توسع حركة السلفية المدخلية في ليبيا

عاد الحديث عن دور السلفية المدخلية في ليبيا للواجهة خلال الفترة الأخيرة، بعدما شهد بعض المساجد في الشرق والغرب حضورا بارزا، يضاهي وجودهم السياسي والعسكري في مختلف المناطق، ما اعتبره البعض مؤشرا خطيرا على مستقبل تواجدهم الآخذ في التنامي بدرجات كبيرة.

من فتاوى التكفير إلى التحريم والتجريم، ثم التأييد السياسي والحشد العقائدي للمواجهات العسكرية، تتجذر السلفية المدخلية في أطراف الصراع، بعدما كانت درعا خطابية ودينية يستخدمها النظام السابق، غيرتها في جذورها لتتحول إلى أحد العناصر الفاعلة على الأرض.

الفضاءات الإعلامية
دراسة نشرت مؤخرا نقلتها جريدة «الشروق الجزائرية، كشفت ملامح جديدة لتجذر السلفية المدخلية في المجتمع الليبي، من الفضاءات الإعلامية التي أنشأها المداخلة، إلى إنشاء المدارس إلى السيطرة على المنابر، بدت الحركة أكثر رسوخا في المشهدين السياسي والعسكري، ومن قبلهما الديني.

الوثيقة قدمت استقصاء بشأن الفضاءات الإعلامية للسلفية المدخلية التي وصلت إلى 11 فضاء إذاعيا، هي: «إذاعة المرج السلفية» و«أجدابيا السلفية» و«إذاعة مشكاة» و«السلام» و«الإسلام» و«سبيل السلف» و«الفتوى» و«الزاد النبوي» و«أهل الحديث والأثر» و«الزنتان السلفية» و«ميراث الأنبياء»، هذات فضلا عن عدد من المواقع والمنتديات على رأسها الثالوث: «شبكة البينة» السلفية، و«شبكة الورقات» السلفية، و«منبر الدعوة» السلفية، وقنوات تبث على «فيسبوك»، على رأسها الرباعي: «قناة سبها» و«مصراتة السلفية»، «وبنغازي السلفية» و«صبراتة السلفية».

مدارس المدخلية
على الجانب الآخر، سردت الوثيقة إنشاء المدخلية عددا من المدارس، ضمن نظام تعليمي خاص في عديد المناطق الليبية من بينها: أبو سليم وطرابلس والهضبة، ومعاهد دينية صغيرة، ونشر المطويات التي تتعلق بفتاوى تتماشى وتوجهاته، ونشر أفكار وكتب الشيخ ربيع المدخلي، ومحمد رسلان والشيخ عبيد الله الجابري، وبعض المشايخ الآخرين مثل أبو مصعب، وتتعلق جميعها بمواضيع تحرم الديمقراطية، أو مهاجمة التيارات والجماعات الإسلامية الأخرى، مع القيام بجولات دعوية لبعض القيادات الدينية.

توسع لقيادات التيار
دعم هذا التواجد المكثف شخصيات لها ثقل في المجتمع الليبي، إذ أن التحديات الداخلية والتطور الذي شهده التيار ميدانيا، من خلال تمدده وانتشاره أدى إلى بروز رموز محلية لها تأثيرها على أفراد التيار، ومن أبزر الرموز وقادة التيار هو مجدي حفالة، الذي وصفته الوثيقة بأنه أهم شخصية، وهو بمثابة زعيم التيار في البلاد، بالإضافة إلى الشيخ أشرف الميار، وهو آمر كتيبة التوحيد السلفية التي تقاتل في صفوف قوات الكرامة، والقائد في قوات الردع الخاصة بطرابلس أيمن الساعدي، الذي وصفته بأنه «مدخلي متعصب»، إضافة إلى الشيخ محمل أنقر بمدينة طرابلس، وعبد الحكيم المصري، الذي عرفته بأنه «رجل أعمال معروف بطرابلس، مدخلي الفكر، لكنه غير ملتزم، ويعتبر من أهم الداعمين للتيار المدخلي على الصعيد المادي، نظرا لخلافاته وكرهه لتيارات الإسلام السياسي».

ثالث القيادات هو الشيخ طارق درمان الزنتاني، الذي قالت الوثيقة إنه «أحد طلبة الشيخ مقبل الوادعي، زعيم التيار المدخلي في عموم منطقة الجبل الغربي، ويصل نفوذه لمنطقة صبراتة وصرمان، وله فيديو مسجل يحذر فيه من الإخوان، وهاجم فيه الصادق الغرياني».

وسردت الوثيقة مجموعة أخرى درسوا في السعودية على يد مشايخ التيار المدخلي ولهم تزكيات من مشايخ التيار في الداخل والخارج، وهم: محمد عون وأبو سعيد مفتاح المشيخي وياسين فرحات العمامي وأيمن العابد ونبيل الغرياني وأنس الحداد وأبو أحمد حميد المصراتي وسند الحداد وموسى طيب وموسى سالم، وجميع هؤلاء يملكون بعض المجموعات المسلحة الصغيرة، حيث تمارس هذه المجموعة عمليات الاعتقال بحق المخالفين لهم.

