«بي بي سي»: كيف تحمل ليبيا مفتاح حل أزمة الهجرة إلى أوروبا؟

إنقاذ مهاجرين قبالة سواحل ليبيا. (أرشيفية. رويترز)

قالت هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» إن ليبيا لطالما كانت تحمل المفتاح لحل أزمة الهجرة التي تعاني منها أوروبا، والتي يسعى الاتحاد الأوروبي إلى كبحها في ظل الضغوط التي يواجهها مع تصاعد التيار اليميني في بلدانه. 

ويرغب الاتحاد الأوروبي في إنشاء «مراكز استقبال» للمهاجرين في شمال أفريقيا لتقييم آلاف الأفارقة الساعين للوصول إلى أوروبا، غير أن المقترح رفضته ليبيا، حيث تعمل الآن بحرية شبكات مهربي البشر.

وقال المحلل الليبي لدى المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، طارق المجريسي، في تصريح إلى «بي بي سي» إنه «لم يعطَ اهتمام كاف بليبيا بعد إطاحة القذافي»، مضيفًا أنه «يوجد نقص في هياكل الإدارة وأن مجموعات التهريب استغلت هذا الأمر إلى أقصى حد». 

وعلى عكس تركيا التي أوقفت تدفق المهاجرين بموافقتها على استقبال السوريين الذين يصلون الأراضي اليونانية في مقابل حزمة مالية كبيرة، فحكومة ليبيا رفضت مقترحًا للاتحاد الأوروبي بإنشاء «مراكز استقبال» للمهاجرين الأفارقة لحين انتهاء الدول الأوروبية من تقييم طلبات اللجوء خاصتهم.

إذ قال نائب رئيس حكومة الوفاق الوطني، أحمد معيتيق بعد زيارة لوزير الداخلية الإيطالية لطرابلس: «نرفض تمامًا أي معسكرات مهاجرين في ليبيا ... هذا غير مسموح به في القوانين واللوائح الليبية».

واعتبر التقرير أن من ضمن التعقيدات الأخرى التي تواجه عمليه السيطرة على أزمة الهجرة هو انهيار القانون والنظام في ليبيا، حيث تعمل مجموعة كبيرة من الميليشيات المتنافية كما تشاء، وتجني بعضها قدرًا كبيرًا من المال من الاتجار بالمهاجرين.

«اتفاقية صداقة»
قال المجريسي إن المهاجرين سرعان ما غيروا التركيبة السكانية في أجزاء بليبيا، مضيفًا: «الليبيون يتشاركون المخاوف نفسها مع الدول الأوروبية».

وبحسب التقرير فقد أصبحت مدينة الزاوية الساحلية، التي كانت كثافتها السكانية في ما مضى نحو 200 ألف شخص، تأوي الآن أكثر من مليون مهاجر يعيشون بها وبمحيطها.

وفي أغسطس من العام 2008 وقع القذافي اتفاقية صداقة مع رئيس الوزراء الإيطالي آن ذاك سيلفيو برلسكوني، تضمنت تشديد الرقابة على الحدود الليبية نظير تعهد إيطاليا بدفع 5 مليارات دولار كتعويض لليبيا عن الجرائم التي ارتكبت أثناء الاستعمار.

ووفقًا لدراسة مولها الاتحاد الأوروبي، فقد ساعدت هذه الاتفاقية في تقليص عدد أولئك الساعين إلى الوصول إلى أوروبا على متن زوارق من نحو 40 ألفًا في العام 2008 إلى 3200 في الأشهر السبعة الأولى من العام 2009.

وأظهرت دراسة أخرى أن نحو 207 آلاف شخص غادروا الشواطئ الليبية في الفترة بين عامي 2003 و2012، بمتوسط 23 ألفًا سنويًا، مضيفة أن غالبية أولئك المهاجرين أي ما يفوق 190 ألفًا ذهبوا إلى جزيرة لامبيدوزا الإيطالية، فيما وصل الـ16 ألفًا الباقين إلى مالطا.

البترول ومهربو البشر
قال المجريسي إن القذافي استخدم الهجرة «لإبقاء أوروبا رهينة»، وسمح لشبكات التهريب -التي تكونت من قبيلتين رئيسيتين هما الطوارق والتبو- بالازدهار حين لائمه ذلك.

وأضاف: «كانت قبائل جنوب ليبيا من الناحية التاريخية تعمل في التهريب بسبب نقص الفرص الاقتصادية والتنمية، القذافي عقد صفقة معهم -هربوا البضائع إلى النيجر، وتشاد والجزائر بدلًا من البشر إلى أوروبا. وسيعطيهم البترول أو الدقيق بأسعار مدعمة، والتي سيبيعونها لاحقًا بأسعار السوق».

