«ذا ناشيونال إنترست»: العودة لدستور 1951 أساس إجراء انتخابات في ليبيا

القوى الغربية تضغط صوب إجراء انتخابات في ليبيا بنهاية العام الجاري

قال تقرير نشرته مجلة «ذا ناشيونال إنترست» الأميركية إن القوى الغربية تضغط صوب إجراء انتخابات في ليبيا بنهاية العام الجاري، رغم غياب قواعد قانونية تحكم الانتخابات أو تحكم الفترة التي تلي ظهور النتائج وتولي الفائزين مناصبهم رسميًا.

فمنذ شهر مضى، اجتمعت الأطراف الليبية الأربعة الرئيسة في باريس برعاية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، واتفقوا على بيان نهائي من ثماني نقاط يمهد الطريق أمام إجراء انتخابات بنهاية العام الجاري.

المخاطر الأمنية
لكن معد التقرير، إدوارد جوزيف، قال إنه حتى إذا تم التغلب على المخاطر الأمنية الراهنة، فهناك تحدٍ آخر يقف أمام إجراء الانتخابات، وهو غياب قواعد قانونية تنظم مرحلة الانتخابات والمرحلة التي تليها مع تولي الفائزين مناصبهم. وأكد أنه دون وجود آلية دستورية متفق عليها، فإن إجراء الانتخابات في ليبيا سيشعل صراعًا جديدًا، ويؤكد انقسام الدولة.

ورأى الكاتب أنه بدلاً عن محاولة التوصل إلى اتفاق حول مشرع دستور جديد، يجب الرجوع إلى الدستور الليبي «الناجح»، والذي وُضع العام 1951. وقال: «الرغبة في إجراء انتخابات في ليبيا مفهومة، فالدولة مقسمة بين ثلاث حكومات متنافسة، وبرلمانين، وعشرات المجموعات المسلحة. وهناك إشكالية شرعية كبيرة حول مؤسسات الدولة والقائمين عليها. بالإضافة إلى أن المؤسسات الليبية غير فعَّالة، والمؤسسات الفعَّالة متواجدة على مستوى المجالس البلدية فقط».

وتابع: «هناك انقسام كبير بين شرق ليبيا وغربها، وبين المناطق التي تضم ثروات نفطية والمناطق التي لا تملك تلك الثروات، وبين أصحاب التوجهات الدينية والعلمانية، وبين القبائل وبعضها. كما أن غالبية الدولة لا تنعم بالأمن، وتندلع صراعات في كثير من المناطق، مع وجود مجموعات متشددة بينها تنظيم (داعش)، بالإضافة إلى انسحاب السفارات والمؤسسات الدولية من طرابلس إلى تونس».

لكن التقرير رأى أن «الأسباب التي تجعل من الانتخابات خطوة حيوية لا بديل لها هي نفسها الأسباب التي تجعل من المستحيل، بل من التهور، المضي قدمًا نحو الانتخابات دون استعداد، في ظل انتشار العنف وانعدام الأمن، والانقسام الداخلي والإقليمي، مع انهيار الحكومة، وتدخل أطراف خارجية وازدياد الصراع حول الثروات والموارد».

تاريخ «مضطرب»
وتابع الكاتب: «غياب قوانين متفق عليها تحكم الانتخابات هي ما حوَّل الانتخابات الأخيرة التي أُجريت في 2014 إلى حرب أهلية واسعة. ووقتها، ضغط المجتمع الدولي لإجراء الانتخابات رغم عدم استكمال الدستور. وتحدى المرشحون الخاسرون النتائج، كما قامت المحكمة العليا، والتي تعمل دون تفويض دستوري بإبطال النتائج، وهو ما أدخل الدولة في دوامة الحرب والصراعات المستمرة إلى الآن».

وتحدث التقرير أيضًا عن «زيادة التوترات بين طرابلس وشرق ليبيا، بالتزامن مع اغتيال عشرات السياسيين والنشطاء وأعضاء القوات الأمنية في بنغازي ودرنة، مما دفع قائد الجيش المشير خليفة حفتر لشن حملة عسكرية لتحرير بنغازي».

ونتيجة لهذا التاريخ «المضطرب»، رأى الكاتب أنه من الأفضل هذه المرة التوصل إلى اتفاق موسع على القواعد الدستورية التي تحكم الانتخابات، فضلاً عن أدوار من سيتم انتخابهم. وقال: «دون إطار متفق عليه لتقاسم السلطة، سيظل المفسدون خارج إطار العملية السياسية، يمهدون الطريق أمام مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار».

الاستفتاء الدستوري
وفيما يخص مسودة الدستور، والتي من المفترض أن يجري الاستفتاء عليها في سبتمبر المقبل، بحسب إعلان باريس، استبعد التقرير أن ينجح الاستفتاء في حشد كثير من الدعم الشعبي للدستور، بسبب قلة التشاورات التي أجرتها هيئة التأسيسية مع الأطياف الليبية.

وحتى إذا تم الاستفتاء على الدستور بنجاح، سيكون على مجلس النواب تمرير قوانين انتخابية جديدة. وهنا قال تقرير المجلة الأميركية: «الوضع الحالي وضع مثالي لأطراف الصراع، الراضين بالوضع القائم والراغبين في البقاء بمناصبهم، والساعين لإطالة أمد الخلافات بينهم».

وتابع: «ممارسات المستفيدين من الوضع القائم، من فساد وسرقة، تبتلع احتياطات المصرف المركزي، وتضع ليبيا، الدولة الغنية، على شفا الإفلاس. ولم تنجح جهود المبعوث الأممي، غسان سلامة في إنهاء الجمود السياسي حتى الآن».

دستور 1951 .. الحل الأفضل
ولهذا أكد التقرير أن «الحل الأفضل هو العودة إلى دستور العام 1951، والمُعدل في 1963»، موضحًا أنه «جاء نتيجة عملية ثورية ناجحة، وافقت الأقاليم الليبية الثلاثة بموجبه على تسليم السلطة لتشكيل نظام حكم فيدرالي، ولذا فهو يحظى بالطابع التوافقي».

واستمر العمل بدستور 1951 حتى الانقلاب الذي نظمه القذافي في 1969، حينها قدم القذافي نظام حكم مركزي في طرابلس، تاركًا إرثًا من الشكوك حول بنغازي والشرق، وهي مخاوف استمرت في ليبيا وبرزت خلال الصراع الذي اندلع في 2014، بحسب التقرير.

وقال الكاتب إن «العقبة التقنية الوحيدة أمام إعادة العمل بدستور 1951 هو استبدال دور الملك بدور آخر مدني. لكن القوانين الليبية وفرت حلاً وهو تشكيل (مجلس سيادي موقت) مصمم لتولي دور الملك في حالات الطوارئ».

وتابع الكاتب: «باستخدام تلك الآلية، يمكن لدستور 1951 وضع القواعد التمهيدية لانتخاب (مجلس سيادي موقت) يتولى مهام تحديد من يجب عليه تشكيل الحكومة من بين البرلمانيين المنتخبين، وعمل التعيينات المهمة في القطاعات الأمنية والمالية».

وأضاف موضحًا: «قد يعمل هذا المجلس الموقت عمل الرئيس، وبالتالي إزالة العقبة الأكثر إثارة للجدل من المشهد السياسي. ومع استعادة الاستقرار بشكل تدريجي، واستعادة المؤسسات قدرتها على العمل، يمكن حينها وضع دستور جديد وطرحه للاستفتاء، وبعدها إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة».