جولة لودريان تعيد الانتخابات إلى دائرة الشروط والمخاوف

غادر وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، ليبيا وفي حقيبته جملة مواقف وردود فعل على محاولته الرامية إلى الدفع باتجاه تطبيق إعلان باريس الذي ينص على إجراء انتخابات في ديسمبر 2018.

وكان المعلم الأبرز في جملة التصريحات التي تواكبت مع زيارته إلى طرابلس ومصراتة وبنغازي وطبرق ولقاءاته بالفاعلين الرئيسيين في المشهد الداخلي الإثنين الماضي هو التصميم الكبير الذي لمسه الوزير الفرنسي لدى رئيس مجلس النواب عقيلة صالح على الالتزام بالجدول الزمني لمختلف الاستحقاقات المقبلة.

جاء ذلك في مقابل مخاوف عبر عنها مجلس الدولة على لسان رئيسه خالد المشري، وشروط سمعها خلال زيارته إلى مصراتة ولقائه وفدًا عن المدينة، في حين يحذر محللون من خطورة نتائج الدفع نحو إجراء انتخابات بشكل متسرع.

وأعادت تصريحات لودريان، إثر اجتماعه برئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، فائز السراج  التذكير بـ«تعهّد المسؤولين الليبيين في باريس في 29 مايو بتنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية وفق جدول زمني محدد، وبحلول نهاية العام». 

وفي لهجة لا ينقصها الوضوح، قال الوزير الفرنسي: «جئت لتذكير من تعهدوا بهذه الالتزامات، وبهذا الجدول الزمني، وتقاسم المسار مع من شاركوا في اجتماع 29 مايو بباريس».

وكان السراج وحفتر وعقيلة والمشري أعلنوا التزامهم في باريس بتنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية في العاشر من ديسمبر 2018 في محاولة لإخراج البلاد من المأزق.

وأكد لودريان أن «فرنسا تدعم كل من يعمل في هذا الاتجاه»، معلنًا مساهمة فرنسية بقيمة مليون دولار في تنظيم الانتخابات.

كما اجتمع الوزير الفرنسي في طرابلس  مع رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري الذي طرح أربع عقبات تواجه تنفيذ مخرجات اجتماع باريس،  وأعرب المشري عن مخاوف أعضاء مجلس الدولة من خلق بعض العراقيل التي يمكن أن توضع في طريق الاستفتاء على الدستور وإجراء الانتخابات في موعدها المتفق عليه.

رئيس مجلس الدولة أرجع مخاوفه إلى أربعة أسباب، الأول «عجز مجلس النواب عن جمع أعضائه المائة والعشرين في نصاب قانوني لإصدار قانون الانتخابات»، والثاني «المخاوف المتعلقة بالتلاعب بسجل الناخبين»، وثالثًا «قدرة المرشحين على تقديم أنفسهم بصورة تنافسية صحيحة»، والرابع «القبول بنتائج الانتخابات من جميع الأطراف».

لكن المشري عاد وأكد أهمية الدور الفرنسي في الدفع بالعملية السياسية في ليبيا من خلال ممارسة نفوذها على بعض الأطراف المعرقلة لتنفيذ هذا الاتفاق، وضرورة أن تكون فرنسا على مسافة واحدة من جميع الأطراف الفاعلة الموقعة على إعلان باريس.

وزار لودريان مصراتة التي غابت عن اجتماع باريس، حيث أعلن ممثلو المدينة أنهم مع إجراء الانتخابات التشريعية في البلاد، لكنهم اشترطوا العمل على بعض الاستحقاقات المهمة، ومنها وضع الدستور والاستفتاء عليه.

ووصل وزير الخارجية الفرنسي إلى مطار بنينا في بنغازي قادمًا من مدينة مصراتة بعد لقائه عددًا من ممثلي المدينة ومجلسها البلدي عقب لقائه رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج ووزير الخارجية بحكومة الوفاق الوطني محمد سيالة وعددًا من القيادات العسكرية بالمنطقة الغربية.

ولاحقًا اجتمع لودريان بقائد الجيش المشير خليفة حفتر، وقال مكتب إعلام القيادة العامة إن لقاء المشير حفتر ووزير الخارجية الفرنسي خُصص «لبحث العديد من المستجدات على مختلف الأصعدة المحلية والدولية» دون مزيد من التفاصيل.

وعقب لقاء مع رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، قال الوزير الفرنسي في طبرق إنه لمس «التصميم الكبير» لدى صالح، مضيفًا: «ليست لديّ أي مخاوف حيال تصميمه أو حيال الجدول الزمني لمختلف الاستحقاقات المقبلة».

وتسعى الدبلوماسية الفرنسية إلى حث أطراف الأزمة الليبية إلى المُضي قدمًا باتجاه إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية قبل نهاية العام الجاري، فيما تواجه تلك المساعي تحديات عدة على الأرض.

وفي طرابلس قال الوزير الفرنسي خلال مؤتمر صحفي عقده مع وزير الخارجية محمد سيالة، إنه جاء للتذكير بالتزامات اتفاق باريس بشأن الانتخابات الرئاسية والتشريعية المتفق عليها ومشاركتها مع الذين لم يحضروا وفق رزنامة محددة بنهاية العام الجاري.

وفي غياب سلطة مركزية ذات هيكلية، باتت ليبيا نقطة انطلاق للهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، رغم تراجع عدد العابرين إلى إيطاليا هذا العام. كما أدى غياب سلطة مركزية تبسط سيطرتها على كامل أنحاء البلاد إلى ظهور تشكيلات مسلحة ما زالت تنشط في مناطق مختلفة.

وفيما تراه محاولة لبسط الاستقرار، تُراهن فرنسا على الانتخابات وتدافع عن موقفها إلى جانب المبعوث الأممي الخاص إلى ليبيا غسان سلامة، مخاطرة بإثارة حفيظة باقي الدول المؤثرة في ليبيا وأولاها إيطاليا،

والشرط الأولي لتنظيم انتخابات هو التوصل إلى توافق بشأن «إطار دستوري» وقانون انتخابي بحلول 16 سبتمبر، في وقت يستمر تنازع الفاعلين السياسيين والتشكيلات المسلحة  على السيطرة على البلاد.

وفي يونيو الماضي، استرد الجيش السيطرة على الهلال النفطي بعد معارك مع الآمر السابق لحرس المنشآت النفطية - فرع الوسطى إبراهيم الجضران، وبعدها عهد حفتر بإدارة العديد من المواقع النفطية لمؤسسة النفط في بنغازي، قبل أن يتراجع عن موقفه.

ورأى المحلل جلال الحرشاوي أنه بعد هذه التطورات «حدث تراجع تدريجي إزاء الطموح المعلن في 29 مايو» في باريس.

طموح مفرط
ورصدت «فرانس برس» الأجندات الخاصة للدول المؤثرة في المشهد الليبي. ومن بين هذه الدول إيطاليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة.

ويرى مراقبون كثر أن الجدول الذي تشير إليه فرنسا مفرط في الطموح نظرًا إلى الخصومات الميدانية، وينصحون ببدء العمل على استقرار الاقتصاد.

وحذّر الباحث في واشنطن، ألكسندر دوسينا، من أن تنظيم «انتخابات بشكل متسرع سيؤدي إلى موجة عنف وربما استئناف حرب أهلية على نطاق واسع في ليبيا». فقد تسعى ميليشيات تخشى فقدان السيطرة على بعض موارد البلاد، إلى عرقلة تنظيم الانتخابات.

من جهته رأى السيناتور الفرنسي سيدريك بيرين، وهو أحد واضعي تقرير أولي عن ليبيا، أنه يجب على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ألا يخلط بين «السرعة والتسرع وبين العمل والاتصالات». وأوضح أن «تنظيم انتخابات مع نهاية العام يبدو أمرًا بالغ التعقيد، مع أن هذا هو الاتجاه الواجب سلوكه».