ورأى المحلل الليبي أن «الفراغ الذي خلفه القذافي لم يملأه مطلقًا أي كيان قادر على ممارسة السيطرة أو الضغط عليهم (على قبائل جنوب ليبيا)».

ووفق إحصاءات الأمم المتحدة فقد غادر 15 ألفًا شمال أفريقيا وبصورة رئيسية ليبيا في على متن زوارق في العام 2012 الذي وصفه كثير من الليبيين بأنه «العام الذهبي» بعد إطاحة القذافي. وقفز ذلك العدد إلى 170 ألفًا في العام 2014 بسبب تصاعد الصراع بين الأطراف المتنافسة في ليبيا.

وذكر تقرير العام الماضي للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن ليبيا كانت لعقود تجتذب الأشخاص من البلدان المحيطة لأنها توفر أفضل فرص العمل وأعلى الأجور في المنطقة، إلا أن نصف من يسافروا إليها تقريبًا ينتهي بهم المطاف على متن قارب إلى أوروبا هربًا من المخاطر التي تهدد حياتهم والظروف الاقتصادية الصعبة فضلًا عن انتشار الاستغال وسوء المعاملة.

وقال تقرير «بي بي سي» إن جهود تفكيك شبكات التهريب في ليبيا وبلدان أخرى أتت بثمارها. وذكر الباحث بالمبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية مارك ميكالف: «كانت ميليشيات بعينها (في ليبيا) تُعطى حوافز لوقف تهريب البشر واختارت المشاركة في أنشطة إنفاذ القانون، لكن تبقى ماهية تلك الحوافز غير واضحة».

وذكر التقرير أن السودان بقيادة عمر البشير -المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية لارتكابه جرائم حرب- تعاون كذلك مع الاتحاد الأوروبي. وقال ميكالف، في تصريح إلى «بي بي سي»: «على مدى العامين الماضيين، كان السودان يشن حملة على حدوده الجنوبية مع تشاد وليبيا ومصر، لقد انتهز الفرصة ليخرج من عزلته ولينخرط مع المجتمع الدولي».

الرواية الأفريقية
قالت «بي بي سي» إن انخفاض عدد زوارق المهاجرين بصورة ملحوظة في الشهور الستة الأولى من هذا العام، يرجح أنه إذا لم تندلع أحداث عنف كبيرة في ليبيا قبيل الانتخابات المزمعة في ديسمبر فمن شأن عدد عابري البحر المتوسط في 2018 أن يكون الأدنى منذ العام 2014.

وقال وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي المغربي، ناصر بوريطة: «لا ينبغي على أفريقيا أن ترد فقط على قرارات اتخذت من خارجها. يجب أن نمتلك روايتنا الخاصة».

وفي تصريح إلى «بي بي سي»، رأى بوريطة أن الدول الأفريقية تحتاج إلى الاستثمار في الشباب الذين يمثلون «طاقة» لكبح الهجرة، وقال: «إما أن تستغله (الشباب) بصورة صحيحة ويمكن أن يكون عنصرًا للتنمية أو لا تسيطر عليه وسيكون حينها مشلكة لكل البلدان».

أوروبا تحتاج الهجرة
قالت مؤسسة «أفرو باروميتار» الأفريقية غير الحكومية ومقرها بجنوب أفريقيا في استطلاع رأي الشهر الماضي إن القارة تحتاج إلى اقتصادات «مزدهرة» لكبح الهجرة، إذ إن الرغبة في الهجرة كانت أقوى لدى الشباب والمتعلمين لحاجتهم للعثور على عمل للهروب من الصعوبات الاقتصادية والفقر.

يرى المجريسي أنه يجب على الاتحاد الأوروبي أن يركز بصورة أكبر على إيجاد طرق قانونية للهجرة من أجل تعزيز قوته العاملة، وقال: «البعض يفعلون ذلك لطلب اللجوء. آخرون لأسباب اقتصادية. فهم شباب متحمس ومستعد للعمل في مجالات مختلفة. أوروبا تحتاج الهجرة، مع تقدم سن سكانها».

لكن شوذيا اختتم تقريره بالقول إن المناخ السياسي الحالي في أوروبا لا يخدم وجهة نظر المجريسي تلك، إذ يلقي كثير من الناخبين باللوم على المهاجرين للمشاكل الاقتصادية التي يعانون منها في أوروبا، وتسبب ذلك في صعود الأحزاب اليمينية، وعلى الأرجح فستزيد في المستقبل الجهود الرامية إلى الحد من الهجرة.