لاسيما في إطار وضعها في الجهة المقابلة للتفاعل الفرنسي الذي نجح مؤخرا في فرضه لمساعيه على المجتمع الدولي والأمم المتحدة من خلال نتائج اجتماع باريس.

الاشتباك الدولي والإقليمي حول ليبيا، ظهرجليا خلال الفترة الأخيرة، لاسيما الفرنسي والإيطالي، وهو ما أظهرته تصريحات لا لبس فيها لـ«إليزابيتا ترينتا» أوائل يوليوالجاري عندما وصل الأمر بها إلى القول «لنكن واضحين.. القيادة في ليبيا لنا»، وذلك في معرض تحذيرها لنظيرتها الفرنسية، فلورنس بارلي.

الاهتمام الإيطالي جاء في أعقاب تسجيل فرنسا – على ما يبدو- نقطة لصالحها في هذا السباق، حين تبنى بيان مجلس الأمن الدولي حول ليبيا، الرؤية الفرنسية للحل، حيث أكد على مخرجات باريس، الأمر الذي شكل دعما لوجهة النظر الفرنسية التي ترفضها إيطاليا وتشكك في جدواها، واجتمعت في باريس، في التاسع والعشرين من مايو الماضي، أربعة وفود ليبية مؤثرة ترأسها رئيس حكومة الوفاق الوطني فائز السراج، والقائد العام للجيش الليبي المشير خليفة حفتر، ورئيس البرلمان عقيلة صالح، ورئيس مجلس الدولة خالد المشري، وذلك برعاية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والبعثة الأممية. 

وأفضى الاجتماع إلى عدد من النتائج، أهمها إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية بحلول 10 ديسمبر المقبل، على أن يسبقها وضع الأسس الدستورية للانتخابات واعتماد القوانين الانتخابية الضرورية بحلول 16 سبتمبر المقبل.

وفي أعقاب النجاح الفرنسي في الملف سارع نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية ماتيو سالفيني بزيارة إلى طرابلس، حيث التقى مسؤولين عن حكومة الوفاق والمبعوث الأممي وأطرافا محلية، وهي الزيارة التي ركز جانب كبير منها على قضية الهجرة غير الشرعية.

لكن زيارة وزيرة الدفاع تطرقت إلى جوانب سياسية وأمنية، ورغم أن تصريحات المسؤولة الإيطالية لم يرفض بشكل صريح الرؤية الفرنسية أومخرجات اجتماع باريس، لكن الوزيرة ألمحت إلى غير ذلك بقولها إن إجراء انتخابات قبل إتمام المصالحة في ليبيا «خطأ»، لن يساهم في حل المشكلات التي تواجه البلد. 

الرؤية الإيطالية واجتماع باريس 
تصريحات الوزيرة إليزابيتا ترينتا، أماطت اللثام عن الرؤية الإيطالية تجاه الملف الليبي والتي تغاير بشكل واضح نظيرتها الفرنسية، حيث اعتبرت وزيرة الدفاع الإيطالية أن إجراء انتخابات قبل إتمام المصالحة في ليبيا «خطأ»، ما يعني ضمنيا عدم الرضى عن نتائج اجتماع باريس، باعتبار أن الفترة المتبقية عن الموعد المقرر للانتخابات لا يتحمل الانشغال بغير التجهيز لهذه الاسحقاقات.

وقالت ترينتا، خلال لقائها رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، الثلاثاء، إن «عملية المصالحة في ليبيا يجب أن تكون شاملة»، لذلك «أعتقد أن الحديث عن انتخابات جديدة قبل استكمال هذه العملية هو خطأ»، مضيفة أن المضي في تلك الخطوات من شأنه أن «يضعنا أمام المشاكل نفسها، سواء أكان من جانبنا كإيطاليا أم من ناحيتكم في ليبيا»، مشددة على ضرورة أن تتفهم «البلدان الأخرى ذلك أيضا»، في إشارة على ما يبدو إلى فرنسا التي تتبنى رؤية مغايرة.

مقابلة حفتر
في هذا الإطار تحدثت إليزابيتا ترينتا عن أنها تخطط للاجتماع مع القائد العام للجيش الليبي المشير خليفة حفتر، حيث قالت في مؤتمر صحفي بمطار شيامبينو العسكري لدى عودتها من ليبيا: «من الضروري الاستمرار في إرساء عملية شاملة ترعاها الأمم المتحدة، ولهذا السبب من الضروري التحدث مع جميع المحاورين الليبيين، بما في ذلك المشير خليفة حفتر».

وبينما لم تخض الوزيرة كثيرا في تفاصيل الرؤية الإيطالية بشأن الحل السياسي، بخلاف رفض التسرع في إجراء الانتخابات، أدلت بتصريحات فضفاضة أكثر منها مؤطرة في بنود عمل، حيث قالت إنها تكرر عدة مرات ضرورة المصالحة (الشاملة)، متابعة: «لقد التقيت بالحكومة التي تمضي في العملية التي ترعاها الأمم المتحدة، لكن عندما أقول إن العملية يجب أن تكون شاملة، فإن ذلك يعني أن جميع الموضوعات الأخرى التي تؤثر على البلاد يجب أن تدخل في إطار هذه العملية، وإلا لن نصل إلى استقرار ليبيا».

وبدون أن تزيد في كيفية تطبيق هذه المصالحة، قالت إنها ستحاول «في الفترة المقبلة مقابلة حفتر أيضا، ولكي تكون جميع المواضيع الأخرى التي يجب أن نتحدث عنها قريبة المنال، وليس لإخباره بما يجب عليه القيام به».

دعم عسكري
وفي إطار الدعم العسكري، أعلنت الوزيرة عن استعداد بلادها - لاسيما وزارتها- لـ«بدء الأنشطة الهادفة إلى تعزيز القدرات الداخلية لنظام الدفاع الليبي»، في إطار الحفاظ على الأمن الداخلي وتعزيز السيادة الليبية، لكنها أشارت إلى أن ذلك سيأتي «وفقا لاحتياجاتهم ولاحتياجات الشعب الليبي».

وأكدت ترينتا، الدعم الكامل لعملية توحيد القوات المسلحة، باعتبارها تمثل رهانا لتشكيل قوة أمنية موحدة «يجب أن تكون شاملة لجميع الجهات الأمنية الراغبة بالمشاركة في الدفاع عن الدولة»، مشددة على ضرورة ألا يكون «احتكار القوة بيد الدولة»، وذلك في أعقاب تقديم بلادها عروضا لتدريب عناصر من أربع جهات ليبية، للمساهمة في رفع كفاءة وتطوير القدرات الليبية، لاسيما في مجال التصدي للهجرة غير الشرعية والتهريب.

التوجه العسكري نفسه تدعم إيطاليا من خلال مناقشة آليات التعاون والتنسيق في تجهيز مستشفىات عسكرية ليبية - إيطالية خارج الكلية الجوية، منها مستشفى علي عمر عسكر «إسبيعة»، ومستشفى طب الفضاء والأعماق «إمعيتيقة».

جاء ذلك خلال اللقاء الذي عـقد في طرابلس بحضور سفير إيطاليا لدى ليبيا جوزيبي بيروني، ورئيس أركان الدفاع الجنرال كلاوديو غراتسيانو، وآمر المنطقة الوسطى العسكرية اللواء محمد الحداد، وآمر قوة مكافحة الإرهاب اللواء محمد الزين، وآمر الكلية الجوية اللواء مفتاح عبجة.

اللقاء شهد الاتفاق على استمرار توحيد الجهود بين البلدين في مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية، والحد منها بتوفير الدعم اللوجستي الذي أكد معيتيق أهميته في مكافحة الإرهاب والهجرة، وتوفير كل احتياجات ليبيا من المعدات لحماية حدودها البحرية والبرية من خلال دعم الحكومة الإيطالية لرفع الحظر المفروض على ليبيا لتوفير المعدات لقوة حرس الحدود ومكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى رفع قدرات منتسبي قوة مكافحة الإرهاب، بإيفادهم للتدريب في إيطاليا للاستفادة من خبرتها في هذا المجال.