التوجيه الشرعي والسيطرة على «الأوقاف»
إلى جانب التواجد الإعلامي وتشعب القيادات، رصدت الدراسة إعداد التيار كثيرا من الدورات الشرعية، تصدر بعضها من مشايخ خارج ليبيا بدأت منذ سنوات، بالإضافة إلى توجيه مشايخ التيار لأتباعهم بدعم بعضهم البعض، من خلال دعم الراغبين في الزواج، والسيطرة على المراكز المهمة في الأوقاف، خاصة مكاتب الأوقاف في المناطق التي يقل فيها حضور التيارات الأخرى.

للاطلاع على العدد 138 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

الوثيقة نفسها ذكرت إحصائية خطيرة، بحسب وزارة الأوقاف، تتمثل في سيطرة المداخلة على 80% من مكاتب الأوقاف، والسيطرة على أكبر عدد من المساجد المنتشرة في البلاد، وتصدر الخطابة والإمامة ومراكز تحفيظ القرآن لضمان حصر الخطاب الديني في لون واحد يتوافق وتوجهات التيار المدخلي، وهو الانتشار الذي يشكل تجذرا أكبر للتيار السلفي في المجتمع الليبي.

إلى ذلك ينتقل الحديث مباشرة إلى علاقة تبدو غامضة بين التيار المدخلي وقوات «الردع الخاصة»، بالنظر إلى «التعدد في مواقفها الذي يجعل من الصعب إطلاق وصف دقيق وجامد حول خلفيتها ومنهجها، إذ يبدو واضحا أنها تعترف بالأجسام السياسية للدولة الليبية دون التلاعب في خطاباتها الإعلامية»، كما أنها تشيد بالدور الذي قامت به بعض الكتائب المحسوبة على الإخوان ضد تنظيم الدولة، في وقت تمارس فيه تيارات أخرى حربا على الإخوان، وهو ما يزيد غموض موقف القوات.

فتاوى المدخلية
الكاتب الليبي أحمد معيوف، تحدث في مقال سابق عن أن سيطرة السلفيين لم تقتصر على بعض مديريات الأمن، بل امتدت إلى أعلى مستويات السلطة، ضاربا مثالا بقرار سابق اتخذه اللوء عبد الرازق الناظوري، الحاكم العسكري لكل المنطقة الشرقية الممتدة من درنة إلى بن جواد بمنع النساء الليبيات من السفر دون محرم.

وفي المسائل الفقهية انتقل معيوف للحديث عن فتاوى من بينها حرمة الصلاة وراء من يحسبون على الإباضية وتكفير أتباع هذا المذهب، متابعا: «أنوه إلى بعض الأمور التي قد لا يعرفها عامة الناس، فبصفتي أمازيغيا فأنا محسوب على هذا الطائفة، إلا أني ربما ببعض الأسف لا علم لي بأدبيات هذه الطائفة وفقهها، فكل ما أعلمه أني تعلمت الصلاة خلف أبي، ولأن أبي لم يكن يرفع يديه في تكبيرة الإحرام، فككل الأطفال تعلمت أن أقلد والدي ولا أرفع يداي في تكبيرة الإحرام. وأجزم أن جل الليبين المحسوبين على هذه الطائفة لا يختلفون على ما أنا عليه. وأضيف أمرا آخر، وهو أن الأمازيغ، عندما يستجد عليم أمر يتطلب رأيا دينيا لا يبحثون عن شيخ إباضي يفتي لهم، بل يتوجهون إلى من يظنون أنه عالم بأمور الدين ويستفتونه دون التفكير في أن هذا الشيخ أو هذا العالم هو من طائفة غير طائفتهم، يكفي أنه مسلم ليسأل. ربما من يفهم معنى التكفير، سيدرك من أن أصحاب هذا السلوك يستحيل أن يوصفوا بالتكفيريين أو بالخوارج».

وظهور التيار المدخلي في ليبيا يرجع إلى العقد الأخير من حكم القذافي، الذي سمح لهم بالتواجد في ليبيا؛ لأنهم يحرمون الانتخابات والديمقراطية، ويدعون إلى الطاعة المطلقة للحكم، واستخدمهم القذافي لمواجهة جماعة «الإخوان» والمجموعات الجهادية، معتمدا على اعتقادهم بالطاعة الكاملة دون جدال للسلطة، ومعارضة الديمقراطية والانتخابات الحرة.

ومع بداية ثورة 11 فبراير رفضت السلفية المدخلية الانتخابات، بعدما أصدر المدخلي توجيها ناشد فيه أنصاره بالامتناع عن دعمها، وحافظ عدد كبير منهم على ولائهم للنظام أو وقفوا على الحياد، لكن بصورة براغماتية شارك أعضاؤها فيها في نهاية المطاف، وشهدت السلفية المدخلية تغييرات، لكنها كانت تعديلا في الشكل أكثر منه انحسارا أو اضمحلالا لتأثير السلفيين، عبر الانتقال من مرحلة الوجه الديني الخطابي إلى العسكري الميداني والانخراط في تحالفات مناطقية وعسكرية لم تذهب فيها المصالح بعيدا، ولا يمكن لمتابع أن يستبعد الطموح السياسي أو على أقل تقدير السيطرة الدينية في أنحاء البلاد.

للاطلاع على العدد 138 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط