هل يمكن لفرنسا أن تقود ليبيا إلى الاستقرار؟

الأطراف المشاركة في قمة باريس. (مايو 2018)

حاول الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، منذ العام الماضي قيادة الجهود الرامية إلى إحلال الاستقرار في ليبيا، إذ استضاف قمتين للأطراف الليبية، إلا أن تقريرًا جديدًا يرى أنه ليس بإمكان ماكرون تحقيق ذلك ما لم يحقق عنصرين رئيسيين.

وقال موقع «إي يو ريبورتر» البلجيكي، في تقرير أمس الاثنين، إنه في أعقاب زيارته ليبيا هذا الأسبوع طالب رئيس البرلمان الأوروبي، أنطونيو تاجاني، أوروبا «بالتحدث بصوت واحد»، وتوجيه جهودها على نحو جماعي صوب إعادة بناء دولة فعالة لتحل محل ما أصبح فوضى كارثية من الفصائل المتنافسة والقوى الخارجية ذات المصالح.

وذكر التقرير، الذي أعده الإعلامي المتخصص في شؤون الاتحاد الأوروبي كولين ستيفينز، أن دعوات تاجاني لتوحيد أوروبا في موقفها إزاء ليبيا تبدو مبهمة، لكنها كانت تستهدف على وجه التحديد باريس وروما، حيث انتقل البلدان وهما أبرز لاعبين أوروبيين في ليبيا من تبادل الانتقادات بشأن قضية الهجرة، إلى الاستعداد للتصارع حول محاولاتهما المتنافسة للم شتات السياسات الليبية الممزقة.

ووفق التقرير فإن تعليقات تاجاني بشأن الموقف الموحد لأوروبا تأتي بعدما أمضى الرئيس الفرنسي كثيرًا من الأسابيع القليلة الماضية، محاولًا التدخل في الجمود السياسي المستعصي في ليبيا، مضيفًا أنه منذ وافقت الأطراف الأربعة الرئيسية بليبيا في باريس في مايو الماضي، على إجراء انتخابات «نزيهة وسلمية» في ديسمبر المقبل، فقد دأب ماكرون على ممارسة الضغط على تلك الأطراف لضمان التزامها بالاتفاق.

ورأى كاتب التقرير أن «المستنقع الموجود على عتبة أوروبا قد يمنح ماكرون فرصة له، لوضع بصمته على الساحة الدولية، لكنه يضع باريس كذلك أمام تحديات مستعصية ولاعبين متهورين».

وأشار إلى أن مختلف الفصائل كانت تتقاتل لفرض سيطرتها على ليبيا منذ مقتل معمر القذافي في العام 2011، وأن البلد لا يزال دون سلطة موحدة، وقال إنه «مع توجه الرئيسين الأميركيين السابق باراك أوباما والحالي دونالد ترامب إلى سحب واشنطن من ليبيا، ففرنسا الآن تمثل الجبهة الأمامية للقوى الأجنبية الساعية للتوصل إلى حل سياسي للحالة الطارئة في ليبيا».

وقال الكاتب: «لكي يحرز ماكرون الطموح تقدمًا سياسيًّا في ليبيا يتحتم عليه معالجة الوضع الأمني الفوضوي، في الوقت الذي يحصل فيه على إجماع ضمن أصحاب المصلحة الغربيين بشأن الأزمة الإنسانية في ليبيا»، مضيفًا: «في حال لم يتعامل الرئيس الفرنسي مع تلك العناصر فالانتخابات المقبلة التي سعى إلى تنظيمها تحمل خطر دفع البلد إلى مزيد الفوضى السياسية».

وأضاف أن قمع قائد الجيش الوطني خليفة حفتر «الجماعات المتشددة. ساعده في كسب دعم باريس وعواصم أوروبية أخرى، التي أصبحت تنظر إليه بصورة متزايدة باعتباره محل ثقة لأداء مهمة جلب الاستقرار إلى ليبيا».

وتابع أن الشكوك تحوم حول انتخابات ديسمبر التي توسط فيها ماكرون، في ظل استمرار الفوضى في ليبيا، لافتًا إلى تحذير محمود جبريل من أن تنظيم انتخابات مبكرة من شأنه أن يؤدي إلى انقسام ليبيا، داعيًا إلى مزيد من الأمن والوحدة قبل تنظيم عملية الاقتراع.

وبدوره اعترف ماكرون بأن العنف قد يعوق الانتخابات، لكنه لا يزال يشيد بمؤتمر باريس باعتباره كسرًا للجمود القائم، وفقًا لتقرير «إي يو ريبورتر».

أزمة الهجرة
وبحسب التقرير، فيتحتم على ليبيا تحقيق القليل من الاستقرار لكي تستوعب أي فرصة لإجراء انتخابات ناجحة، وقال إن الدعم الغربي يعتبر عنصرًا رئيسيًّا في الأمر، لكن هذا الدعم مرتبط بصورة معقدة بتدفق المهاجرين غير الشرعيين على أوروبا قادمين من ليبيا.

وأوضح أنه بسبب أزمة الهجرة تلك التي تعانيها أوروبا فإن أيًّا من العواصم الأوروبية ليست مستعدة لانتهاج رؤية طويل الأمد، فإيطاليا، على سبيل المثال، وافقت هي وليبيا على إعادة إحياء معاهدة كانت تتضمن منح ليبيا 4.2 مليار يورو من الأموال الإيطالية، إذا وافقت طرابلس على إعادة المهاجرين إليها وتشديد الإجراءات على الهجرة غير الشرعية من شواطئها.

ونقل التقرير عن المحلل السياسي، جمعة القماطي، قوله: «إن إعادة أعداد كبيرة من المهاجرين مرة أخرى إلى ليبيا بعد إنقاذهم أو اعتراض سبيلهم في البحر المتوسط، قد يتسبب في أزمة اقتصادية واجتماعية هائلة في البلد ويخلق وضعًا أسوأ بكثير من ذلك الراهن».

والشهر الماضي تسببت الخلافات الداخلية في أوروبا بشأن اللاجئين في تعريض التعاون داخل الاتحاد الأوروبي للخطر، وانتقد ماكرون منع الحكومة الشعبوية في إيطاليا رسو سفن إنقاذ المهاجرين في الموانئ الإيطالية، على الرغم من أن فرنسا نفسها لم تعرض تقديم ملاذ آمن للسفن.

ويشعر الوزراء الأوروبيون بالاستياء مما اعتبروه إحجامًا من ماكرون عن تقديم المساعدة العملية، حتى بعد إعلان باريس وطرابلس خططاً لتعزيز تعاونهما ومكافحة المهربين الشهر الماضي.

واختتم الكاتب التقرير بالقول: «إن تاجاني كان على حق في مطالبته القادة الأوروبيين بتجاوز الاختلافات بينهم ومساعدة ليبيا من أجل حل أزمة الهجرة التي يعانونها، وإن فرنسا وإيطاليا لا يزال بإمكانهما التوافق على العديد من جوانب هذا التحدي»، مضيفًا: «أن إضعاف الجماعات المسلحة وتحسين الأمن من شأنهما المساعدة على التضييق على طريق تهريب البشر». 

وقال: «إن تعزيز الاستقرار والأمن في ليبيا هما بوادر لا غنى عنها لأي انتخابات مستقبلية، ناهيك عن مستقبل ووحدة المشروع الأوروبي».