وأشاد معيتيق في السياق نفسه بما قدمته دولة إيطاليا لعلاجها جرحى عملية «البنيان المرصوص» في المستشفى الإيطالي بالكلية الجوية، الذين جرى إيفادهم للعلاج في إيطاليا، فيما أشادت الوزيرة بالعلاقات الليبية - الإيطالية في كل المجالات، وأبدت استعداد حكومة بلادها لدعم الاستقرار في ليبيا.

وخلال المباحثات التي جرت في طرابلس دعا رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، السلطات الإيطالية إلى «دعم الطلب الليبي برفع جزئي عن حظر السلاح لتجهيز قوة محاربة الإرهاب وحرس المنشآت النفطية والحرس الرئاسي» باعتبارها «كيانات أمنية تعمل على حفظ الاستقرار».

الهجرة غير الشرعية
وبالانتقال إلى ملف الهجرة غير الشرعية، ناقشت الوزيرة مآلات القضية، حين أكدت ضرورة «وقف الاتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية»، وأن بلادها ستبقى إلى جانب ليبيا، لافتة إلى أن بلادها «تريد فعل المزيد من أجل استقرار المنطقة والبلد، لكن نحن نتشاطر مشكلة مهمة أيضا، هي تدفقات الهجرة التي تجلب عدم الاستقرار لإيطاليا وليبيا».

وتحاول إيطاليا وضع حل لإشكالية الهجرة التي تتفاقم بشكل مستمر، حيث قال سالفيني في وقت سابق إن إيطاليا وفي حال امتناع الاتحاد الأوروبي عن تقديم الدعم الضروري لليبيا لمساعدتها على مواجهة التسيب الأمني وأنشطة المهربين «ستضطر لمساعدة ليبيا بنفسها»، لافتا إلى أن بلاده «ستتخطى الحظر المفروض على تسليح الأجهزة الأمنية وخفر الساحل الليبي».

وفي سياق عرضه الرؤية الليبية أكد السراج أن «المهم في قضية الهجرة هو كيفية إدارتها»، وأن «العلاج يجب أن يكون شاملا من خلال مساعدة دول المصدر تنمويا، وبما يوفر فرص عمل لشبابها وحتى لا يضطر لمغادرتها في مغامرة محفوفة بالمخاطر».

وطرح السراج الضرورة القصوى لتأمين الجنوب حين لفت إلى أن «الاهتمام بالمهاجرين العابرين للبحر المتوسط يجب ألا ينسينا الحدود الجنوبية التي يتدفق عبرها هؤلاء المهاجرون وتحتاج إلى دعم لتأمينها»، مثمنا في الوقت نفسه «ما تقدمه إيطاليا من مساعدات لخفر السواحل».

وبالتزامن مع طرح رؤية روما، فإن سياسيا إيطاليا معارضا شن هجوما على حكومة بلاده بشأن إدارتها لملف الهجرة، التي قال إنها تسببت في تراجع مكانة إيطاليا على المستوى الأوروبي، حين نقلت وكالة «آكي» تصريحات الأمين العام للحزب الديمقراطي المعارض، ماوريتسيو مارتينا، الاثنين، انتقاد سياسة حكومة إئتلاف (حركة خمس نجوم-رابطة الشمال) بشأن إدارة ملف الهجرة، واصفا إياها بـ«الفاشلة والدعائية».

وقال مارتينا، الذي خلف رئيس الوزراء الأسبق ماتيو رينزي في قيادة الحزب على خلفية الهزيمة القاسية التي تلقاها في انتخابات مارس الماضي البرلمانية: « لم تحقق إيطاليا مع حكومة جوزيبي كونتي أي تحسن في الأسابيع الأخيرة في إدارة تدفقات الهجرة»، متابعا: «في الواقع، هناك تراجع خطير لإيطاليا على المستوى الأوروبي».

تصريحات ماوريتسيو مارتينا تزامنت مع خلاف أوروبي عميق بشأن مقاربات حل إشكالية الهجرة، لاسيما مع تمسك إيطاليا برفضها أن تكون بلد الإنزال الوحيد للمهاجرين الذين تنقذهم وحداتها البحرية، في أعقاب اتفاق القادة الـ28 لأوروبا في بروكسل نهاية يونيو على التفكير في «نقاط إقليمية لإنزال المهاجرين» في دول أخرى لمن يتم إنقاذهم في المياه الدولية.

المزيد من بوابة الوسط